العنوان الذهب النازي.. الأرصدة المجمدة.. عقود التأمين: الملاحقة اليهودية للأموال الأوروبية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1328
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
السؤال الذي طرحه المراقبون بشأن المطالبات اليهودية المالية لضحايا النازية، وقصة الذهب النازي، وتعويضات الحرب، هو: لماذا تركزت هذه المطالبات خلال العام الحالي والماضي بتلك الصورة الشرسة وغير المساومة؟
وهنا لا يجد أولئك المراقبون من إجابة سوى شعور المنظمات اليهودية الطاغي بالقوة بسبب النفوذ المتقدم جدًا في الولايات المتحدة، والذي ينسحب بقوة هائلة على صعيد ممارسة الضغوط على الدول الأخرى، ولعل قراءة لحظة الانكسار في الصمود السويسري أمام المطالبات اليهودية تثبت ذلك، فقد تجلت تلك اللحظة في إعلان حوالي عشرين ولاية أمريكية أنها لن تتعامل مع البنوك السويسرية للسبب المذكور، ولو انتظر السويسريون أسبوعًا آخر أو أكثر لالتحقت بها باقي الولايات الأخرى، ولتكون الخسائر السويسرية أكبر بكثير من حجم التعويضات.
بداية القصة: بدأت حمى المطالبات اليهودية بأرصدة اليهود من ضحايا المحرقة النازية منذ ثلاثة أعوام، غير أنها اشتدت العام الماضي، وفي تلك الأثناء أعلن عضو الكنيست الإسرائيلي إبراهام هيرتسون أن «الألمان قتلوا» والسويسريين ورثوا والعالم لزم الصمت، وهنا حاولت السلطات السويسرية رد الحملة بصورة معقولة، غير أن الصراخ اليهودي قد بلغ مداه فكان أن حاولوا تهدئة اللعبة عندما أعلنت سويسرا إنشاء صندوق برصيد سبعة ملايين فرنك (4,7) بلايين دولار لتعويض أقارب الضحايا، إضافة إلى صندوق آخر أنشاه المعرض المركزي السويسري برصيد ۷۰ مليون دولار لدفع تعويضات فورية إلى من تبقى منهم.
غير أن ذلك لم يكن ليقلل من الحملة، ففي منتصف العام الماضي، اضطرت البنوك السويسرية إلى التنازل عن سرية حساباتها تحت ضغط المنظمات الصهيونية، فقام اتحاد المصرفيين السويسريين بنشر أسماء (۱۸۷۳) شخصًا لهم حسابات ساكنة لم يطالب بها أحد منذ مايو ١٩٤٥م.
وقالت المصادر السويسرية إن قيمة الحسابات التي لا يعرف مستحقوها لا تزيد على ٤٣ مليون دولار، فيما قالت المنظمات الصهيونية أنها تقدر بمليارات الدولارات.
وتواصلت الحملة على أشدها بحق البنوك السويسرية وعندما جرى التهديد الذي أشرنا إليه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية خضعت سويسرا، ووافق ممثلو البنوك السويسرية على وضع مليار وربع المليار دولار تعويضًا لأقرباء ضحايا ما يعرف بالهولوكوست.
وقد تم التوصل إلى الاتفاق المذكور مع المنظمات اليهودية الأمريكية الموجودة في نيويورك، مع الإشارة إلى أن المجلس اليهودي العالمي هو الذي قاد الحملة وكان يطالب بمبلغ ٢٠ ألف مليون دولار.
وسيدفع المبلغ المتفق عليه خلال ثلاث سنوات، ويتم البدء بمبلغ ٢٥۰ مليون دولار سيتم دفعها على مدى ثلاثة أشهر من تاريخ التوصل إلى الاتفاق في شهر أغسطس الماضي.
ويبقى السؤال القائم حاليًا حسب المصادر اليهودية هو الكيفية التي سيتم بها توزيع الأموال المذكورة، واعتبر أحد المحامين في القضية أن المعركة الحقيقية هي تلك التي ستقع لدى توزيع الأموال.
ويتوقع أن ينظم محامو القضية والمجلس اليهودي العالمي حملة إعلامية للوصول إلى الأشخاص المعنيين الذين سيكون أمامهم تسعة أشهر للاعتراض أمام القضاء، ويشير المسؤولون إلى أن 35% من المعنيين موجودون في إسرائيل ومثلهم في الولايات المتحدة و 19% في أوروبا الشرقية و11% في سائر أنحاء العالم.
مؤتمر الذهب النازي
كجزء من حملتهم المسعورة لابتزاز الدول الأوروبية فيما يتعلق بالأرصدة وما يسمى الذهب النازي، عقد في شهر ديسمبر الماضي في العاصمة البريطانية المؤتمر الدولي الأول للذهب النازي، أي ذلك الذي يزعم اليهود أنهم فقدوه خلال الحرب العالمية الثانية، وقد شاركت في المؤتمر ٤١ دولة و ٦ منظمات دولية غير حكومية على رأسها المجلس اليهودي العالمي.
وقد قدر روبن كوك وزير الخارجية البريطاني في كلمته بالمؤتمر، ما نهيه النازيون من ذهب بحوالي ٥٠٠ مليون جنيه «١.٦ مليون مليار دولار»، وذهب كوك إلى أن شكوكًا مازالت تساور العديد من الناجين من معسكرات الاعتقال حول مصير الذهب واعتقادهم أن الأموال المسروقة قد أخفيت وعوملت بطريقة سرية من قبل الحكومات ذات العلاقة بالموضوع.
واعتبر كوك أن هدف المؤتمر هو السؤال «أين ذهب المال المسروق وما مصيره؟».
وبالطبع، لم تسلم بريطانيا ذاتها من تهمة الذهب المسروق، فقد قدمت مؤسسة الهولوكست التعليمية في بريطانيا مجموعة من الوثائق أكدت دورًا بريطانيا في مصير الذهب النازي، وأن أموالًا منها قد جمدت تحت حراسة لجنة أموال الأعداء التابعة لمجلس التجارة البريطاني، وعلى أي حال فقد كان المؤتمر الذي جاء مجاملة بريطانية لليهود وإسرائيل ليشكل مفتاحًا لحملة واسعة تطول دولًا أوروبية أخرى بتهمة إخفاء أجزاء من ذهب اليهود الذي ذهب أثناء الهولوكست.
بعد شهور من عقد مؤتمر الذهب النازي في لندن، وفي شهر أغسطس الماضي، وجدت بريطانيا نفسها متهمة بالاستيلاء على ما قيمته ٤٠٠ مليون جنيه إسترليني من اليهود الذين كانت لهم حسابات مالية في البنوك الفلسطينية.
وأوضح رئيس اللجنة المالية في الكنيست الإسرائيلي يوحنا ياهافا أن الأموال المذكورة كانت مودعة في حسابات لدى بنك يدعى البنك الأنجلو - فلسطيني، وأن الأموال قد جاءت من يهود عاشوا في دول مثل رومانيا، وبلغاريا، وهنغاريا.
إيطاليا على الخط:
في إيطاليا، تعهدت شركة التأمين العملاقة «اسيكور اسيوني جنرالي» بدفع ١٠٠ مليون دولار لتسوية مطالب بأموال لليهود منذ العهد النازي، فيما اعتبر مجرد خطوة أولى ستتلوها على ما يبدو خطوات أخرى.
والمبلغ المذكور كان عبارة عن تسوية مع الآلاف من اليهود الذين رفعوا قضية على الشركة، غير أن ليبو راسن العضو في فريق العمل الممثل للجان التأمين في الولايات المتحدة والذي يفاوض شركات التأمين الأوروبية، قالت إن المبلغ المذكور مجرد أساس، وأن «المطالبات يمكن بسهولة أن تصل إلى حدود المليار دولار أو أكثر»، بينما قدر مايكل کلاينر عضو الكنيست أن العرض شيء لا يذكره وأن الخبراء قد قدروا القيمة الحقيقية لوثائق التأمين بنحو أربعة مليارات دولار.
على صعيد شركات التأمين الأوروبية كانت شركة «زوريخ» قد وافقت الشهر قبل الماضي أغسطس على فتح دفاترها وتسوية المطالب اليهودية من خلال لجنة دولية، ويؤشر ذلك على حالة الذعر التي تجتاح الشركات الدولية من ملاحقة اليهود لها.
ألمانيا مزيد من الدفع
تعتبر ألمانيا هي الدولة الأكثر خسارة على صعيد الدفع لليهود ، في مسألة تتجاوز عقدة الأرصدة والذهب النازي إلى تعويضات القتلى وقد بلغ ما دفعته ألمانيا حتى الآن ما يقرب من مائة مليار دولار، ومع ذلك لم تسلم هذه الدولة مما أصاب زميلاتها، فقد ناقش ممثلون عن المؤتمر اليهودي العالمي مؤخرًا مسألة أن تدفع ألمانيا ليهود الشرق الأوسط ووسط أوروبا تعويضات مالية، أسوة بالتعويضات التي دفعتها للعائلات اليهودية الألمانية.
واستخدم مجلس الشيوخ الأمريكي للضغط على ألمانيا، إذ وجه ۸۲ عضوًا في المجلس المذكور رسالة إلى المستشار الألماني السابق «كول» يطالبونه فيها بدفع تعويضات بقية يهود الدول الأوروبية، وبالطبع فإن شركات التأمين الكبيرة ستتعرض لما تعرضت له زميلاتها الأخريات، حيث يتوقع أن تسدد تلك للشركات ما قيمته ١٢٠ إلى ١٥٠ مليون مارك ألماني.
النمسا على النمط السويسري
تتهم الأوساط اليهودية حاليًا بنك كريديت انشتالت، بلعب دور حلقة الوصل لتجارة الذهب النازي المسروق بين أعوام ١٩٤١م و١٩٤٤م، وتقول تلك الأوساط إنه جرى بيع خمسة أطنان من الذهب إلى فرع المصرف الألماني دويتشه بنك، في إسطنبول مرورًا بفيينا، وجرى تقدير العمليات المذكورة بـ 5,6 ملايين دولار، وهو ما يساوي ٦٠ مليونًا بلغة اليوم.
المحامون الأمريكيون الذين يتابعون هذه القضايا هددوا بمتابعة قضائية إذا لم يلتزم البنك المذكور بدفع التعويضات، وعلى رغم الرفض الذي يبديه البنك، إلا أن استعداده للمناقشة يؤكد أنه سيدفع كما دفع الآخرون.
رئيس الجالية اليهودية في النمسا أثار قضية أخرى تتمثل في ملف ممتلكات اليهود العقارية التي سلبت خلال العهد النازي ويجري تقديرها من البعض بما يقارب ٦,٥ مليارات دولار.
الفاتيكان انضم إلى الدول الأوروبية في تهمة الذهب النازي، فقد ذكرت صحيفة «هاآرتس» في 23/9/1998م، وعلى لسان مراسلها «إلياهو سلفتر» اتهامه الفاتيكان «برفض التطرق لمصير الذهب والأشياء القيمة التي سلبها النازيون والتي وصلت روما على الأغلب عبر سويسرا».
وذكرت «هاآرتس» أن الفاتيكان قد رفض إرسال مندوب عنه إلى مؤتمر عقد مؤخرًا في واشنطن وشارك فيه ممثلو ۳۹ دولة، وكان هدفه «تشخيص آلاف التحف الفنية والأمور القيمة وإعادتها إلى أصحابها أو ورثتهم».
وأوضحت «هاآرتس» أن الفاتيكان يسيطر على مجموعة من التحف الفنية في العالم، إلا أنه رفض التطرق للمسألة كما رفض التدخل في مصير الذهب الذي سرق أثناء الحرب.
المراقبون يتوقعون أن تمتد الحملة اليهودية لتطول معظم الدول الأوروبية، ولتكون المبالغ المحصلة مليارات من الدولارات ستتحول في الغالب إلى الكيان الصهيوني، نظرًا لوجود أحفاد المقصودين بها في ذلك البلد.
غير أن ما ينبغي أن يشار إليه هذا هو أن الهجمة اليهودية على المصارف السويسرية وبعدها على شركات التأمين الأوروبية، وما حملته من صلف وتهديدات قد أعادت إلى الأذهان حالة من التوتر الأوروبي إزاء الجاليات اليهودية، وهو ما يتوقع أن يتصاعد، أما على صعيد الواقع العملي القريب، فلاشك في أن اليهود قد كسبوا الكثير من حملتهم، ويبدو أنهم سيواصلون الكسب على المدى القريب والمتوسط.