; الذين ينتظرون والذين يتحركون | مجلة المجتمع

العنوان الذين ينتظرون والذين يتحركون

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1984

مشاهدات 96

نشر في العدد 670

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 08-مايو-1984

  • ماذا قال «علييف» في دمشق؟
  • هل يتحول الاتحاد السوفياتي من سوريا إلى العراق؟
  • لماذا المؤتمر الشعبي الفلسطيني في الجزائر؟

الساحة العربية والفلسطينية بخاصة تشهد هذه الأيام نشاطًا محمومًا رغم جو الترقب والانتظار الذي يلف المنطقة انتظارًا لما ستسفر عنه نتيجة الانتخابات الأمريكية التي اعتادت بعض الأطراف العربية على الاعتماد عليها في حل مشاكل المنطقة بينما اعتادت الأطراف الصهيونية على الاعتماد عليها في صنع هذه المشاكل. 

والانتظار لا يقتصر على نتائج الانتخابات الأمريكية، بل هناك من ينتظر وفاة رئيس عربي ليقفز على المقعد الأول في السلطة ويعلن التبعية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية، هذه التبعية التي كانت حتى الآن «باطنية».

ويبدو أن الاتحاد السوفياتي الذي اعتذر عن حماية عرفات وجنوده أثناء الخروج من طرابلس وجه في الأونة الأخيرة لومًا للمسؤولين السوريين على لسان «علييف» الذي قال في معرض سخريته من الموقف السوري المؤيد لإيران: «أنتم حزب واحد ولا أفهم هذا الموقف الغريب من العراق» وأضاف: 

«ولا أفهم هذا العداء للثورة الفلسطينية ومحاولة تمزيقها مع العلم بأنكم تؤمنون بالعمل الشعبي لتحرير فلسطين». فهل طرأ على الموقف السوفياتي تغيير ما؟ كل الدلائل تشير إلى أن الاتحاد السوفياتي ألقى بثقله في الأونة الأخيرة في اتجاه العراق وكانت هنالك عوامل كثيرة دفعته إلى هذا الموقف الجديد منها:

•تصفية حزب تودة الشيوعي في إيران بعد أن كان الاتحاد السوفياتي يعول عليه في تغيير مجرى الأحداث في إيران لصالح الاتحاد السوفياتي، هذا إن لم يستطع القفز على السلطة وتحويل إيران إلى دولة شيوعية.

•الموقف السوري الذي استطاع بأسلوب عبد الناصر أن يحصل على دعم الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في آن واحد والذي لا يمكن أن يستمر طويلًا على هذا الحال فلابد من الفرز والخروج من نقطة التعاطفات. 

•الموقف العراقي الذي هو في أشد الحاجة إلى من يدعمه لحسم صراعه مع إيران وإيقاف هذه الحرب التي أهلكت الكثير من الأرواح والممتلكات ولا يكاد اشتعالها يخف حتى تعود من جديد أكثر اشتعالًا.

•الصراع في أفغانستان الذي لم يستطع الاتحاد السوفياتي بكل ألته العسكرية الرهبية أن يحسمه لصالح نظام الحكم الشيوعي في كابول مما اقتضى إیجاد موطئ قدم جديد وقريب إلى حد ما، يعزز تواجده الاستعماري المزعزع في أفغانستان ويعوضه عن شكوكه في إمكانية إيجاد قدم ثابتة له في سوريا.

الوفاق الدولي المعلن والمخفي بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والذي بموجبه يتم اقتسام مناطق النفوذ في العالم انطلاقًا من صراع أيديولوجي في الظاهر وصراع مصلحي في الحقيقة. 

ولعل الأدوات السوفياتية في الساحة الفلسطينية بدأت تشعر بهذا التغيير المحتمل لموقف الاتحاد السوفياتي فخففت من عنفوان هجمتها على قيادة منظمة التحرير وأخذت تتحدث–على استحياء–عن كثافة الضغوط التي تواجهها من دمشق ولذلك تقول المعلومات الواردة من الجزائر إن «ياسر عبد ربه» نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية التي يرأسها «نايف حنا حواتمة» استنجد بالمسؤولين الجزائريين للضغط على دمشق لتخفف من قسوتها عليهم.

وفي لقاء الجزائر لم يكن في مقدور الجبهتين الشعبية والديمقراطية البت في أمر من الأمور دون الرجوع إلى دمشق التي استطاعت أن تفرض نفسها على الساحة اللبنانية ونسبيًا على الساحة الفلسطينية، وأن تحرك الأحداث في اتجاه معين بالنسبة للبنان تمهيدًا لتحريك الأحداث في اتجاه معين بالنسبة للمسألة الفلسطينية.

ولعل قيادة فتح التي تتحرك بسرعة هذه الأيام للإبقاء على زمام «القضية» بيدها قد استطاعت عبر المؤتمر الرابع لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين الذي عقد في صنعاء مؤخرًا في الفترة من ٣ – 8/4/1984م بعد سلسلة من التأجيلات 18/3، 22/3 أن تثبت أنها قادرة على اقتحام الوكر الوحيد لليسار الفلسطيني وتصفيته لصالحها.

وكان هذا الفشل لليسار الفلسطيني من أسباب قبوله بلقاء الجزائر ولكنه لم يستطع أن يحسم الأمر فاكتفى في لقاء الجزائر بالبحث في العموميات والأساسيات والمبادئ ولم يتطرق إلى وضع حلول جذرية للمشاكل المستحكمة بين الأطراف المتحركة على الساحة الفلسطينية.

وهنا يتقدم عرفات وأركانه خطوة أخرى في اتجاه إثبات الوجود فيعلن عن الدعوة إلى مؤتمر شعبي فلسطيني موسع يضم خمسة آلاف شخصية فلسطينية كمظاهرة شعبية عامة واستفتاء على دعم قيادته ليكون ذلك عامل ضغط على قوى المعارضة داخل المجلس الوطني ومازال عرفات ينتظر رد الجزائر على الموافقة على تحمل تكاليف هذا المؤتمر واستضافته، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا يريد عرفات من تثبيت قيادته للمنظمة؟ يقول القائد الفلسطيني في لقائه بالاتحادات الشعبية وفصائل المقاومة وأعضاء المجلس الوطني الذي تم مؤخرًا في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بالكويت «وأن عام ١٩٨٤ هو عام جمع الأوراق ومن ثم اللعب فيها، وأكد أن اللعب بهذه الأوراق يمنح الثورة أشياء جديدة..... وهنا أحب أن أوكد أننا سنملك كيانًا... وخائن كل من لا يقبل بهذا الكيان.

فهل يعني ذلك أن عرفات موعود بكيان ما؟ ومن صاحب هذا الوعد؟ وكيف يجزم عرفات بأن هذا الوعد سيتحقق؟ وأين يكون هذا الكيان؟ وما ثمنه؟ وكيف يتحقق؟ أسئلة كثيرة حائرة لا تجد جوابًا.... ثم لماذا يكون خائنًا من يرفض هذا «الكيان» ولماذا استعمل عرفات صفة «الخيانة» لأول مرة لمن لا يقبل هذا الكيان؟ 

إن تحركات عرفات وجولاته ليست لجمع التبرعات ولكن لجمع الأوراق، فما هي هذه الأوراق الرابحة في نظره؟ وهل هي أوراق الاتحاد السوفياتي أم أوراق الولايات المتحدة أم الاثنين معًا؟ وهل لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة «دي كويلار» بعقد مؤتمر دولي لحل مشكلة الشرق الأوسط علاقة بهذه الأوراق رغم رفض أمريكا وتحفظ بريطانيا وتأييد الصين؟ 

نحن لا نرجم بالغيب ولكننا نستقري الأحداث، وإذا كانت المعطيات متداخلة فإنه يصعب الخروج منها بنتيجة حاسمة تصف الشيء بصفاته الحقيقية، لكن الذي نملك أن نجزم به أن "إسرائيل" التي قامت على الظلم والقهر والعدوان، لا يمكن أن تتنازل عن شبر من الأرض لمن يسابق الزمن كي ترضى عنه، هي أو سندها الأكبر الولايات المتحدة الأمريكية.

إن عرفات إذا اراد أن يعمل شيئًا لفلسطين أو لشعب فلسطين فلا ينبغي أن يغيب عن ذهنه ولو للحظة واحدة قول الزعيم الوطني المصري مصطفى کامل : «أن من يفرط في حقوق وطنه ولو لمرة واحدة يعش أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان».

ولعل أولئك الذين ينتظرون موت رئيس عربي أو زعيم إيراني لتتغير المعطيات جميعًا يغفلون حركة نشطة تجري في مصر وفي غير مصر ربما يكون لها الأثر الفاعل في تغيير مسار الأحداث في منطقتنا العربية ومنعها من التدهور والانزلاق إلى هوة لا يمكن الخلاص منها.

إن الرمال المتحركة تحت أقدام ياسر عرفات هي في نفس الوقت رمال متحركة تحت أقدام كل الذين قدر لهم أن يعيشوا في هذه المنطقة المستهدفة من الغرب والشرق على حد سواء. وإذا كانت إسرائيل قد وجدت لتضم وتطرد وتهضم باسم الذين أوجدوها فإن «الكبار» الذين يستبدلون مواضع أقدامها كما يستبدلون أحذيتهم لابد أن يوقنوا أن الجمر هو الفراش الذي ينتظرهم.

ولن يتحقق ذلك إلا حين يكتشف العربي إنه مسلم وإنه لن يكون كذلك إذا اعتقد بإمكانية النصر على أعداء الإسلام بالتحالف معهم.

الرابط المختصر :