العنوان الرأي العام في مصر يسأل: ماذا تّم في تحقيقات التعذيب؟
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1985
مشاهدات 65
نشر في العدد 715
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 30-أبريل-1985
القاهرة: من مراسل المجتمع:
• المواطن المصري يريد أن يرى مجرمي التعذيب وناهشي لحوم البشر قد قدموا للمحاكمة العلنية وعزلوا عن مناصبهم بعد أن ينالوا الجزاء العادل
ستة أشهر مضت.. ولا أحد يعرف إلى الآن متى تنتهي تحقيقات النيابة في الاتهامات الموجهة لجهاز مباحث أمن الدولة وبأسماء أبرز أشخاصه بشأن وقوع تعذيب جسدي للمتهمين في قضايا الجهاد الثلاث الأخيرة!! فهل نجحت الحكومة في امتصاص غضب الرأي العام في مصر والعالم بعد أن تكشفت بصورة واضحة وقائع تعذيب رهيب تعرض له المتهمون في قضايا الجهاد، وأثبتتها تقارير الطب الشرعي – وهو جهة رسمية، وأخذت بها المحكمة في حكمها بشأن المتهمين؟!
هل نجحت الحكومة في ذلك بعد قرار النائب العام بحظر النشر عن وقائع التعذيب بعد إحالة الموضوع برمته إلى النيابة للتحقيق؟!...
ستة أشهر مضت على صدور حيثيات الحكم في قضية الجهاد وأربعة أشهر مضت على قرار النائب العام بحظر النشر، ولا يزال التحقيق مستمرًا!! ماذا تم في تلك التحقيقات، ولماذا لم يوقف المتهمون من كبار ضباط جهاز مباحث أمن الدولة لحين الانتهاء من التحقيقات معهم.. بل إن الأمر الجدير بالإشارة أن أولئك الضباط الذين لا يزالون يمارسون مهام مناصبهم، هم في الواقع أداة ضغط رهيبة لإثناء المتهمين الذين تقدموا ببلاغات ضدهم للتراجع عن رفع الدعوى وسحب البلاغ!! فكيف لا يفطن النائب العام لذلك وهو ما حدث ويحدث الآن؟!! لقد كان إحالة توصية المحكمة بخصوص وقوع تعذيب للمتهمين في قضايا الجهاد إلى النيابة بمثابة طوق النجاة للحكومة بعد أن اكتشفت أنها أمام مواجهة خطيرة في السلطة التشريعية الممثلة في الاستجوابات التي قدمت بشأن هذا الموضوع، ووجدت الحكومة أن إحالة الأمر إلى النيابة سيرفع عنها عناء الدفاع -حيث لا يمكن الدفاع- عن موقفها المؤسف والاتهامات التي يتعرض لها أحد أهم أجهزتها وهو جهاز أمن الدولة.. وبعد إحالة الموضوع إلى النيابة للتحقيق سقطت الاستجوابات في البرلمان حول التعذيب بحجة أنه لا يجوز الحديث في أمر لايزال تحت سلطة القضاء!! وحول إهمال الصحافة في مصر لهذه القضية يقول الدكتور محمد حلمي مراد أن ذلك لا يعني عدم اهتمام الناس بمعرفة نتائج التحقيق ومحاسبة المسئولين المتهمين فيه، ولكن الصحافة حريصة أكثر من اللازم على عدم إغضاب السلطات، بعد حظر النشر حول وقائع التعذيب لحين الانتهاء من تحقيقات النيابة ولعل الحظر يشمل الوقائع وحدها دون الحديث عن التعذيب كجريمة كبرى، وقال نائب رئيس حزب العمل الاشتراكي إن اهتمام الجماهير بالموضوع ورغبتها في أن يوضع حد لمثل تلك التصرفات والأفعال التي تصف الدولة بصفات تسيء إليها قبل أن تسيء إلى المواطن العادي. وسرعة معرفة نتائج تلك التحقيقات ومحاسبة المسئولين عنها هو في الحقيقة مطلب شعبي و وطني وديني يؤثر تأثيرًا مباشرًا وقويًا على علاقة السلطة بالمواطن والعكس، وحتى لا يتهم أحد السلطة بالتستر على المتهمين ويجب أن يهتم جميع المواطنين بتلك القضية لأنهم قد يتعرضون لمثل تلك الظروف التي وقع فيها التعذيب يومًا ما وتحت أي ملابسات.
كلمات المحكمة عن التعذيب ترن في أذن كل مصري
ويقول الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء بالقاهرة تعليقًا على هذه القضية أن الحكومة لم تنجح في امتصاص غضب الشعب حول قضايا التعذيب، فمازالت كلمات القضاء التي أدانت أجهزة الأمن ونسبت إليها بما لا يدع مجاًلا للشك مسئوليتها الكاملة عن إهدار آدمية الإنسان المصري، مازالت كلمات المحكمة ترن في أذن كل مصري، ومازال هناك موقف نفسي ضد أجهزة الأمن من كل العاملين في الحقل الفكري والسياسي في مصر، وخاصًة الحركة الإسلامية، ورغم ما تبذله الحكومة -والكلام مازال للدكتور أبو الفتوح- في تزيين وجه جهاز الأمن وإبرازه في صورة الجهاز الوطني الحريص على الحرية والساعي للقضاء على الفساد الاجتماعي والسياسي، إلا أن كل هذا لن يغير من موقف المواطن المصري حتى يرى مجرمي التعذيب وناهشي لحوم البشر الذين مازالوا يشغلون مناصب قيادية في أجهزة الأمن- رغم اتهامهم باستخدام أخس وسائل التعذيب وأحطها وقتل وهتك الأعراض- حتى يراهم وقد قدموا للمحاكمة العلنية ويعزلوا من مناصبهم، لينالوا جزاء إهدارهم لكرامة مصر وكرامة المواطن في مصر وليس أدل على ذلك من المواقف التي اتخذتها بعض النقابات المهنية وخاصة نقابة الأطباء من محاسبة أعضائها الذين تستروا على التعذيب ولم يبلغوا عنه في حينه.
التعذيب ثابت على وجه القطع واليقين
لقد أثبتت تقارير الطب الشرعي وقوع المتهمين تحت التعذيب النفسي والبدني وقررت محكمة أمن الدولة العليا التي نظرت قضية الجهاد أنه ثبت على وجه القطع واليقين من أقوال المتهمين المؤيدة بتقارير الطب الشرعي، ومن تأخير عرض المتهمين على سلطة التحقيق برغم الأمر الصادر من النائب العام المساعد بسرعة عرضهم عليه ومن ظروف القبض على المتهمين وعدم وجود معلومات مسبقة لدى أجهزة الأمن عن التنظيم وأهدافه، ثبت لهذه المحكمة مما تقدم أن أجهزة الأمن اعتدت على غالبية المتهمين وأحدثت ببعضهم إصابات خطيرة استدعت نقلهم إلى المستشفيات العامة ومنها مستشفيات الشرطة، وكان الغرض من هذا الاعتداء- والكلام لا يزال لهيئة المحكمة- الحصول على إقرارات من المتهمين بالجرائم التي وقعت وظروف وقوعها والمشتركين معهم... وأضافت المحكمة أنه لا يسعها إزاء ذلك إلا:
أولًا: استبعاد الدليل المستمد من أقوال من ثبت الاعتداء عليه من المتهمين بمحاضر الضبط المتضمنة إقرارات منهم بارتكاب الأفعال المنسوبة إليهم؛ لأن هذه الإقرارات وليدة إكراه مادي ومعنوي وليست وليدة إرادة حرة...
ثانيًا: التوصية بسرعة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحديد المسئولين عن هذا الاعتداء على جميع المستويات، حرصًا على الشرعية التي يبغيها أي نظام يقوم على احترام القانون.
صورة تكررت كثيرًا
ولكن ما الذي دفع المحكمة إلى اليقين بوقوع التعذيب وإيمانها الشديد بذلك، مما أثر على الأحكام التي صدرت في القضية؟؟ تعالوا نقرأ أحد التقارير الطبية التي أشارت إلى وقوع التعذيب في القضية الثالثة -قضية الأحداث- والتي لم يتجاوز صاحبها ١٧ عامًا وقت وقوع التعذيب على بدنه ونفسه.. يقول التقرير: إنه ضرب بالكرباج على القدمين بعد وضعهما في الفلقة، وصعق بالكهرباء في الشفتين والرجلين كما حدثت به إصابات من زجاج متطاير نتيجة كسر لوح نافذة زجاجي، ولسع بسجائر مشتعلة. ثم تم ترحيله إلى سجن القلعة حيث استمر الاعتداء عليه، وذلك باستعمال كرباج وكماشة وآلات حادة، وكان آنذاك معصوب العينين ثم تم ترحيله إلى سجن طرة، واستمر الاعتداء عليه باستعمال صعق كهرباء واستعمال طوق حديدي للضغط على الرأس كما صار نفخه، وفي سجن الاستقبال استمر التعدي عليه بالدونك وصعق كهرباء ووضعه في ماء بارد. وفي سجن المرج اعتدي عليه بالضرب وأوقع في طين موحل مما ألحق به أذى بأذنه وظل لا يسمع بها لمدة ٣ شهور. وفي سجن «أبو زعبل» تم الاعتداء على مجموعة منهم بالقنابل المسيلة للدموع. وفي سجن الاستئناف اعتدي عليه بالدونك، وفي سجن القناطر تعرض كذلك للتعذيب، كما لحق به إصابة حديثة أدت إلى هرس إصبع القدم اليسرى الصغير ونزع ظفرها.. وأثبت تقرير الطب الشرعي كل ما ذكره المتهم الذي طاف بأهم سجون مصر، ونال في كل منها قسطًا وافيًا من التعذيب الرهيب .. من مديرية أمن أسيوط إلى سجن القلعة ثم طرة ثم سجن الاستقبال ثم سجن المرج ثم سجن أبو زعبل ثم سجن الاستئناف ثم أخيرًا سجن القناطر! (۸)سجون لشاب!! وأخيرًا تم الإفراج عنه بعد أن تم تأجيل قضية الأحداث إلى أجل غير مسمى!!
أبرز المتهمين بالتعذيب
والأمر الخطير الذي يمكن أن يؤدي إلى عدم وقوع كثيرين من المتهمين بالتعذيب تحت سلطة النيابة هو ما كان يتم في ساحات التعذيب داخل السجون، حيث كان يتم ربط الأعين أثناء التحقيق والتعذيب حتى لا يتعرف المتهم على من يقوم بتعذيبه، ولكن كثيرًا ممن وقع لهم التعذيب قد رددوا أسماء ضباط كبار معروفين، وأبرزهم اللواء نبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق واللواء حسن أبو باشا مدير مباحث أمن الدولة ووزير الداخلية السابق ووزير الحكم المحلي الحالي، وهما من أبرز رموز التعذيب الذي وقع قبل وبعد أكتوبر ۱۹۸۱ وكذلك اللواء فؤاد علام خبير التعذيب المعروف، والعميد صفوت جمال الدين رئيس منطقة سجون طرة والعميد محمد عبد الفتاح مأمور سجن القلعة والعقيد محسن السرساوي مأمور سجن استقبال طرة والمقدم سمير سلطان والمقدم سامي جمال الدين بإدارة مباحث أمن الدولة والمقدم محمد شعبان بالإدارة والرائد محمد فهمي والرائد مجدي عبد العزيز الفار والنقيب خالد ثروت وجميع ضباط وجنود ومرشدي مباحث أمن الدولة في سجون القاهرة وسجون المحافظات فترة أكتوبر ۸۱ حتى نهاية ۱۹۸۲.
إننا نريد أن نقول إننا في انتظار إعلان تحقيقات النيابة في قضايا التعذيب، ونريد أن تؤكد أن الرأي العام في مصر يسأل وسيظل يسأل عن نتائج تحقيقات النيابة في جرائم التعذيب التي وقعت باعتبارها سبة في وجه الوطن، ولعنة من لعنات الغرب الصليبي والشرق الشيوعي، وهي ما كانت أبدًا ولن تكون في بلاد الإسلام وبين شعوب التوحيد.
إننا ننتظر على أحر من الجمر نتائج التحقيقات لتشفى الصدور وترتاح النفوس وتأمن على يومها وغدها، وإلا فإن عدم الكشف عن النتائج يعني أن الدولة تتستر على هذه الجريمة التي تسقط هيبتها أمام شعبها وأمام العالم ويعني أن هناك من يسعى لأن يسود صوت الكرباج وأن يعلو ويرتفع فوق جسد كل حر كريم يبغي الشرف ويسعى من أجل الرفعة... إننا نسأل، والرأي العام في مصر يسأل: ماذا تم في تحقيقات التعذيب الذي وقع في قضية الجهاد الإسلامية في مصر؟!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 710
87
الثلاثاء 26-مارس-1985