العنوان الذين لا يحفظون للقرآن.. وقارًا
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1972
مشاهدات 127
نشر في العدد 126
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 21-نوفمبر-1972
• مقرئون.. يلعبون بآيات الله
• ومستمعون.. من أجل الطرب!!
كان ثائر النفس على وجهه آثار الغضب المتأجج بين جوانحه، تعلوه علامات استنكار واضحة عندما شاهدته وهو في حالته هذه، يتأفف ويزفر التأوهات، شدني ذلك إليه، فخطر لي خاطر، أسرعت مبادرًا لأن أعرف حقیقته.. كان عليّ أن أستطلع واقع الأمر ودواعيه؛ لذلك بادرته بالسؤال قبل أن يبث حديثه المكتم الظاهر!!
ترى ما الذي أثارك لدرجة أن كل من يراك يعرف أنك قلق غير مستقر البال.. تثير في نفس رائيك علامات استفهام محيرة،هدأت نفسه قليلًا، مسح وجهه بكفيه واعتدل بجلسته، حوقل وتعوّذ من الشيطان الرجيم.. وبشيء من الانفعال الذي لم يستطع إخفاءه راح يروي سبب ما أهاجه، وما حمله على هذه الجامحة التي رمحت به وندت بروحه، قال: من البديهي أن لكل زمان واقعه الخاص، له تطوراته كما يسمونها أو يطلقون عليها الأوصاف ويخلعون عليها الألقاب، هذا شيء مشاع؛ حتى أصبح الإنسان يعيشه في حياته اليومية الرتيبة، فكل يوم ينشق فجره نسمع خبرًا استجد، أو حدثًا عجيبًا تناقلته وكالات الأنباء، ونقشته صحف العالم هذا أمر قد عرف وبات عند الناس مألوفًا.
أما أن يكون القرآن الكريم؛ كتاب الله العزيز، مثار لعب ومجال مبارزة فهذا أمر لا يمكن أن يمر دون أن تكون هناك الكلمة الحاسمة فيه التي تأخذ مجرى التطبيق لا مجرد رص الكلمات، أو التفوه باللسان ثم يعض عليها ويمشي كل شيء حسب هواه، أقول هذا الكلام لما أثارني من تمادي هؤلاء «المغنين»!! عفوًا من يدعون أنفسهم بقراء القرآن الكريم؛ على الملأ وفي محطات الإذاعة.. هؤلاء الذين وجدوا في كتاب الله سبحانه وتعالى تجربة لأصواتهم؛ فراحوا يطربون لمن يردد لهم عبارات الثناء، ويزيدهم سفهًا أنهم يتمادون في ذلك، لدرجة أن أحدهم ينسى أنه في عالم قدسي روحاني، وكان من الأولى به لو أدرك أن هناك من الناس من تحلق روحه تتأمل وتفكر.. تنطلق في آفاق السماء تتجلى ملكوت رب العزة جل جلاله.. لكن هذا القارئ غفل كل ذلك وعاش لمن يجاريه بكلمات تثير مشاعره؛ فيترك القرآن من مجال التغني إلى مجال الغناء!! هذا أمر فظيع لا يحتمل.. واستطرد محدثي وقد علته روح فياضة جياشة، ونفثات صدره تدل على ما يعتمل بداخله، ثم نظر إليّ نظرة ذات معنى؛ وأنا صامت مطرق قد جعلني حدیثه أنطلق معه في كل كلمة، وأشاركه الرأي وإن ما بي لا يقل عما به..
لكن ماذا نستطيع أن نعمل! وفجأة سمعته يتمتم بكلام لم أميزه، واستأذن بالانصراف، وأخذ طريقه خارجًا لكني لم أزل في وجومي وحيرتي.
..حقًا.. لماذا أسرف هؤلاء القراء وتمادوا إلى هذه الدرجة؟! أنا لا أشك لحظة في أنهم دخلوا هذا الميدان ليقرأوا القرآن للقرآن، ولكني أعرف أن الشهرة والمادة هما السبب الرئيسي في أن احترف هؤلاء صنعتهم هذه؛ إن جاز أن نسميها صنعة أو حرفة.. أصبح كتاب الله عند هؤلاء سلعة بها يتاجرون، ومما زاد الطين بلة؛ أنهم وجدوا من المستمعين السذج ممن يتمايلون وترتفع ألسنتهم بلاهج الدعاء للقارئ من الأعماق بصراخ يدوي..
والقارئ ينتظر تصايح هؤلاء الأغرار لعله يثور فيه شعور آخر فيأتي بتلحين جدید!!
ولا يتورع أن يعيد ويزيد.. أن يكرر الآية عشرين مرة ما دام الجمهـور «!» قد ألذه الطرب، فهو في حالة النشوة، إذن القارئ أكثر سرورًا؛ فيعاود البحث عن قراءات لا يفهمها من يستمع إليه؛ ويظن إنما هي من عند القارئ.. يعجب بعضهم ويرتاح البعض الآخر!
وقد يخرج أحد المستمعين عن صوابه وتغلبه العاطفة مع صوت القارئ؛ فيقوم ليتمسح بثياب الشيخ يسأله البركة!!! هذه الظاهرة زادت هذه الأيام، بالعلم أن هيئة مسئولة«1» في بلد إسلامي منعت تعدد القراءات في المجلس الواحد، وقررت بالإجماع ضرورة الالتزام بقراءة واحدة.
لكن هؤلاء المزعومين من القراء أضلهم ما يعتقدون من البحث عن جمهور يكيل لهم آيات الثناء، وينهال عليهم بعبارات المديح والإطراء.
وظل الوقار صورة لا حراك لها، فالقارئ يستعرض ما يحلو له ويخوض في ما يشاء من القراءات، وبعد ذلك يحصل الجدل.. هذا يخطئ وذاك يخوض، والناس كما هو معروف الآن لا يدري كثير منهم كنه ما يقرأ القارئ أمامه؛ إن عرج على قراءة ما يظن إنما هی إمالات من الشيخ، فتعتريه الضحكة فيكتمها حتى إذا أفضى إلى الخارج، راح يذكرها لصاحبه على سبيل الفكاهة!! ترى هل يطلق الزمام لهؤلاء يعرضون كل هذه الأشياء ليضيعوا على الناس ما يحفظون، لكثرة ما يرددون من قراءات، حتى أن كثيرًا ممن يحفظون السورة ويستمعون إلى هذا الذي يقرأ بقراءاته المختلفة تشكل عليهم الآية؛ فيعاودون القراءة على غير ما اعتادوا!
أم أن هؤلاء المزعومين قد مالوا إلى الغناء، فإن كان ذلك في مجالس أخرى تنتظرهم، أما أن يكون كتاب الله عرضة لأمثال هؤلاء؛ فهذا ما لا يرضى عنه.. وإنا لنسأل كل من بيده أمر أن يشد على ذلك، وأن يكون القرار ساري المفعول، وإلا فإن ناتج هذه القراءات اختلاط على الناس- وهم في غنى عنه- خاصة الذين لا يدركون هذا المنحى من العلم، والله ليس بغافل عن أمره وكفى بربك ناصرًا ووكيلًا.
--------------------------
(١) مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل