العنوان هل الدول المتقدمة تسعى لإعانة الدول المتخلفة؟
الكاتب محمد حبيب أبو فارس
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1988
مشاهدات 71
نشر في العدد 876
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-يوليو-1988
قبل شهور قليلة من الانتخابات الفرنسية الأخيرة سألت مجلة «الإكسبرس» الفرنسية رئيس وزراء فرنسا السابق جاك شيراك السؤال التالي:
- هل ترون بعد بصيصًا من الأمل لفقراء الكرة الأرضية؟
وكان الجواب:
وأسفاه! إنه عالم ثالث يغوص باستمرار في البؤس، هذه الإجابة البسيطة تكشف لنا أن المصطلحات وحدها من نوع الدول النامية أو الدول السائرة في طريق النمو لا يمكن أن تغطي الواقع المر أكثر مما غطته وأنها لم تعد تخدع أحدًا بعد أن فشلت دول العالم الثالث عمومًا وبنسب متفاوتة في تضييق الهوة التي تفصلها عن الدول المتقدمة بل إن الجميع يشعرون الآن بأن هذه الهوة آخذة في الاتساع ومن هنا توالت صيحات الفزع والتحذير من خطر هذا الاتساع الذي لا يهدد فقراء الأرض فقط بل أغنياءها كذلك.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ وهل لطبيعة العلاقات بين النظم الصناعية المتطورة ونظم العالم الثالث مسؤولية في ذلك رغم ما تدعيه الدول المتقدمة من أنها تسعى لإعانة الدول المتخلفة على اللحاق بركب التقدم؟
كيف حدث نمو التخلف؟
في البداية عملت الرأسمالية الغربية -وتبعتها فيما بعد الشيوعية- في إطار ما سموه بـ «تقسيم العمل» على جعل الدول الفقيرة تفتقد إلى القدرة على الإنتاج الحر الكامل لتظل دائمًا مزودًا لدول المركز الرأسمالي بالخامات والطاقات وحتى الرجال ومستهلكًا لبضائعها وهكذا تحددت منذ البداية العلاقات بين الأغنياء والفقراء لصالح من تراكمت لديه رؤوس الأموال وبقيت دول العالم الثالث تعاني من استنزاف متواصل ومتسارع تجسد مؤخرًا في رقم هائل للديون هو «۸۰۰» مليار دولار كما تجسد في ارتباط أكبر فأكبر ببضائع الغرب التي غيرت أنماطنا الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية حيث لم نعد نستطيع التخلي عنها وحيث إن أنماطنا التقليدية قضي عليها تدريجيًا واندثرت شيئًا فشيئًا ولكننا في نفس الوقت لم نستطع أن نكون رأسماليين منتجين على مثال الرأسمالية الغربية لأن المنطق المركزي للرأسمالية يستوجب أن تبقى مجموعة الدول المتخلفة على الحافة أو الهامش.
والمحاولة الأولى لإخضاع الدول وجعلها تنخرط في دورها الثانوي خدمة للرأسمالية المركزية هي الحروب الاستعمارية وفتح الأسواق الدولية عنوة وقسرًا مثلما حصل في الهند والصين ومصر حيث ظهرت بوادر نهضة وطنية ونمو رأسمالي مستقل ولو لم يضرب أسطول محمد علي من طرف الإنجليز والفرنسيين لربما اختلف الوضع في مصر بل في العالم العربي كله عما هو عليه الآن.
وهكذا فإن الذي انخرط في نظام يمسك بزمامه الآخرون وتحطمت نظمه الخاصة به أو توقفت عن النمو لا يمكن إلا أن يكون تابعًا متخلفًا ومعنى ذلك أن تقسيم العمل بالمفهوم الرأسمالي الغريب يعني أن تبقى دول الهامش موظفة لإمكاناتها وطاقاتها لدول المركز وسوقًا استهلاكية لبضائعه وحتى تدفق القروض والتسهيلات على عدد كبير من بلدان العالم الثالث تدخل في صلب هذه الاستراتيجية بمعنى أن هذه القروض -وحتى المنع أحيانًا- إنما تقدم لدول العالم الثالث في صورة أجهزة ومواد وبضائع أو في إطار استهلاكي من أي نوع تحدده شروط الدائن.
فإذا أدركنا أن مجتمعات العالم الثالث قد شكلتها القوى الرأسمالية وبصورة أقل ربيبتها القوى الشيوعية بحيث تتسارع وتيرة تحولها إلى مجتمعات استهلاكية تلبية لمتطلبات المركز الرأسمالي بالخصوص وأن هذه المجتمعات تعاني من تناقص مخيف في قدرتها على الإنتاج على كل صعيد ولا يستثنى من ذلك حتى الثقافة فإننا لا يمكن أن نراها إلا تسير إلى الخلف لا إلى الأمام.
صدقات قيمتها ١% من الدخل القومي لإراحة الضمير والقيام بالواجب!!
كل القمم التي جمعت رؤساء الدول الصناعية المتقدمة «الأغنياء السبعة» لم تول قضية الحوار بينالشمال والجنوب وقضية تخلف دول العالم الثالث أي اهتمام يذكر وكانت منشغلة بحل مشاكلها والأزمة المالية والاقتصادية التي لا تهدأ إلا لتعود للصف من جديد منذ ما يقرب من ثلاث سنين ولعلنا لا نمدح الرئيس الفرنسي ولا نبالغ في القول إذا ما اعتبرناه الرئيس الوحيد الذي حمل أكثر من غيره هموم العالم الثالث إلى القمم الصناعية الأخيرة ليس من باب الحرص على مصالح دول العالم الثالث بل من باب الوعي بخطورة تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء على العالم بأسره حيث يقول ما معناه إن أولئك «زعماء الدول الصناعية» الذين يعتقدون أن الخروج من الأزمة الاقتصادية بمفردهم هو أمر ممكن يخدعون أنفسهم لأن ذلك لن يستمر طويلًا ولا بد أن تتفجر الأزمة من جديد ولهذا لا بد من استمرار الحوار بين الشمال والجنوب من أجل بناء قاعدة صلبة للتعاون ومع ذلك خرج الرئيس ميتران بخيبات أمل من معظم القمم الصناعية التي حضرها لأنه لم يلق آذانًا صاغية بخصوص هذه النقطة بل لعل حكومته نفسها التي كان يتزعمها شيراك لم تكن تشاطره رأيه هذا ومع ذلك يتبجح الغربيون بأنهم يقومون بواجبهم وأكثر إزاء العالم الثالث ويذكرون بالمعونات والمساعدات التي يقدمونها للدول الفقيرة والدول الأكثر فقرًا ويذهب بعضهم إلى القول لو لم نكن أغنياء كيف سيكون مصير هؤلاء الفقراء؟ يا لها من حجج!! إنهم يعتقدون أن دفع نصف بالمائة أو على أقصى تقدير ١ بالمائة من دخلهم القومي يريح ضمائرهم ويخلصهم من مسؤولياتهم ولو أمعنا النظر فيما تقوم به الدول الغنية إزاء الدول الفقيرة لوجدنا في الحقيقة هيمنة واستغلالًا فظيعين لا تغطيهما سوى غلالة من الكرم الزائف:
- إن المعونات التي تخصصها الدول الغنية للدول الفقيرة هي مبالغ تافهة بالنسبة للثروات الكبيرة التي تجمعها من خلال استراتيجية وقوانين الاستغلال الظاهرة والخفية لشعوب العالم حيث تتراوح تلك المعونات بين ٠.٢٣% و١% من الدخل القومي في حين تخصص بعض الدول الصغيرة مثل الكويت ۳٫۸٪ من دخلها لمعونة الفقراء.
- إن المعونات العينية -خاصة المواد الغذائية للجوعى- تقتطع من الفوائض الزائدة عن حاجات السوق والتي لم تبع.
- إن أمريكا وأتباعها من الدول الغنية تسلط كل ضغوطاتها على حكومات الدول النامية بقصد إثنائها عن تنفيذ مشاريع اقتصادية وفلاحية إنتاجية ذات جدوى وتخدم مصلحة الشعوب وما محاولةأمريكا إثناء السعودية عن تنفيذ مشروع إنتاج القمح السعودي بحجة أن تكلفته أكبر من القمح الأمريكي المورد إلا دليل واضح على ذلك.
وفي نفس السياق رفضت البنوك العالمية التي تسيرها أمريكا في الخفاء تمويل مشروع إنتاج قمح في السودان رغم ما يقاسيه السودان من نقص في المواد الغذائية.
- إن الدول الغربية التي تنادي برفع الحواجز الجمركية وبالتبادل الحر للبضائع تضع الحواجز والعقبات أمام دخول بعض البضائع التي استطاعت صناعات العالم الثالث إنتاجها وأوضح مثال على ذلك صناعة البتروكيماويات السعودية والخليجية التي لا تريد الدول الغربية معاملتها مثلما تعامل دول الخليج البضائع القادمة من أوروبا.
- في الثمانينات صار اتجاه رؤوس الأموال من الجنوب نحو الشمال وليس العكس وذلك بفعل النظم الربوية الاستغلالية حيث فاق ما يدفعه العالم الثالث للدول الصناعية من ديون مستحقة وفوائدها القروض الجديدة التي تقدمها له الدول الصناعية وهذا ما جعل زعماء بعض دول العالم الثالث يثورون على الوضع القائم، فقد هاجم مثلًا رئيس وزراء البيرو صندوق النقد الدولي ووصفه بأنه «مؤسسة سياسية تقوم مقام الاستعمار القديم» كما وصف الولايات المتحدة بأنها دولة لا تخضع هي ذاتها لأي مراقبة وأنها تعرض دول العالم الثالث للمجاعة من أجل إعادة التوازن لاقتصادها وفي أفريقيا عبر رئيس جمهورية تنزانيا أمام المؤتمر الحادي والعشرين لمنظمة الوحدة الأفريقية الذي عقد في أديس أبابا عام ١٩٨٥ عن حقيقة مشارع أفريقيا عندما قال: «إن الدول الأفريقية لن تسمح لنفسها بأن تتضور جوعًا لكي يتسنى لها تسديد ديونها للدول الصناعية».
- إن الدول الصناعية الكبرى تتستر على نهب الحكومات العميلة والمتسلطة لخيرات الشعوب فيالعالم الثالث وكل الأموال المهربة من العالم الثالث تجد الأمن والأمان في خزائن البنوك الغربية حيث توفر هذه البنوك الملجأ والسرية وساسة الدول الصناعية يعلمون ذلك حق العلم ويغمضون أعينهم عليه إن لم يشجعوه، فالثروة الشخصية لرئيس الفلبين السابق ماركوس تعادل نصف الديون الخارجية للبلاد ورئيس زائير موبوتو الذي يحكم البلاد منذ عشرين سنة والذي يعتبر بلاده من أفقر بلدان العالم الثالث يتوفر على ثروة هائلة تجعله في مصاف أثرى أثرياء العالم ومن المؤكد أن خزائن بنوك سويسرا وأمريكا تحتوى على أسرار تفسر جزئيًا ما نکبت به شعوب العالم الثالث من تخلف.
- أخيرًا وليس آخرًا لا بُدَّ أن نذكر إثارة الحروب المحلية والقلاقل التي تجد فيها القوى الكبرى مرتعًا خصبًا للاستغلال واستنزاف خيرات الشعوب وطاقاتها مقابل تقديم أدوات القتل والدمار.
فشعوب العالم الثالث تدفع من قوت يومها للأغنياء المصدرين للسلاح وتموت بنفس السلاح ومن يبقى يبقى فقيرًا واقعًا في شباك التبعية وها هي الحرب العراقية الإيرانية التي يعمل الكبار على استغلالها أبشع استغلال بعدم قيامهم بواجبهم نحو إيقافها وبتغذية نيرانها التي لم تخمد منذ حوالي ثماني سنوات.
وبعد، إن العالم اليوم يبدو أكثر تمزقًا والفوارق أکثر اتساعًا وعمقًا نتيجة الأنانية المفرطة والنظرة الضيقة للمصالح الذاتية فحسب والدول الغنية تعمل بكل ما في وسعها على مراكمة الأموال لتطوير التسليح وزيادة حجمه على حساب البؤساء والفقراء والجوعى في العالم متنصلة من واجباتها تجاههم في حين أن الخطر يتهدد الجميع من جراء السباق المحموم نحو التسلح ومن جراء حب الهيمنة والسيطرة ونعتقد أن جزءًا ضئيلًا من الاعتمادات المخصصة للتسلح والإنفاق عليه كفيل بإنقاذ ما تبقى إنقاذه وإذا كان الرئيس ميتران يعرب عن نواياه الطيبة بالدعوة من جديد إلى حوار بين الشمال والجنوب للخروج من المأزق فإنه يعلم قبل غيره أن النوايا الحسنة وحدها لا تطعم الجوعى ولا تفك ضائقة المعوزين وهو يدرك أيضًا أن أولئك الذين لم يصغوا إليه وعلى رأسهم الرئيس ريغان ماضون في سياستهم الاقتصادية المجحفة بالعالم الثالث بهدف الحفاظ على مصالح أمريكا وهيمنتها على العالم ولكن هل يبقى العالم الثالث ينتظر رحمة الكبار وعودة وعيهم إليهم حتى يعدلوا عن سياستهم -وما نظنهم بفاعلين-؟ ذلك هو السؤال.