العنوان الذبائح واللحوم المستوردة: مَحَل الذبح (المقال الثاني)
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 540
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 25-أغسطس-1981
- ابن قدامة: محل الذبح الحلق واللبة ولا يجوز الذبح إلا في
هذا المحل بالإجماع.
- ذبيحة الشيطان التي لا تقطع فيها الأوداج.
- الذبح في الحلق حددته النصوص الواردة.
- الذبح بالصعق الكهربائي أو التدويخ أو التفريق أو الوقز
ذبيحة ميتة لا تحل.
ذكرنا في المقال الأول أنه يشترط في
الذابح أن يكون مسلمًا أو كتابيًا وفي هذا المقال سنتكلم إن شاء الله عن محل الذبح
في الحلق واللبة (الثغرة التي في أسفل العنق)، وهذا شرط حددته الأحاديث
الصحيحة المرفوعة والموقوفة وليس كما يقول الشيخ ابن محمود «إذ ليس عندنا ما
يدل على قصر التذكية وحصرها في قطع الحلقوم والمريء حسبما شرطه الفقهاء إلا أنها
جرت العادة بذلك في الإسلام وزمن الجاهلية ولأنها أبقى وأسلم للجلد».
أقول هنالك نصوص صحيحة كثيرة في
تحديد مكان الذبح ولو ذبحت في غير هذا المكان لكانت ميتة.
ومن النصوص:
1- عن أبي أمامة مرفوعًا: «كل ما فرى الأوداج ما لم يكن قرض سن
أو حز ظفر» وهذا الحديث صحيح رواه الطبراني والبيهقي(١).
ومعنى فرى: قطع، والأوداج باتفاق
المعاجم اللغوية العروق التي تكتنف العنق.
جاء في الصحاح للجوهري(۲): الودج:
عرق في العنق وهما ودجان. وفي لسان العرب(۳): أوداج عروق تكتنف الحلقوم وقيل الأوداج: ما أحاط
بالحلق من عروق.. وفي الحديث كل ما أفرى الأوداج.
وفي القاموس(٤): الودج: عرق في
العنق.
ومن هنا نعلم أن الرسول- صلى الله
عليه وسلم- حدد محل الذبح فأمر بالأكل بعد قطع الأوداج.
2-
لهذا الحديث شاهد من رواية الدارقطني وغيره عن أبي هريرة-
رضي الله عنه- قال: «بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بديل بن ووقاء
الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: ألا إن الزكاة في الحلق واللبة»(٥).
3- وفي صحيح البخاري
بإسناده عن أنس: «نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- أن تصبر البهائم»(٦). ومعنى
صبر البهائم: حبسها لترمى حتى تموت.
وقد فهم الصحابة هذا الحكم
من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتوارثه المسلمون خلفًا عن سلف ومن الآثار
الصحيحة عن الصحابة:
1- ساق البيهقي بسنده الصحيح عن سعيد
بن جبير عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «الذكاة في الحلق
واللبة» قال ابن حجر: هذا إسناد صحيح ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم عن ابن
عباس ورواه عبدالرزاق، ولهذا بوب البيهقي عند هذا الحديث بابًا فقال: ”الزكاة في المقدور عليه
ما بين اللبة والحلق” لأن الحيوان قسمان: 1- مقدور عليه: وهو الإنسي وجريح الصيد الذي لحقه الصائد وفيه
حياة. فلابد من ذبحه في اللبة والحلق وهذه تسمى «الزكاة الاختيارية». 2- غير مقدور عليه: وهو المتوحش والإنسي الذي هرب واستوحش والحيوان
المتردي في بئر فهذا يجوز أكله في أي مكان أصابه السهم أو النصل وهذه تسمى «الزكاة
الاضطرارية».
ففي صحيح البخاري عن رافع بن خديج: «..
وأصبنا نهب إبل وغنم، فَنَدَّ (هرب) منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه فقال
رسول الله- صلى الله عليه وسلم: إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش
فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا».
والأوابد: جمع آبدة وهي المتوحشة.
وقد بوب البخاري للحديث السابق
بعنوان(٩): «باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش وأجازه ابن مسعود، وقال
ابن عباس: أما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد وفي بعير تردى في بئر
من حيث قدرت عليه فذكه ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة».
2- وفي الأثر الصحيح(۱۰) «أن الفرافصة قال لعمر رضي الله عنه: إنكم تأكلون طعامًا لا نأكله فقال:
وما ذاك يا أبا حسان؟ فقال: تعجلون الأنفس قبل أن تزهق فأمر رضي الله عنه مناديًا
ينادي: إن الذكاة في الحلق واللبة
لمن قدر، ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق».
3- روى سعيد في سننه بسند جيد ومالك في الموطأ عن ابن عباس «إذا
أهريق الدم وقطع الأوداج فكل».
4- وعطاء(۱۱): «لا ذبح ولا نحر إلا في المذبح والمنحر».
ولقد سمى رسول الله- صلى الله عليه
وسلم- الذبيحة التي لا تقطع فيها الأوداج ذبيحة الشيطان. فقد روى أبوداود والبيهقي(۱۲) بإسناده
عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما مرفوعًا: «لا تأكلوا الشريطة فإنها
ذبيحة الشيطان». والشريطة: التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج ثم
تترك حتى تموت.
وتكاد الأمة تجمع على أن محل
الذبح هو اللبة والحلق.
قال ابن قدامة: «وأما المحل أي
محل الذبح فالحلق واللبة ولا يجوز الذبح إلا في هذا المحل بالإجماع»(۱۳).
وأما الأشياء التي تقطع فهي: الحلقوم
والمريء والوجدان (عرقان غليظان عريضان عن يمين ثغرة النحر ويسارها)، وهذا هو
الأكمل.
ولكن اختلف الفقهاء فيما
يشترط قطعه منها(١٤)، قال الليث وداود: يشترط قطع الجميع. واختاره ابن المنذر.
قال أبو حنيفة: إذا قطع ثلاثة
من الأربعة جاز.
قال مالك: يشترط قطع
الحلقوم والودجين ولا يشترط المريء.
وكان الشافعي يقول: يشترط قطع
الحلقوم والمريء ويستحب قطع الودجين.
وعند الحنبلية: يشترط قطع
الحلقوم والمريء ويستحب قطع الودجين ورواية أخرى عن أحمد يشترط قطع
الأربعة.
وعله اشتراط هذا المحل(١٥)
لأنه مجمع العروق فتنفخ بالذبح فيه الدماء السيالة ويسرع زهوق الروح فيكون
أطيب للحم وأخف على الحيوان.
وعلى هذا: فالذبح في الحلق حددته
النصوص الواردة عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة فمن ذبح في غير هذا
المحل بالنسبة للحيوانات الإنسية فذبيحته ميتة لا تحل، سواء كان الذابح مسلمًا أو
كتابيًا. فمن قتل حيوانًا بالصعق الكهربائي أو التدويخ أو التفريق في الماء الحار
أو بالوقذ (الضرب) على الرأس فذبيحته ميتة لا تحل.
ومن هنا تبدو غرابة الرواية المنقولة
عن ابن العربي قال: «وسئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم
يطبخها، هل يجوز أن نأكل معه منها؟ فقلت: نعم، كلوا منها فإنها طعام أحبارهم
ورهبانهم وإن لم تكن هذه زكاة عندنا، ولكن الله سبحانه أباح لنا طعامهم مطلقًا،
وليس كل ما يحرم في ذكاتنا يحرم كله في ذكاتهم»(١٦).
هذا الكلام شاذ
ومردود من ناحيتين:
أولاهما: لأنه يصطدم مع كلام آخر
لابن العربي نفسه، فقد نقل عنه قوله: «فإن قيل: فإن أكلوه على غير وجه
الزكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: إن هذا ميتة وهي حرام بالنص، فإن أكلوها
فلا نأكلها نحن، كالخنزير، فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا»(۱۷).
ثانيهما: اصطدام هذا القول مع
نص الكتاب والسنة واتفاق جمهور العلماء.
أما الكتاب فيقول الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ (المائدة: 3).
هذه الآية خصصت عموم الآية الأخرى ﴿.. وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (المائدة:5) قال الشيخ
محمد الخضر حسين(۱۸): الآية الأولى مخصصة للثانية ولا نعلم للأولى مخصصًا، والعام الذي لم
يدخله التخصيص أقوى في الدلالة مما دخله التخصيص.
وأما الأحاديث فقد أوردت بعضها وسقت
معها أقوال السلف التي حددت محل الذبح وطريقته.
وأما فتوى محمد رشيد رضا وأستاذه
محمد عبده التي يقول فيها: «وإني لأعتقد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لو
اطلع على طريقة للتزكية أسهل على الحيوان ولا ضرر فيها كالتزكية
الكهربائية (يعني الصعق بالكهرباء)- إن صح هذا الوصف فيها- لفضلها على
الذبح».
أقول هذه الفتوى لا ينقضي منها العجب
لأنها تقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلفظ (أعتقد)، ولو قال: إني لأظن،
لكان الأمر أخف، وإن كان الأمر في الحالتين كبير جدًا، لأنه تقديم بين يدي الله
ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات:1) والصعق الكهربائي لا ينهر الدم النجس، ومن أجل
إراقته شرعت التذكية، وهناك نصوص كثيرة في الصحيحين تشترط إنهار الدم، ففي صحيح
البخاري قال صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه
فكل ليس السن والظفر»(19).
فالصعق بالكهرباء للحيوان
تجعله ميتة، وكذلك الرصاصة إن قتلته فهو ميتة.
- وكذلك
فإنا على ضوء ما تقدم نرى ضعف استدلال الشيخ ابن محمود بالآية: ﴿إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (المائدة:3).. على جواز الذبح بأية طريقة، فقد جاء في مقاله في
مجلة الأمة، وفي كتابه «فصل الخطاب» ما يلي: فقوله تعالى: ﴿إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (المائدة:3) خطاب للبشر جميعًا على حسب عرفهم وعاداتهم في
تنكيتهم لذبائحهم، إذ ليس عندنا ما يدل على قصر التنكيت وحصرها في الحلقوم والمريء»(٢٠).
والرد عليه: أن الآية تخاطب
المؤمنين، فهي الآية الثالثة من سورة المائدة: تبدأ الأولى والثانية منها بقوله
تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.. فإذا دخل أي إنسان
في الأرض ضمن هذا الدين فلابد من اتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- في
الصلاة والصيام والزكاة، ولقد حددت الشريعة كيفية الذبح ومكانها. وبناء على ما
تقدم، فتعتبر أية ذبيحة لم تذبح بالطريقة الشرعية (في الحلق واللبة) بحيث
ينهر الدم أقول: تعتبر ميتة.
فالمصعوقة بالكهرباء ميتة والموقوذة (المضروبة)
ميتة، والمقتولة بالرصاص ميتة، والطيور المقتولة بالتدويخ والتفريق في المحاليل
الحارة ميتة، وقتل عنق الطير يجعله ميتة، واستعمال قضيب الحديد يدخل في النخاع
الشوكي يجعل الحيوان والطير ميتة.
ومن المعلوم أن هذه الطرق كلها
موجودة ومتفرقة في أرجاء أوروبا وأميركا الجنوبية والدول الشيوعية، وذلك لأن
الدول الكاثوليكية السكان (النصارى الكاثوليك) يبيحون أكل الميتة (المقتولة
بهذه الطرق)، وبعض الدول تعتبر الطريقة الإسلامية للذبح تعذيبًا للحيوان، ولذا
فإنهم يعترضون على الذكاة الشرعية وخاصة من قبل جمعيات الرفق بالحيوان في بعض
الدول الأوربية.
الهوامش:
١- انظر صحيح الجامع الصغير للألباني ٤٣٧٢ ٤/١٦٧ وسلسلة الأحاديث
الصحيحة ٢٠٢٩.
٢- الصحاح للجوهري ١/٣٤٧ ط دار العلم للملايين وكذلك الصحاح في اللغة
والعلوم حـ ٢/٢٧٤ ط دار الحضارة العربية.
٣- لسان العرب ١٨/٣١٤ مصورة عن بولاق.
٤- القاموس المحيط ١/١٣٠.
٥- رسالة حكم اللحوم المستوردة لابن حميد ص٩.
٦- فتح الباري ٩/٦٤٢.
٧- انظر السنن الكبرى للبيهقي ٩/٢٧٨ وفتح الباري/ البخاري٩/٦٤٠ ومصنف عبد
الرزاق ٤٩٥/٤.
٨- انظر فتح الباري ٩/٦٤٠، ٩/٦٢٣.
٩- انظر فتح الباري ٩/٦٣٨.
١٠- قال النوري: وأما الأثير عن عمر فصحيح ابن المنذر وذكره البخاري.
١١- في صحيحه عن ابن عمر. انظر المجموع للنووي ٩/٧٤.
۱۲- رواه البخاري انظر فتح الباري
٩/٦٤٠.
١٣- السنن الكبرى للبيهقي ۹/۲۷۸ وفي المسند عمرو بن عبد الله:
صدوق فيه لين. انظر تقريب التهذيب ص ٢٦ ط الهند. انظر المغني لابن قدامه
١١/٤٤.
١٤- انظر المغني لابن قدامه مع الشرح الكبير ١١/٤٤، والمجموع للنووي ٩/٨٠.
وفتح الباري ٩/٦٤١، وأحكام القرآن للجصاص ٣/٣٠٠.
١٥- المغني لابن قدامه ٤٤/١١.
١٦- فصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب
لابن محمود ٩.
۱۷- حكم اللحوم المستوردة لابن حميد ص
٣٧.
۱۸- مجلة الاعتصام العدد ١ السنة ٤٤
محرم سنة ١٤٠١ ديسمبر سنة ١٩٨٠.
۱۹- فتح الباري ٩/٦٣١.
٢٠- مجلة الأمة- العدد السابع- السنة الأولى- رجب سنة ١٤٠١ أيار سنة
١٩٨١.