العنوان الذين أشعلوا الفتنة الطائفية هم وراء إنشاء حزب قبطي في مصر
الكاتب عبدالحق حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989
مشاهدات 59
نشر في العدد 908
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 14-مارس-1989
«الحزب المصري» القبطي الذي أنشأه أخنوخ فانوس في بداية هذا القرن كانت وراءه بريطانيا، فمن وراء الحزب المزمع قيامه في نهاية هذا القرن؟
- كيف أفلت حزب الصباحي الإسلامي من قانون الأحزاب؟ ولماذا تثار الزوابع في وجه حزب الإخوان؟
- الكنيسة تربأ عن التدخل في السياسة، والمواطن المسيحي له أن يتعامل في السياسة عبر أي حزب يقتنع بمنطلقاته».
- قصر الوظائف على المسلمين في بعض الشركات كان خطأ لا يخدم الدعوة الإسلامية بأي حال.
- «إن هذا الحزب المسيحي سيجد نفسه في عزلة لا تفيده بشيء، ولا تحقق له أي نجاح سياسي».
- قوله -تعالى-: ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (سورة الممتحنة: 8) هو الخيار السياسي الوحيد للمسلمين للتعامل مع أهل الكتاب، فلا داعي للخوف من تطبيق الشريعة.
تحت اسم «حزب السلام الاجتماعي وصيانة الوحدة الوطنية» تقدم بعض الأقباط إلى رئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية في مصر بالسماح لهم لتكوين ذلك الحزب السالف ذكره، ودخول المعترك السياسي بعناصر مسيحية خالصة، نشرت مضمون هذا الخبر مجلة آخر ساعة المصرية في عددها الأخير.
واستطلعت آراء النخبة المثقفة من الأقباط حول هذا الحزب الذي بدرت الرغبة إليه فجأة دون سابق إعلان، والذي يلفت النظر -كما جاء في التعليق على الخبر- أن مؤسسي هذا الحزب لا يعرفهم أحد سواء في مجال العمل العام أو حتى في المجال القبطي؛ مما أثار كافة العاملين في المجال السياسي خاصة المثقفون الأقباط -على حسب اعترافهم كما جاء في الاستطلاع- وبدا الأمر أمامهم علامة استفهام كبرى، بيد أن الاستطلاع الذي أجرته مجلة آخر ساعة أتاح لجميع الذين أدلو برأيهم حول قيام حزب قبطي أن يهاجموا أي آخر يحمل هذه الصفة ولأية عقيدة كانت، وهذا الموقف لا يتعدى الهدف الذي أراده مؤسسو حزب السلام الاجتماعي.
وهي في مجملهما أسماء وهمية أو رمزية، لكنها في نهاية المطاف تعبر عن رأي الطبقة القبطية المثقفة التي لا تريد (حتى لو سمح لها) أن تنشئ حزبًا مسيحيًا خالصًا.
يقول الدكتور ميلاد حنا: (إن أقباط مصر لن يكونوا حزبًا سياسيًا حتى لو أقرت الدولة الحزب الديني السياسي) لماذا؟ يجيب الرجل (بأن الأقباط من الذكاء بحيث إن تواجدهم في مصر يبنى على الانتشار والاندماج ليكونوا جزءًا من النسيج المتكامل سياسيًا واجتماعيًا ووظيفيًا وجغرافيًا).
ويذهب الأستاذ جمال أسعد وهو أحد العناصر القبطية البارزة في حزب العمل (إن الكنيسة تربأ عن التدخل في السياسة والحركة الحزبية والعمل الحزبي؛ فالمسيحية تفصل تمامًا بين الدين والسياسة، والمواطن المسيحي في ديانته له أن يتعامل في السياسة عبر أي حزب يقتنع بمنطلقاته وأطروحاته السياسية، أما أن تكون جماعة حزبًا مسيحيًا فهذا مرفوض مسيحيًا وكنسيًا ودينيًا بالنسبة لنا المسيحيون) أما الدكتور لويس عوض فيضع النقاط على الحروف، ويبرز الهدف الذي يلتقي حوله الجميع سواء تحت الأسماء الوهمية أو الأسماء التي تعمل -فعلًا- في مجال العمل السياسي، يقول أنا لا أوافق أبدًا على تشكيل حزب أو أي تجمع على أساس طائفي أيًا كانت الملة التي ينتمون إليها، وأعتقد أن هذا مناهض للدستور، وأن الدولة ينبغي أن تأخذ موقفًا حاسمًا، ولكن ألم يكن يعلم هؤلاء الذين تقدموا لإنشاء الحزب ما في الدستور؟ كما أن الدولة تتخذ فعلًا الموقف الحاسم ضد أي رغبة لإنشاء حزب على أساس ديني، ولا تحتاج في هذا المجال لمزيد من الشحن؛ لأن النفخ في مثل هذه الأمور يثير الفتنة والقلاقل، وهذا ما لا يريده الجميع لأرض الكنانة مصر.
الأصابع الخفية:
في سبتمبر سنة ١٩٠٨ تقدم المواطن القبطي المصري أخنوخ فانوس يطلب تشكيل حزب أسماه «الحزب المصري» تقتصر عضويته على الأقباط فقط، كان من أهم مطالبه إنشاء مجلس نواب يتم داخله تمثيل كل عنصر، ولم يلق هذا الحزب التأييد القبطي، ولكن لاقى تأییدًا من الاستعمار البريطاني المحتل، وفي عام سنة ۱۹۸۹ نشرت «الأهرام» أن خمسينًا قبطيًا «وبأسماء وهمية» قد تقدموا بطلب لتأسيس حزب أسموه السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية، في بداية هذا القرن كان حزب أخنوخ فانوس الذي اتسم بالطابع المسيحي رد فعل للدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وحزب أخانيخ سنة ۱۹۸۹ الوهمي جاء كرد فعل (كما يقال) لتكهنات سرت عن تقدم الإخوان المسلمين بطلب تأسيس حزب جديد يحمل هويتهم، فإذا كان «الحزب المصري» القبطي في بداية القرن كان وراءه بريطانيا الصليبية، فمن وراء هذا الحزب الوهمي ما دامت الفعاليات القبطية التي تعمل في المجال السياسي تنفى أي صلة لها به؟ كما أن البابا شنودة يؤكد أن هذا الحزب سيجد نفسه في عزلة لا تفيده بشيء، ولا تحقق له أي نجاح سياسي، ولا شك أن الذين يريدون تكوين هذا الحزب لم يستشيروا أحدًا قط، هذا رأي أكبر مرجع قبطي يعترض وبشدة على تكوين حزب ديني مسيحي، ولم يؤخذ رأيه فيه.
إن الفعاليات القبطية المثقفة تستنكر هذا الحزب، ولا تعرف شيئًا عن مؤسسيه، وأكبر مرجع قبطي يقف ضده، إذن من وراءه؟ إن العودة إلى الوقائع التي حدثت وتحدث يؤكد أن الأيدي التي افتعلت أحداث الزواية الحمراء في القاهرة منذ سنين، وأثارت الفتنة بين الجيران من الأقباط والمسلمين، والذين عاشوا عهودًا من المودة والإخاء- هي نفس الأيدي التي تحرك سيف الفتنة الطائفية كل حين، وأن الأيدي التي وزعت تقاريرًا في عهد السادات عن اعتزام الأقباط على إعادة الحكم القبطي إلى مصر -كما استعاد أهل إسبانيا بلادهم من المسلمين- هي نفس الأيدي التي تثير هواجس الفرقة والبلبلة الآن، وهي أيد قوية لعقول ماكرة، تلعب بورقة الأقباط في مصر باقتدار ملحوظ، كما تلعب بفجور بالغ بورقة جنوب السودان ضد الشريعة الإسلامية هناك، وهي نفس العناصر المعروفة التي تقف على الحد الفاصل بين بيروت الشرقية والغربية، وهي عناصر لم تعد خافية على أحد، عناصر لا تريد بالمسلمين ولا بالمسيحيين في الشرق خيرًا، إن الأقباط عاشوا في ظل الشريعة الإسلامية قرونًا طويلة واستطاعوا أن يكونوا مع المسلمين في مصر تراثًا حضاريًا غنيًا، فلم يلتفت البعض منهم الآن إلى الإرث الصليبي والدعوة إلى حالة الفصام والعزلة القاتلة كرد فعل مضاد للتيار الإسلامي والتجاوب مع مخططات معادية في الداخل والخارج.
إن فكرة الوحدة الوطنية أمر مستورد بصياغة جديدة لسياسة حماية الأقليات، والتي أراد الاستعمار البريطاني أن يفرضها في الدستور المصري، وكان الأقباط أول من وقف في وجه المستعمر بسبب هذا الاقتراح؛ لأنهم مدركون أنه لا توجد فروق عرقية بين المسلمين والأقباط، كما تعرف القواسيس السياسية معنى الأقليات؛ لأن شعب مصر يتكون من جماعة عرقية واحدة تتكلم اللغة نفسها، ولها ثقافة واحدة، ولا يوجد عبر تاريخ مصر لوائح تميزية ضد الأقباط، وغالبية مسلمي مصر هم في الأصل أقباط دخلوا في الإسلام أفواجًا وطواعية حين وجدوا فيه الملاذ الذي وفر لهم الحماية والأمن من أبناء عقيدتهم من مسيحيي روما وإرهاب الصليبية الأوروبية آنذاك، وهو نفس الإسلام الذي لم يتغير الآن والقادر على أن يوفر لهم وللمسلمين معًا الحماية من مؤامرات الصليبية الاستعمارية الجديدة، والتي تريد أن تجعل منهم حصان طروادة لإخضاع المد الإسلامي، ثم تترك الجميع بعد ذلك نهبًا للفتن والدمار.
الثوابت الكنسية القبطية:
في عهد الامبراطورية المسيحية الأولى في المشرق بعد أن أعلن قسطنطين الدين المسيحي دينًا رسميًا للدولة- كان الأقباط المصريون يتعرضون لأبشع الاضطهادات؛ لأنهم رفضوا الدولة المسيحية، وبعث بطريركهم أثناسيوس إلى الإمبراطور الروماني (۳۲۸) برسالة ينهاه فيها عن مزج السلطة الدينية بالسلطة الزمنية، يقول له لا تقحم نفسك في المسائل الكنسية، ولا تصدر إلينا أمرًا بشأن هذه المسائل، لقد أعطاك الله المملكة، وعهد إلينا بأمور الكنيسة، فليس مسموحًا أن تمارس حكمًا أرضيًا، وليس لك سلطان أن تقوم بعمل كنسي.
إذن لماذا تريد بعض الجهات المغرضة أن تتجاوز هذه الثوابت الكنسية القبطية، وتدفع بفصيل من أبناء مصر عکس معتقدهم لاعتراض المد الإسلامي؟ إن التاريخ الإسلامي -منذ عهد عمرو بن العاص في تعامله الرباني المثالي مع الأقباط وحتى سقوط الخلافة- لا يمكن طرحه جانبًا، والتنكر له إرضاء للقوى الصليبية الغربية.
إن مقولة مكرم عبيد (أنا مسلم وطنًا مسيحي دينًا) تجسد بالفعل الموقف التاريخي للقبطي المثقف الذي لا يرضى أن تتخذ عقيدته ورقة سياسية في أيدي الشرق والغرب، ووسيلة لوأد التاريخ الإسلامي الذي بدأ يستعيد مجده، الذي لم يستثن من ثمراته غير المسلمين، بل أوى الجميع في ساحته، وحماهم بحرابه، وله الفضل في أن ظلت الكنيسة القبطية مستقلة عن التبعية.
لا مبرر لهما:
يقول الحق -جل شأنه-: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة: 8) وعن أمير المؤمنين -رضى الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الله -عز وجل- سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرًا، فإن لهم منكم صهرًا وذمة) هذا هو الخيار السياسي الوحيد الذي يفهمه المسلمون عند التعامل مع أهل الكتاب؛ لأنه اختيار إلهى لا يجوز استبداله أو تأويله وتطويعه لرغبات السياسة الدولية، البر والقسط ولا شيء أفضل ولا أشرف من هذين، أما إذا كانت هناك هواجس دلت على عكس هذا، ووقائع ميزت بين المسلم والقبطي على هذا الجانب أو ذاك- فهي -بلا شك- دلائل جهل وقلة بصر بفقه التاريخ الإسلامي من بعض أصحاب الشركات من المسلمين الذين قيل إنهم قصروا التوظيف في مؤسساتهم على المسلمين، وهم بذلك أساءوا إلى الدعوة، ونفروا منها، وكان الأحرى أن توظف هذه المؤسسات كسبل خير ودعوة إلى الله، وأما ردة فعل الجانب القبطي والإسراع إلى المعاملة بالمثل فلم تكن أقل سوءًا؛ إذ أعادت إلى الأذهان ممارسات المستعمر البريطاني حين كان يحصر الوظائف المؤثرة في المسيحين دون المسلمين، ومثل هذه الحوادث الصغيرة تمثل أعراضًا لمرض اسمه الخوف من تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو خوف أصبح عالمي الانتشار على خارطة العالم الشيوعي والصليبي والصهيوني، ومصر هي الهدف الأول والحصن الذي إذا انطلق منه المد الإسلامي فلن يقف في وجهه أحد، ولذلك فالمطلوب تأمين الخائفين من المد الإسلامي، والأقباط ليسوا بوقائع التاريخ منهم؛ لأنهم ما وجدوا الأمن إلا في رحابه، ولتأمين الخائفين كان من الضروري والتلويح بورقة الأقباط والوحدة الوطنية والفتنة الطائفية لإجهاض محاولات تطبيق الشريعة، ورحم الله الشهيد الإمام حسن البنا الذي قال إن الإسلام أكسب الوحدة الوطنية صفة القداسة الدينية بعد أن كانت تستمد قوتها من موقف مدني فقط).
الديمقراطيات المعلبة:
ذلك هو موقف الإسلام الذي أكسب الوحدة الوطنية صفة القداسة الدينية، كما أشار إليها الشهيد الإمام، إنما الموقف المدني والممارسة الديمقراطية حتى في الدول المتقدمة لا تتيح لأحزاب الأقلية أي هامش للحركة، وتظل أحزاب ظلت معزولة في كل الظروف، ولا تستطيع الخروج إلى دائرة الضوء إلا بحيلة الائتلاف أو الاندماج مع أحزاب الأغلبية، وهذا هو السبيل المتاح أمامها لتحقيق طموحاتها، وطرح مطالبها على الساحة الديمقراطية، أما الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان فهي أن الديمقراطية التي تمر بطور التجارب الأولية في دول العالم الثالث -ومصر ليست استثناء في هذا- لن تسمح في المستقبل المنظور لأي حزب مهما كانت أغلبيته في الوصول إلى الحكم سواء بالطريق المشروع أم بغيره، كما صرح أحد المسئولين عن مثل هذه التجارب للصحافة العالمية؛ إذن ليس هناك مبرر لأن تزاحم بعض الفعاليات القبطية في سباق هي أضعف المشاركين فيه لمجرد أن الإخوان لهم رغبة في دخول هذا السباق، فالإخوان لا اعتراض لهم على تقدم الأقباط بحزب خاص لهم، كما لا يعترضون على دخولهم في الأحزاب الدينية، فحزب الأمة حزب ديني وهو مفتوح أمامهم، وحزب الصحوة الإسلامية الذي يريد الشيخ البدري تشكيله يرحب بهم، والمسلمون على استعداد للمشاركة بفعالية في حزب السلام القبطي المزمع إنشاؤه، فالدستور لا يمنع هذا، وبذلك يكون العمل في إطار الإخاء والتعاون والصراحة لصالح الجميع.
بيد أن الملفت للنظر في متابعة التجارب الديمقراطية في دول العالم الثالث وعلى الأخص الدول الإسلامية- أن دول الغرب الصليبي التي تقوم فعلًا بتصدير أمثال هذه التجارب الديمقراطية المعلبة- تحرص على منع قيام أحزاب دينية عندنا، في حين أن العمل السياسي لديهم تقوده أحزاب مسيحية تحكم بقانون علماني، والحكم بالقانون في إطار توجه كنسى لهذه الأحزاب مرده خلو الكتاب المقدس من صيغ دينية تتعلق بشئون المعاش، وسياسة حياة الناس ولو كان هناك شيء من هذا في الكتاب المقدس لما ترددوا لحظة ولذهبوا إلى آخر العالم في تطبيقه حرفيًا، أما الإسلام فدين ودولة قانون وعقيدة، وهذا هو الفارق الذي يربأ بالإسلام عن إلصاق التسمية الغربية به وهي الأحزاب الدينية، فالإسلام حزب، لكنه حزب كل الأمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل