العنوان الذين يهربون من بيوتهم كيف يعودون؟
الكاتب السيد منصور البرشومي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1982
مشاهدات 61
نشر في العدد 596
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-نوفمبر-1982
ظاهرة جديرة بالبحث، حقيقة بالاهتمام، لا من جهة واحدة بعينها بل يحتاج بحثها لجهات متعددة، تتضافر جهودها في سبيل دراستها، وإيجاد الحلول العملية لها.
والمشكلة تتطلب قدرًا من الإنسانية أكثر مما تتطلب النظر إليها كمشكلة تتدخل في حلها اللوائح والقوانين؛ لأنها تمس سمعة الأسرة التي تمنى بها، وتعاني من آثارها.
ولعلك تتساءل عن حجم هذه المشكلة وكنهها، بل ومدى خطورتها، تلك المشكلة التي جعلتني أتصدى للحديث عنها، وأدق ناقوس الخطر مؤذنًا بأهميتها، محذرًا من نتائجها، بل وأدعو الجهات المتعددة من رجال إدارة إلى علماء الدين إلى رجال الاجتماع وأساتذة علم النفس والقانون لدراستها وبحثها، تلك المشكلة هي نزوع بعض أفراد الأسر إلى هجر البيت والهروب منه، وعدم عودتهم إليه، لإحساسهم أنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يتفاعلوا مع مجتمعاتهم التي يعيشون فيها، ولا يتوقف ذلك على سن دون سن أو جنس دون آخر.
ولكل سن أسبابه، ولكل مجتمع دوافعه التي تدعوه إلى ترك المحضن الذي ضمه، والمجتمع الذي آواه والذي يعتبر مهده الآمن ومقره الأمين.
وقد يكون ترك البيت والأهل خارجًا عن إرادة الشخص، أو بسبب دافع ملح يدعوه لهذا الهروب فلكل مجتمع ظروفه التي قد تضطر بعض أفراده لهجره، والتخلي عنه.
• عامل مشترك
وبالبحث في المشكلة نجد أن العامل المشترك لهجر البيت والتخلي عن الأهل في جميع الأحوال والمجتمعات هو عدم تكيف الشخص مع المجتمع الذي يعايشه، وقد لا تكون محاولة هروبه هي المحاولة الأولى بل تسبقها محاولات، يراجع نفسه فيها مرارًا، ممنيًا النفس في كل مرة أن الأمور قد تسير إلى الأحسن مستقبلًا، حتى إذا تبين له أن ظنه قد خاب، وأنه فشل في تجربته للتكيف، ولم يجد راحته لجأ إلى الهروب «فخرج ولم يعد» وقطع صلته بمن حوله.
وأساس المشكلة، أنه لم يؤخذ بالتربية الدينية من صغره ولم ينشأ على الإيمان، ولم توثق صلته بالله من مبدأ حياته، فنشأ بعيدًا عن حظيرة الدين متنكبًا طريق الهدى معرضًا عن منهج ربه.
والله يبشر أمثال هؤلاء بالتمزق والضياع؛ لأنهم صرفوا وجوههم عن الله فصرف الله وجهه عنهم ووكلهم إلى أنفسهم فعاشوا في قلق نفسي وهم مقيم، يقول الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: 123-124) والضنك لا يكون في الماء وحده كما قد يظن البعض، فالمال لا يرضي إلا حاجة واحدة وقد لا يشبع إلا ملكة واحدة من ملكات النفس المتعددة المعقدة، الضنك إنما يكون في النفس أو في حياة الإنسان فينطبع على تصرفاته ذلك الذي مال عن منهج الله وهداه، فأضله الله وأرداه.
في مجتمع مادي كأوروبا وأمريكا نسي الناس فيه أن لهم ربًا، وسخروا من كل ما يدعو إلى دين، هناك حيث الأمور ميسرة وقد كفل للشباب كل شيء من المسكن الخاص إلى السيارة الفارهة فوق التأمينات الاجتماعية والدخل المريح؛ نجد الشباب هناك يمل النعيم ويهرب منه؛ لأنه يحيا حياة فارغة ويعيش بلا هدف، وفوق ذلك يفقد عنصرًا هامًا في حياة الإنسان هو الترابط الأسري والرباط العائلي، والمودة التي تسود أفراد الأسرة الواحدة، والدفء والحنان الذي يربط أعضاء البيت الواحد، فتحدث له ردة فعل تضطره إلى جماعات ممن تعتزل المجتمع «كالهيبيز» وتنحرف عنه فتكون الجريمة ويختل الأمن ويكون الضياع وفقدان الشباب.
• في المجتمعات الفقيرة
أما في المجتمعات التي تشكو من ضيق ذات اليد فالأسباب الظاهرة تختلف تمامًا، فالشاب يهرب من البيت لما ينتابه من ضيق نفسي بسبب الفقر الذي يجتاح الأسرة والحاجة التي تعاني منها، ولضعف إيمانه، وعدم يقينه بربه، وانعدام ثقته في أنه سبحانه يبسط رزقه لمن شاء، ويكفل الرزق لجميع خلقه، فتجده قد اتخذ مكانًا قصيًا وتجافى عن أسرته وبيته غير آسف على شيء فيه، وقطع صلته به، بل لا يفكر حتى في العودة إليه، ويمني نفسه أنه سيجد حياة أفضل، ومستقبلًا أسعد، وأنه إن استقام وبقي في تلك الأسرة المنكوبة والبيئة التعسة، فلن يكون حظه أفضل من حظهم وسيعاني ما تعانيه أسرته من فقر بل سيكمل الطريق الصعب، ويرهقه العيش الضنك الذي يقاسيه أهله.
وترك المرأة لبيتها يعود لسبب نفسي، فالمرأة التي لم تنسجم في حياة هنيئة مع زوجها ووجدت استحالة الحياة بينهما، وودت بشق النفس لو تحل ما بينها وبين زوجها من رابطة زواج ترى أنه زواج فاشل وأحست أنها تعيش في جحيم، الموت خير منه ولم تستطع مع كل هذا الفكاك من حياة بائسة فلم تجد أمامها من وسيلة إلا هجر بيت الزوجية والهرب منه وبطريقة فجائية وهو ما يحدث في المجتمعات غير الإسلامية التي تحرم الطلاق وتضيق على الزوجة الخناق، وهنا تتضح سماحة الإسلام ودوره العملي في معالجة الحياة الزوجية إذا استحالت بأن جعل الطلاق حلًا لزواج غير محتمل وعشرة مستحيلة بين زوجين متنافرين دون إجحاف بحقوق أحد الزوجين أو افتئات على مصالحهما ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (النساء: 130) وأكثر ما يكون الهروب، وغالب حالاته تكون بسبب ما يكتنف الأحداث من جو مشحون بالشجار والخلافات الزوجية بين الوالدين، ومعيشة الغلام في بيت غير مستقر تهب عليه رياح الشقاق فتهدد بهدمه على رؤوس أصحابه، فهو يسمع ليل نهار ما يجري من تجريح كل من والديه لرفيقه وما يقذف به الآخر من اتهامات، وما يثور من تهديد وصياح وسباب ما ينتهي إلا ليعود، فيمل حياته ويضيق بها، ويعيش في عذاب مستمر حتى يأتي اليوم الذي يحس فيه أنه إن بقي فسيفقد عقله إن لم تكون حياته، وأن الحياة في مثل هذا الجو ستؤدي به حتمًا إلى التمزق والجنون، وإن أفضل وسيلة لتجنب هذا المصير هي ترك البيت إلى غير رجعة.
فيترك البيت لعله يجد الراحة في سواه، بعيدًا عن ذلك الجو البغيض الكريه المشحون بالبغضاء المشوب بعدم الراحة والأمان.
• أم المشاكل
وأم المشاكل بالنسبة للأحداث، بل أهم الأسباب لترك البيت والنزوع للانفصال عنه، والهروب منه -كما قدمت الدراسات والإحصاءات- عدم المساواة في المعاملة بين الأبناء، خصوصًا إذا كانوا من أمهات مختلفات، وهنا يأتي دور زوجة الأب في تصعيد عدم المساواة بمحاباتها لأولادها، وتفضيلهم عن أولاد ضرتها الذين يجدون أنفسهم غرباء في بيت أبيهم، دخلاء في دار كانوا أصحابها، وقد تقسو بعض زوجات الآباء على أولاد أزواجهن فيحس الولد بالاضطهاد ويفقده لعنصر الحنان وعدم توفره له، لا سيما إذا رأى في أبيه ميلًا لإخوته وانصرافًا عنه، وإذا لمس من أبيه إهمالًا لمطالبه الضرورية في الوقت الذي يغدق فيه على أولاده من الزوجة الأخرى ويجيب التافه مما يطلبون من كماليات، كل هذا وأمثاله يؤدي به في النهاية إلى الانصراف عن البيت وهجره إلى الأبد ولسان حاله يقول:
لا أذود الطير عن شجر ****** قد بلوت المر من ثمره
ثم هناك «الأم» التي لا تملك ترك بيتها أو هجر دارها وفيها أعز من في الوجود -ابنها- ذلك الذي ربته وقامت على رعايته ووقفت حياتها لراحته، وأنفقت عمرها في سبيله، وأعطته من نفسها وجهدها حتى أوصلته إلى ما تصبو هي إليه، وزوجته لتقر عينها به وبزوجته، وأفردت له في بيتها، وآثرته وزوجته على نفسها، وإذا بها تجد تغيرًا في طباعه، وجفافًا في معاملته، وانصرافًا بكليته عنها، فبعد أن كانت موضع سره وملاذه، وبعد أن كانت راحته في القرب منها، وسعادته في الركون إليها، إذ به يصرف جل وقته واهتمامه لزوجته، ونسي أو تناسى ارتباطه بأمه وحياته معها وما بذلته لسعادته وزاد الأمر سوءًا نظرة زوجة الابن لها، وإصرارها ألا يشاركها أحد في زوجها حتى ولو كانت أمه وإثارتها بمناسبة وغير مناسبة.
ولو استطاعت تلك الأم -الحماة- أن تترك الدار لفعلت لتريح ابنها وتسعده، بل هي قد خرجت فعلًا -بروحها وعواطفها- وإن بقي جسدها في البيت ينتظر مصيرها المحتوم ولقاء الله. وهناك من يترك البيت بغير إرادته، وهو ما نجده في حالة المسنين الذين يرجع خروجهم من البيت لحالة مرضية بسبب الشيخوخة، وإذا حدث هذا في القرية فغالبًا ما يعود الشيخ إلى أهله لاتصال أهل القرية ببعضهم وبسبب ضيق المساحة.
أما في المدن الكبرى فالأمر يختلف نظرًا لكثافة السكان وامتداد البلدان، فالشيخ إذا بعد عن داره لا يعرف كيف يعود، وفي مثل تلك المدن نجد كل إنسان منشغلًا بنفسه، لا يلقي بالًا لمن حوله، فهو يفضل أن يسرع لموعده أو يتمم نزهته؛ بدلًا من أن يدل ضالًا أو يعيد شيخًا لأهله، يضاف لهذا وسائل النقل السريعة التي تبعده لا عن داره وحدها؛ بل عن الولاية بأسرها وتعفي على أثره، وهكذا إذا نزعت الرحمة من القلوب شقيت النفوس وانقلبت نظرة المجتمع المادي إلى جحود، ولكن مبادئ الإسلام ليست كذلك فالرحمة من صلب دعوته والرسول يؤكد هذا بقوله: «استوصوا بالكهول خيرًا وارحموا الشباب»(السيوطي:1/107).
حدثني صديق متزوج من سيدة أمريكية أن إخوة زوجته يضعون والديهم في دار للمسنين تبعد عن ولايتهم مئات الأميال، ولا يتصلون بهم إلا بالهاتف مرة كل عام ليتأكدوا أنهما ما زالا يعيشان.
أفبعد هذا من جحود ونكران للجميل، وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للوالدين، فكيف نطالب هؤلاء ممن نزعت الرحمة من قلوبهم بإجابة استغاثة شيخ ضال والأخذ بيده لأهله، وهو يرى أن في هذا ضياعًا لوقت أهدره وجهد بدده في عمل يوصف أنه «إنساني!!!».
• وجعل بينكم مودة ورحمة:
وهذا يبرز سؤال يفرض نفسه: لماذا يهرب كل هؤلاء ولا يعودون؟ وإن عادوا قلقين محطمين مرهقين، لا تستقيم صحتهم النفسية بحال بل تزداد سوءًا بعد عودتهم.
ولدراسة تلك المشكلة لا بد أن نؤكد ما يربط الإنسان -أي إنسان- ببيئة ما، هو «الحب والحنان» ولا يجذب المرء إلى عائلته أكبر من الرابطة الأسرية والعلاقات العائلية قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21)، فالحب والمودة والرحمة أغلى وأثمن ما يمنحه الله للإنسان، وأسوأ ما في حياته أن يفتقد الحب ويحرم الحنان وتنضب في قلبه الرحمة فيشقى «والرحمة لا تنزع إلا من شقي»(ابو داود:4942) كما يقول عليه الصلاة والسلام، إن فقد الإنسان لعواطف الحب والمودة والحنان في مجتمع، يشعره أنه في مجتمع غريب عنه، مقطوع الصلة به، مجتمع قد قلبه من حجارة، ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ (البقرة: 74) لذا يحس بعدم الانتماء إليه أو الارتباط به، ومن ثم يخرج هائمًا على وجهه، مشردًا من بيت فقد فيه ما هو في مسيس الحاجة إليه، ألا وهو عاطفة الحب وعنصر الأمان.
فالحب والمودة والحنان والرحمة بين أفراد الأسرة تمثل الرباط الوثيق الذي يشد الجميع والرابطة المتينة التي تجمعهم والكنف الحاني الذي يضمهم.
فالحب هو النعمة الكبرى التي منحها الله عباده وبشر بها أحباءه فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 4)، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195)، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222) وكما عبر القرآن الكريم بعدم الحب وحجبه من الله عمن عصاه فأبعده عن رضاه فقال جل من قائل:
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 57)، وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام: 141).
والذي يتبادر لأذهاننا سؤال: هل ضعف جانب الحب والحنان والمودة هذه الأيام؟
وأقول لا وألف مرة لا، فإن جانب الحب والحنان في المرأة لم ينضب وما كان له أن ينضب فهو طبيعة في تكوينها، أثر عنها عبر تاريخها الطويل، وغريزة ورثتها عن أمها حواء، ولهذا عبر القرآن الكريم عنها بأنها السكن أي الراحة والاطمئنان ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21).
ولكن إن وجدنا أن هذا الجانب قد ضعف عند بعض النساء فما ذلك إلا بسبب ما منيت به المرأة هذه الأيام من مسئوليات وتبعات أضيفت لمسئولياتها كأم وزوجة ومرضع وحاضنة وهي خروجها للعمل ومشاطرتها الرجل في التكاليف المادية، فنجدها تعود من عملها مكدودة لتأخذ في أعمال البيت وما هي بالقدر القليل، وتبحث عن الراحة في بيتها فلا تجدها، وعن الهدوء الذي تفتقده فلا تحصل عليه، فهي تساعد الرجل لتخفف عنه وفي الواقع إنه ازداد عبئًا بذلك فهو لا زال يعمل ومطلوب من الرجل أن يخفف عن زوجته بمساعدتها في أعمال البيت فقد كان سيد الخلق عليه الصلاة والسلام «في خدمة أهله» كما في حديث عائشة رضي الله عنه، كان عليه السلام يرتق الثوب ويرقع النعل ويقم البيت «أي يكنسه» وهو من هو في قدره وشرفه فلم يقلل هذا من كرامته ولم يحط من قدره.
ومن واجب الزوج أن يقدر للمرأة جهدها فيحيطها بالحنان والرحمة، حتى ينعكس هذا على الأسرة مودة ومحبة ومرحمة وليذكر الحديث الشريف « خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ وأَنا خيرُكُم لأَهْلي »(الترمذي:3895).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل