; الذين يدفنون الأوبك | مجلة المجتمع

العنوان الذين يدفنون الأوبك

الكاتب عبدالله القصار

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1981

مشاهدات 81

نشر في العدد 544

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 22-سبتمبر-1981

في الرابع عشر من الشهر الجاري بلغت أوبك ربيعها الحادي والعشرين، ومع أن هذا «العمر» أوله فأحسنه إلا أنه يبدو أنه بالنسبة لأوبك آخره وأرذله، ففي مؤتمرها الاستشاري الأخير في جنيف انتهت مسيرة عدة سنوات من الفشل في التوصل إلى سياسة موحدة بشأن الإنتاج والأسعار إلى تكريس الفوضى و«تدريب العضلات»! وترك حبل الغارب لتلعب به كل دولة على حدة في ظل ضغوطات دولية سياسية واقتصادية كثيرة!
ويبدو أن ما تنبأ به الشيخ أحمد زكي يماني عقب انفضاض مؤتمر جنيف قد تحقق تمامًا فقد قال في مؤتمره الصحفي «إن بعض بلدان «أوبك» سوف تبدأ بخفض أسعارها منذ الآن لتعود إلى ٣٢ دولارًا أو أكثر قليلًا»، علمًا أنه أعلن في نفس الوقت أن بلاده ستخفض الإنتاج بمعدل مليون برميل يوميًّا.
ومنذ ذلك الحين أعلنت نيجيريا- خلافًا لبلدان «أوبك»- أنها ستخفض أسعار نفطها من ٤٠ إلى ٣٦ دولارًا للبرميل!
وبعدها أعلنت الإمارات العربية المتحدة على لسان وزير البترول والثروة المعدنية الدكتور مانع سعيد العتيبة أنها ستخفض أسعار نفطها لتكون في مستوى أسعار النفط السعودي!
وهنالك معلومات تقول إن ليبيا باعت ١٥٠ ألف برميل يوميًّا بسعر 36 دولارًا للبرميل، علمًا أن السعر المعمول به ٤١ دولارًا للبرميل وهو أعلى أسعار أوبك
بسبب جودة الخام الليبي.
وثمة معلومات أن كلًّا من إكوادور ونيجيريا وإندونيسيا والعراق وإيران والكويت قد اضطرت مؤخرًا لإجراء تخفيضات في أسعار نفوطها لتتمكن من تسويقها! ومع ذلك فقد اضطرت معظم دول الأوبك إلى خفض إنتاجها بنسب كبيرة جدًّا بحيث أثر ذلك بشكل سلبي وكبير على عائداتها النفطية التي تستخدمها في تمويل خططها للتنمية ومشاريع الإعمار والميزانية.. كنيجيريا وفنزويلا وإكوادور أو كالعراق وإيران بسبب الحرب بينهما.
فمع أن أوبك قد انخفض معدل الإنتاج فيها خلال الستة أشهر الأولى من العام الحالي إلى ٢٤ مليون برميل يوميًّا، فقد اضطرت هذه الدول إلى خفض هذا المعدل خلال الشهر الماضي بحيث وصل إلى 19.15 مليون برميل يوميًّا كما قالت دراسة صدرت عن المركز العربي للدراسات البترولية في باريس.
وتقول هذه الدراسة إن معدل الإنتاج في الدول العربية في أوبك عدا السعودية قد انخفض إنتاجها بنسبة ٥٠ بالمائة خلال نفس الفترة، ففي ليبيا أصبح معدل الإنتاج نصف مليون برميل يوميًّا أي انخفض بنسبة ٧٠ بالمائة، وفي نيجيريا أصبح الإنتاج بمعدل ٧٥٠ ألف برميل يوميًّا وفي الكويت ٦٢٥ ألف برميل يوميًّا أي انخفض معدل الإنتاج بنسبة ٥٢ بالمائة و51,2 بالمائة على التوالي!
وهذا المستوى المتدني من الإنتاج يضر بهذه الدول، فمثلًا تحتاج الكويت إلى إنتاج حوالي ٨٠٠ ألف برميل يوميًّا لكي تستطيع تمويل مشاريعها للتنمية والصرف على الميزانية.
وما دمنا لسنا بصدد تفصيل النتائج التي ترتبت في أعقاب مؤتمر أوبك الأخير فتكفينا الإشارة إلى حقيقة أن تجديد الإنتاج والأسعار لم يعد في أيدي بلدان أوبك بل في أيدي المستهلكين.. وإذا قدر لهذه المعادلة أن تستمر فعلى أوبك السلام مهما أقیمت أفراح بمناسبة تأسيسها فيما يلي من سنوات.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بإلحاح هو: كيف ولماذا أصبح القرار بيد المستهلكين أو بيد «السوق» على حد تعبير بعض وزراء دول أوبك؟!
قد يكون الجواب في النقاط التالية: 
● تمكن الدول الصناعية على مدى الأشهر الماضية من بناء احتياطيها للطوارئ واحتياطيها الاستراتيجي بحيث أعلنت دولة مستهلكة مثل اليابان عن نيتها لتخفيض وارداتها اليومية من 4.98 إلى ٤,٦٥ مليون برميل!
● واستطاعت الدول الصناعية أن تتبنى سياسة للاقتصاد في استخدام الطاقة أدت إلى انخفاض الطلب على النفط في دول منظمة التعاون والتنمية الأوروبية عام ١٩٨٠ بنسبة 12,6%․
● وارتفع الإنتاج في بحر الشمال وخليج المكسيك والهند وبعض دول أميركا اللاتينية بمعدل 3.8 بالمائة بالنسبة لإنتاج العالم غير الشيوعي.
ولكن هذه الحقائق التي تستند إلى ظروف غير طبيعية لا تكفي لتفسير حقائق السوق أو «التخمة» النفطية التي قلبت الموائد لصالح المستهلكين.
فالإحصائيات تقول إن جملة هذه الأسباب أدت إلى تخمة في السوق لا تتجاوز المليوني برميل يوميًّا أو أكثر بقليل بينما وصلت التخمة في الأشهر الأخيرة من 3,5 إلى 4 ملايين برميل يوميًّا.
ولا شك أن معدل الإنتاج السعودي العالي الذي بلغ 10.3 مليون برميل يوميًّا مسؤول بدرجة كبيرة عن التخمة النفطية، وهذا ما اعترف به اليماني وغيره من المسؤولين السعوديين. ولكن يبدو أن هذه السياسة «إغراق السوق» وإن كانت مقصودة من السعوديين إلا أن آثارها قد أصابتهم مما اضطر اليماني نفسه لإعلان أن بلاده ستخفض إنتاجها خلال الشهر الحالي بمعدل مليون برميل يوميًّا. وتقول معلومات إن المعدل السعودي قد انخفض فعلًا إلى معدل 9.2 مليون برميل يوميًّا خلال الشهر الجاري.
ومهما قيل عن إمكانية عقد مؤتمر طارئ لأوبك أو عن إمكانية التوصل إلى توحيد السعر في مؤتمر أبوظبي في ديسمبر القادم فإن الدرس المُر الذي تستقيه من مؤتمر جنيف الأخير أن «السياسة» وليس الاقتصاد هي التي تسود أجواء مؤتمرات أوبك.
لقد كان سكرتير عام أوبك مارك ساتورتين نان بليغًا جدًّا عندما علق على مؤتمر جنيف الأخير حيث قال: «الوزراء الذين حضروا الاجتماعات شعروا بأنهم توصلوا إلى سعر بدا معقولًا من الناحية الاقتصادية (35 دولارًا للبرميل) ولكن كان على رؤساء الدول أن يخبرونا بأن كلام السياسة هو المسيطر وليس كلام الاقتصاد»!
وأخيرًا إذا أدركنا هذه الحقيقة يتبين کم هم جهلاء أو خبثاء الذين يقولون إن النفط قد سقط كسلاح سياسي في أيدي العرب، ويتبين كم هم آثمون الذين يعملون على دفن أوبك في ربيعها الحادي والعشرين.

الرابط المختصر :