; الذئب والإعصار | مجلة المجتمع

العنوان الذئب والإعصار

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001

مشاهدات 114

نشر في العدد 1450

نشر في الصفحة 50

السبت 12-مايو-2001

قصة قصيرة

أمتطى «ذئب» أسوار ضيعتنا الغافية ليلة شتوية باردة.. كنا نيامًا.. فتمت له السيطرة الكاملة على مرافقها المفصلية في تمام الثانية من ذلك الفجر الضبابي الذاهل.. وتناهى النبأ إلى سمع «المختار» قبل إذاعته علنًا من عواء الذئب المعهود أثناء المداهمات، ومن القدر اليسير الذي بلغه من ثغاء النعاج المكتوم.

وما أسفر الصبح حتى شاع النبأ فينا مثل بيان العسكر.. ومن تغلب على ذهوله من الرجال وواتته الشجاعة فامتطى سطح بيته تأكد بنفسه حين رأى الذئب راجعًا إلى مقره بعدما ولغ في دم النعاج ليلته كلها!.

ورغم أن أحدًا لم يمنع التجول أثناء النهار.. إلا أن شعور الخوف ملأ الجوارح فما تساعد على حركة.. وغدا الأفق مفتوحًا على شتى الاحتمالات من يضمن أنه ابتعد؟!... من يستبعد مداهمة جديدة حتى في وضح النهار؟!.. من يستطيع أن يتنبأ بما يضمره لبقية «القطيع»؟!.. من؟!.

خلت الطرقات.. وأقفرت الأسواق.. وليس إلا صمت متوجس وبعض كلاب!.

وكان لابد لليل أن يتكرر.. ومن اختارهم «المختار» كي يتابعوا تطورات الأحداث لم يروا الذئب يتقدم من مقره في الموعد المتوقع.. بل رتلًا كاملًا!.. كبيرهم في المقدمة.. وعلى الميمنة والميسرة الباقون، وحسب الحظوة!.. يتقدمون مصحوبين بالحراسة المشددة التي تغطي كل ما يأتون.. فما يُعرف على أي شيء ينوون.. ولا أية الحظائر قد تمكنوا منها تلك الليلة!.

والعمل يا مختار العمل؟!.

أي عمل؟!.. وهل ترك العنفوان الذي انقضوا به لأحد القدرة على التفكير؟!.. لقد عمت الرهبة والذهول الجميع.. وعمكم المختار أولكم ولا أنكر.. وهذه المرة ليست كسابقاتها.. والذي يقودهم ليس كأسلافه.. ولا يمكن أن يُعرف بالتحديد لماذا جاء!!.. ولا عند أي حد سيكتفي.

انفض عنه الذين يملكون أنفس القطعان ليجتمعوا فيما بينهم بليل: «نهاجر.. أجل.. «الضيع» المجاورة أكثر أمنًا.. ولا نترك «حلالنا» وإرث الآباء لاحتمالات المخالب والأنياب!.. بينما فرك الذين لا يملكون أيديهم لانقداح الذكاء في أذهانهم التي كانت مسدودة من قبل: «الوضع ينفتح على احتمالات كثيرة وفرص وفيرة.. فلماذا نهاجر؟.. ليس لدينا ما نخسره». 

وتحالفت جهالة «المختار» مع خوف الذين يملكون، مع شهوة الذين لا يملكون.. وتمت الصفقة أن يتقدموا كل ليلة بإحدى وعشرين نعجة سمينة موثوقة إلى الذئب وجماعته، فيأمنوا هكذا شرهم.. لولا أن أيًّا من الذئب الأكبر وجماعته المتوالدة مثل الفئران لم تعد تلفتهم كل هذه الطقوس.. ولا يهمهم بعد أن تكون النعاج إحدى وعشرين أو اثنتين وأربعين... صار همهم أن يسرح قطيعهم في أية ساعة يشاؤون من ليل أو نهار دون أن يرفع «ابن رجل» عينه في وجوههم!.. حتى إذا باتوا مطمئنين على سلامة المسيرة اتجهوا نحو أي من «المرابع» شاؤوا يقلبون عاليها سافلها.. ينكرون معالمها.. يبدلون ملامحها أو يزيلونها بالمرة.. ولا بأس أن تتبعهم في مسيرتهم بعض الكلاب!.. على أن الدنيا- والحمد لله- ما تزال في ضيعتنا بخير.. النعاج تتوالد.. وفحولها مخصبة.. ورعاياها تثغو في الأزقة تستجدي ما تقتات.. حتى الليل والنهار استمرا في تعاقبهما ليؤكدا أن الدنيا بخير!.

*          *          *

وحده ابن «المختار» الراجع من حملة الحجيج استوقفته الصورة المنكرة والرائحة الخبيثة، «هلا لا يصير يا ناس أين وجوهكم.. أين أصواتكم.. لقد كدت أضيع فما أدري أين أنا؟!.. هل حقًا مر من هاهنا يومًا معاوية أو ابن عبد العزيز؟!»، ارتمى المختار فوق ولده متوسلًا: «ويلك إنك لا تعرف شيئًا.. لا تعرف كم تساوي ليلة واحدة من لياليهم.. فلا تورطنا... أرجوك».

 هز الفتي رأسه مذعنًا للرجاء ومضى إلى صمت عميق.

«الطريق صاعدة في وعور.. والهمم خارت بعدما أجبرت... والنفوس ترهلت بطعم الحلوى حتى ما عادت ترتجي ترى ما بقي إذًا؟!.. من إذًا؟!.. ها.. بقي الذين لم يدنسوا.. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (سورة الكهف: ١٣)، الذين عايشوا العسر دون أن ينخر عظامهم الخوف منه.. أو راقبوا السطو دون أن يفسدهم طعم الذل مدفوع الثمن... الذين حفيت أقدامهم بالسير نحو السبل المسدودة، ودميت أيديهم من الطرق على الأبواب المقفلة، حتى تطهرت نفوسهم بنار الانتظار.. انتظار الفرج.

بدأ شيء ما يدور مع النسيم في الأجواء.. يملأ كل مكان.. يسري بلطف... وبلا ضجيج.. لكن بثبات.. وارتقاء.. شيء كأنه روح جديدة في جسد لا يُراد له إلا أن يكون المأوى الأخير لكل معنى سماوي كريم... روح لا تُرى ولكنها تُلمس.. تُخشى وتُراقب بلا ضوضاء ولا رعود.. حتى إذا تكاتفت انقضت- مثل الإعصار- دفعة واحدة.. تأخذ في طريقها كل شاذ وغريب.. وتجتث كل فاسد أو خبيث.

حدث أن الذئاب عاودتهم شهوة المداهمة من جديد.. ربما لنقص الزاد، أو ازدياد التابعين أو لسهولة المغامرة.. كأنهم كانوا مع نهايتهم على موعد.. وكأن «الأكباش» كانوا معهم على ميعاد.. فصبروا ولم يتزعزعوا.. مما أذهلنا جميعًا.. فانقلبنا معهم وإن لم نكن نملك لهم الكثير.. بينما ارتدت المباغتة على الذئاب من حيث لا يشعرون.. فأصابهم الذهول بلوثة من الجنون: «من أين أتوا.. وكيف تجمعوا.. وأين كان وقتها كل ما أدخرناه من كلاب»؟!.. أخذتهم الرجفة، وتراجعوا.. لأول مرة منذ أربعة عقود تراجعوا.. سمّوها هدنة!.. عل الإعصار يتوقف من تلقاء نفسه أو يخبو أو يأكل بعضه!.. لكنه يتنامى بعدما أخذت تنصره حتى غيوم السماء.. فرأوا- الذئاب- وبحنكة المجرب أن يتمترسوا بالسياجات القديمة.. قالوا نرضى بقسمة الإحدى وعشرين نعجة نصيبنا في كل ليلة ونعيش جميعًا في سلام!.. ولكن مَنْ مِن «الأكباش» التي ما عادت نعاجًا يرضى أن يكون طعمة للذئاب؟! حتى جاعت.. فولت.. واختفت.. وصار سهلًا بعدها القضاء على الكلاب، أو تسخيرهم لدورهم الأمين.. وكُتب لضيعتنا أن تنعم أخيرًا بالأمن والأمان وأن تنام- لأول مرة منذ أربعة عقود- دونما كابوس.. ودون أن تغفل أيضًا.. فلعل الذئاب لم تيأس بعد.. أو لعلها تعاودها من جديد شهوة المداهمة والناس نیام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 44

110

الثلاثاء 19-يناير-1971

لعقلك وقلبك (44)

نشر في العدد 300

88

الثلاثاء 18-مايو-1976

من شذرات القلم

نشر في العدد 287

80

الثلاثاء 17-فبراير-1976

جلسة مع ابن قيم الجوزية (287)