; توظيف البعد الفكري لتكريس الهيمنة العسكرية.. الرأي العام العالمي أصبح الحلقة الأضعف في الواقع الجديد | مجلة المجتمع

العنوان توظيف البعد الفكري لتكريس الهيمنة العسكرية.. الرأي العام العالمي أصبح الحلقة الأضعف في الواقع الجديد

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005

مشاهدات 63

نشر في العدد 1653

نشر في الصفحة 46

السبت 28-مايو-2005

·    تمييع صورة المرأة أدى إلى اختلال منظومة القيم الأخلاقية

تستخدم المصطلحات كأسلوب من أجل تبرير سياسة أو توجه فكري أيديولوجي معين. ولعل مصطلح «الاستعمار»، من بين هذه المصطلحات الشائعة ولكنه استخدم على عكس معناه الأصلي وأصبح متداولًا ويطلق على سياسة الاحتلال والتخريب بدل البناء.

وفي الواقع، فإن الاستعمار بالمفهوم المتداول يقوم على نزعة الهيمنة والسيطرة، وتقوى شوكته وتزيد صولته في ظل صنفين متلازمين من الاختلال: اختلال في موازين القوى يضاف إليه اختلال في منظومة القيم، ولا يمكن فهم خصوصيات الاستعمار الجديد بدون التوقف عند خصوصيات الاستعمار القديم. وأهم ما يمكن التنبيه إليه أن هذا الأخير كان يستهدف أساسًا شعوبًا ضعيفة ومستضعفة، ومسلوبة الإرادة السياسية والفكرية.

وفيما يتعلق بالبعد الثقافي الفكري فإنه لا يمكن القول بأنه كان الدافع الأساسي وراء الحملات الاستعمارية للاستعمار القديم، إنما كان يوظف لتكريس الهيمنة العسكرية بهدف التوسع وتحقيق مكاسب مادية اقتصادية وسياسية بالدرجة الأولى.

لكن فات المستعمر أن ثقافته قد تنقلب ضده، فقد كان بعض من تشربوا مبادئ هذه الثقافة هم أول من تصدى وقاوم المستعمر في ظل الثقافة المحلية وما تحمله من مبادئ العزة والمغالبة لتشكل في مجموعها زخمًا كافيًا لشحن الهمم وبث روح المقاومة وإرادة التصدي للمحتل الأجنبي.

ومع انتهاء الحقبة الاستعمارية في الستينيات، بدا الأمر وكأن صفحة من التاريخ قد طويت لتفتح صفحة جديدة من البناء والإعمار لكن رواسب العهد الاستعماري القديم ومخلفاته لم تندثر خاصة في المجتمعات التي عرفت صنفًا من الاستعمار أعطى أهمية خاصة للبعد الثقافي الفكري.

وأخذت العولمة بعدًا عالميًا لوجود أسباب وممهدات فكرية أيديولوجية لنشر هذا التوجه منها التحولات السياسية التي شهدها العالم منذ انتهاء ما يسمى بعصر الحرب الباردة وتحول قيادة صنع القرار في العالم إلى القطبية الأمريكية. وتزامن ذلك مع ثورة علمية تكنولوجية حولت العالم إلى قرية، ومن تداعيات هذه التحولات سرعة انتشار الفكرة والحدث، ولعل من أهم الأفكار والقضايا التي شدت انتباه الرأي العام الدولي القضايا المتعلقة بالحريات والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

ويمكن تفسير انتشار الثقافة الحقوقية بنوع من رد الفعل على تراكمات مخلفات الاستبداد التي شهدتها مسيرة تاريخ البشرية الحديث والمعاصر خاصة في النصف الأول من القرن العشرين وظنت الشعوب أنها تنفست الصعداء بعد إقامة مؤسسة دولية لحماية الأمن في العالم لكن تبين أن معركة الحريات لم تنته وأن نزعة الاستبداد ما زالت طاغية في أشكال مختلفة أخطرها حملات التطهير العرقي، والتمسك بالسلطة مدى الحياة بل استنباط شكل جديد من الحكم يتمثل في «النظام الجمهوري الوراثي».

 على مستوى البعد الفردي تم التركيز على عنصر المرأة باعتبارها الحلقة الرئيسة الماسكة بعصب المجتمع، وأدى تمييع صورة المرأة إلى اختلال المنظومة الأخلاقية القيمية في المجتمع بفعل التراجع الكبير في المنظومة التربوية داخل الأسرة التي تعتبر نواة المجتمع.

لكن أمام اهتزاز المنظومة الأخلاقية للمجتمع، ظهرت مؤشرات لعودة التدين داخل هذه المجتمعات، بما في ذلك تلك التي تشربت المنظومة الفلسفية التي تنادي بها العلمانية، وتبقى هذه العودة متسمة بطابع رد الفعل أكثر من كونها مراجعة عميقة جذرية لنمط الحياة والتفكير.

وللتصدي لهذا الاستعصاء، تم اعتماد الخطاب الاستفزازي وسياسة الحرب النفسية التي تراوحت بين التخويف من الإسلام والتشكيك في قابلية مواكبته لمقتضيات الحداثة، وتتركز الرسائل الموجهة للرأي العام حول موضوع الإرهاب والتخويف من الإسلام أو ما يسمى بظاهرة «الإسلاموفوبيا»، وذلك من خلال التأكيد على مسألتين:

أن الخطر ليس في عامة الناس وإنما في المثقفين، وقد شاعت هذه الفكرة منذ أحداث سبتمبر.

أن الخطر ليس في المسلمين بل في الإسلام نفسه.

ومن بين الأدوات الأخرى في هذه الحرب النفسية زرع نفسية الإحباط واليأس خاصة لدى الشباب المسلم.

وفي الواقع، فإن الحرب النفسية تهدف إلى بروز فكر متشدد بين المسلمين خاصة في صفوف الشباب، ليتطور إلى رد فعل في الساحة واستغلال ذلك للتشويه والتضليل، لكن الأمر لا يتوقف عند الحرب النفسية لحل الاستعصاء حيث لا تتوانى القوى المهيمنة في استخدام القوة المادية العسكرية في وجه الشعوب المستضعفة التي لديها طاقة كامنة من إرادة التصدي للاحتلال الأجنبي ورفض منطق العولمة المفروضة.

وأخيرًا يمكن القول إن الجديد في الاستعمار الجديد، أنه لم يعد يستهدف شعوبًا مستضعفة فحسب، بل إنه يستهدف الرأي العام العالمي الذي أصبح الحلقة الأضعف -على ما يبدو- أمام تحديات الواقع الجديد وفي ظل الزخم الإعلامي والدعائي، ولكنه أكثر وعيًا من قبل بالمسألة الحقوقية، الأمر الذي يجر قوى الاستعمار إلى تغليف سياستها بخطاب أيديولوجي قيمي هدفه التضليل الفكري وسلب إرادة الإصلاح والتغيير والفعل الحضاري.

الرابط المختصر :