; الرؤية الإستراتيجية.. أمريكا وأزمة القوة العالمية (2 - 2) | مجلة المجتمع

العنوان الرؤية الإستراتيجية.. أمريكا وأزمة القوة العالمية (2 - 2)

الكاتب د. محمود المنير

تاريخ النشر الأحد 01-فبراير-2015

مشاهدات 64

نشر في العدد 2080

نشر في الصفحة 67

الأحد 01-فبراير-2015

إيران و"إسرائيل" تسبقان الأخطار.. ومآلات "الربيع العربي" مازالت مجهولة

الانحدار الأمريكي إذا ما تحقق دون أن تجد حلاً للصراع "الفلسطيني – الإسرائيلي" فإن المنطقة ستلتهب على نحو أكثر

أي تصنيف مستقبلي للقوى الرئيسة لابد أن يتضمن روسيا واليابان والهند

قد يحدث عنف كبير بين "إسرائيل" وإيران وتزداد الصدامات على نحو كبير وتتحول إلى أكثر دموية

بيانات الكتاب: 

- اسم الكتاب: الرؤية الإستراتيجية.. أمريكا وأزمة القوة العالمية.

- تأليف: زبغنيو بريجنسكي.

- عدد الصفحات: 218 صفحة من القطع المتوسط.

- الناشر: مؤسسة "بيسك بوكس"، نيويورك عام 2012م.

نواصل في الجزء الثاني من عرض كتاب "الرؤية الإستراتيجية.. أمريكا وأزمة القوة العالمية" رؤية المؤلف حول أثر الأزمات الاقتصادية في صناعة حقائق جيوسياسية جديدة أدت إلى انتقال مركز الثقل العالمي، وكيف ومتى صعدت القوى الآسيوية؟ وهل يؤثر ذلك على مستقبل أمريكا، وانحدار نموذجها التي قادت به العالم خلال الفترة الماضية؟ فالي التفاصيل: 

يرى "بريجنسكي" أن التأثير المتراكم للعديد من الأحداث والأزمات العالمية، وآخرها الأزمة الاقتصادية في عام 2008م، صنعت حقيقة جيوسياسية جديدة، وهي: التغير المهم في مركز ثقل القوة العالمية، والديناميكة الاقتصادية من الأطلسي نحو الهادئ، من الغرب إلى الشرق، ويشير إلى آراء المؤرخين الاقتصاديين حول حقيقة أن آسيا كانت المنتج المهيمن لإجمالي الإنتاج العالمي حتى القرن الثامن عشر، ففي أواخر عام 1800م، استأثرت آسيا بـ60% من إجمالي الإنتاج العالمي، على النقيض من أوروبا 30%، حصة الهند وحدها في إجمالي الإنتاج العالمي بلغت 25% في عام 1750م، لكن خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ومع تدخل الإمبريالية الأوروبية المدعومة بالتطور المالي والصناعي لأوروبا، تراجعت حصة آسيا العالمية بشكل متسارع جداً. 

وبحلول عام 1900م، تقلصت حصة الهند إلى 1.6% تحت الحكم الإمبريالي البريطاني المطوّل، والشيء نفسه بالنسبة للصين، فقد كان تأثير الإمبريالية البريطانية كبيراً فيها، خاصة من جانب التجار الذين عانوا عجزاً نقدياً، جراء شراء الشاي والخزف والحرير الصيني، وسعياً منهم للتعافي باعوا مخدر الأفيون إلى المستوردين الصينيين، وأما الانحدار السريع في دور الصين في الاقتصاد العالمي فكان بسبب تأخر بكين في حظر استيراد الأفيون، وفرض قيود على التجار الأجانب، ثم التدخلين المسلحين؛ الأول: بريطاني، والثاني: فرنسي وبريطاني، حتى إن هذه الرؤية دفعت بالبعض إلى أن يروا الصعود الاقتصادي الحالي في آسيا هو أصلاً عودة إلى الحالة الطبيعية التي كان عليها في السابق. 

لكن تجدر الإشارة إلى أهمية ملاحظة أن التفوق الاقتصادي في آسيا في السنوات الأخيرة كان في مناطق منعزلة نسبياً، وغير متفاعلة مع بقية العالم، وكانت العلاقات مع أوروبا مقتصرة على التجارة عبر بضعة موانئ محدودة، أو كانت عبر القوافل التجارية عبر طريق الحرير.

الإمبراطوريات الصاعدة

يرى "بريجنسكي" أن هذه القوى الآسيوية لم تكن، وليست متحدة إقليمياً كما هي حال حلف الأطلسي خلال الحرب الباردة، إنهم خصوم، ويشبهون في العديد من الجوانب القوى الأطلسية الأوروبية خلال صراعاتهم الاستعمارية ثم صراعاتهم الأوروبية القارية لأجل التفوق الجيوسياسي، الذي توج بالدمار الهائل الناتج عن الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويرى أن التنافسية الآسيوية الجديدة يمكن لها أن تهدد الاستقرار الإقليمي، خاصة أن هذه القوى الآسيوية تمتلك أعداداً هائلة من السكان، بالإضافة إلى امتلاكها السلاح النووي وهو رقم صعب في معادلة موازين القوى بين اللاعبين الكبار. 

ويوضح المؤلف أن الولايات المتحدة لا تزال بارزة ومؤثرة في المشهد العالمي، إلا أن شرعية وفعالية وديمومة قيادتها موضع شك بشكل كبير على مستوى العالم؛ وذلك بسبب تعقيد تحدياتها الداخلية والخارجية، وبسبب مواقفها من بعض القضايا الدولية، كما يرى المؤلف أن الاتحاد الأوروبي يمكن أن ينافس ليكون القوة العالمية الثانية ليكسر فكرة أحادية القطب، لكن ذلك يتطلب اتحاداً سياسياً متيناً أكثر، مع سياسة خارجية مشتركة وقدرة دفاعية مشتركة، ويجد أن أي تصنيف متسلسل للقوى الرئيسة الأخرى وراء القوتين الأوليتين غير دقيق، فأي قائمة لابد أن تتضمن روسيا، واليابان، والهند، بالإضافة إلى القادة غير الرسميين للاتحاد الأوروبي: بريطانيا العظمى، وألمانيا، وفرنسا.

التغيرات الخمسة في القيادة العالمية

ويشير "بريجنسكي" إلى التغيرات الخمسة في القيادة العالمية خلال قرن من الزمن من عام 1910 - 2010م:

أولاً: كانت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية مهيمنتين عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكانتا متحالفتين مع روسيا القيصرية الضعيفة التي تعرضت للهزيمة من قبل اليابان الصاعدة، وكانت تتعرض للتحدي من قبل ألمانيا النازية التي دعمتها الإمبراطوريتان المتهاويتان الهنغارية - النمساوية والعثمانية، وأمريكا على الرغم من أنها كانت حيادية في البداية، فإنها مارست دوراً حاسماً في الإسهام بالنصر الأنجلو - فرنسي.

ثانياً: بين الحربين العالميتين، برزت بريطانيا القوة العالمية المهيمنة وأمريكا كانت صاعدة بشكل واضح.

ثالثاً: بين الحربين الباردة التي شهدت صراعاً بين القوتين العالميتين: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وإرادة كل منهما كانت تلقي بظلالها على الجميع.

رابعاً: الهزيمة الأخيرة للاتحاد السوفييتي قادت إلى مرحلة القطب الواحد، حيث أصبحت الولايات المتحدة القوة العالمية الوحيدة.

وخامساً: بحلول عام 2010م، لا تزال الولايات المتحدة مهيمنة، إلا أن مجموعة جديدة من القوى تتسم بالتعقيد، من ضمنها عنصر آسيوي متنامٍ، تصعد بشكل واضح.

"إسرائيل" وإيران تستبقان الأخطار

يرى المؤلف أن الانحدار الأمريكي سوف يخلف حالة من عدم الاستقرار السياسي في منطقة «الشرق الأوسط»، وكل الدول في المنطقة ستكون في مرمى الضغوط الشعبية الداخلية، والفوضى الاجتماعية، والأصولية الدينية، ويشير إلى أحداث "الربيع العربي" التي نشأت في عام 2011م في الدول العربية، التي تعرضت لثورات شعبية ضد أنظمتها السياسية، مؤكداً أن الانحدار الأمريكي إذا ما تحقق، من دون أن تجد حلاً للصراع الفلسطيني - «الإسرائيلي»، فإن المشهد السياسي في المنطقة سيلتهب على نحو كبير، فضلاً عن أن العداء الإقليمي سوف يزداد في المنطقة بحيث لا يمكن التحكم في مآلاته. 

يتوقع "بريجنسكي" أن تندلع انتفاضة فلسطينية جديدة، إذا ما انضمت إليها حركة «حماس»، أو «حزب الله» بدعم من إيران، ولا شك في أن «الكيانات» الهشة مثل لبنان وفلسطين، يمكن أن تدفع كلفة باهظة، حيث ستزهق جراءه أرواح الآلاف من البشر، ويمكن لمثل هذه الصراعات أن تزداد وتتصاعد على نحو أسوأ عبر الهجمات والهجمات المضادة بين إيران و"إسرائيل".

وهذا التحول الأخير للأحداث يمكن أن يدفع بالولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع إيران، ولكن ليس بأسلوب الحرب التقليدية كما في العراق أو أفغانستان، بل ستعتمد على توجيه ضربات جوية إلى المراكز النووية داخل إيران، لتحلق ضرراً إستراتيجياً بالغاً بها، وهذا سيزيد من العداء القومي الإيراني الممزوج بالأصولية الدينية تجاه أمريكا، ويرى المؤلف أن الراديكالية الإسلامية والتطرف سيتصاعدان في «الشرق الأوسط» على نحو كبير، ومن المحتمل أن يلحق هذا ضرراً بالغاً بالاقتصاد العالمي، ولاشك في هذه الظروف ستستفيد روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة (الرؤية الآن قد تبدو مغايرة حيث تشهد أسعار النفط هبوطاً غير مسبوق بما يهدد الاقتصاد الروسي إذا ما استمرت الأسعار في التهاوي على النحو المتسارع)، وسياسياً من تمركز التجييش الراديكالي الإسلامي تجاه أمريكا، وابتعاده عن روسيا.. أما تركيا فيرى "بريجنسكي" أنها ربما تصبح متعاطفة على نحو علني مع الشعور الإسلامي الذي يجسّد دور الضحية، وربما تطلق الصين يدها بحرية أكثر في السعي إلى مصالحها الشخصية في المنطقة.

توازن جيوسياسي جديد

في القسم الرابع من الكتاب بعنوان «ما بعد عام 2025م: توازن جيوسياسي جديد»، يرى المؤلف أن استمرار الولايات المتحدة العالمي في العقود القادمة سوف يعتمد على تنفيذها الناجح للجهود المثمرة في تجاوز انجرافها نحو الزوال، وتشكيل توازن جيوسياسي جديد. 

ويرى "بريجنسكي" أن مستقبل أمريكا في يد الشعب الأمريكي، ويمكن أن ترفع مستوى ظروفها المحلية وتعيد تعريف دورها العالمي المحوري في البقاء مع الهدف الجديد، والظروف المتعلقة بالقرن الحادي والعشرين، ويرى أنه لكي تحقق هذا، من الضروري للولايات المتحدة أن تقوم بجهد وطني لتعزيز فهم العامة للظروف العالمية المتغيرة والخطرة، ويجد أن الأصول الأمريكية الكامنة، لا تزال تبرّر التفاؤل الحذر من أن مثل هذا التجديد يمكن أن يفنّد تشخيص انحدار أمريكا غير القابل للنقض، لكن الجهل العام للحساسية الشاملة المتنامية تجاه النهوض الخارجي والمحلي للولايات المتحدة يجب أن تجري معالجته بتأنٍّ من الأعلى إلى الأسفل.

ويبين المؤلف في النهاية أن الولايات المتحدة أثبتت على مدى تاريخها أنها ترقى إلى مستويات التحديات التي تواجهها، إلا أن العالم في القرن الحادي والعشرين يقدم تحديات مختلفة عن تلك التحديات التي واجهتها في الماضي، ذلك أن العالم في كل رقعة منه يشهد صحوة سياسية، ولا تكف الشعوب عن سعيها إلى تأمين حياة ومستقبل أفضل، وفي ذات الوقت يشهد هذا العالم تبدد القوة العالمية في ظل صعود دول آسيوية طامحة على نحو سريع، ويؤكد في النهاية أن استقرار النظام العالمي يعتمد على تجديد الولايات المتحدة نفسها، والتصرف بحكمة في تعزيز وضمان تنشيط الغرب وإنعاشه، وفي العمل على خلق توازن ومصالحة في الشرق الصاعد.

توقعات الصراع العالمي

نأتي لخلاصة الرؤية الإستراتيجية للمؤلف؛ حيث يشير إلى توقعات الصراع العالمي ما بعد الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالدول الكبرى، فمثلاً، اليابان تشعر بالخوف من الصين في فرض هيمنتها على الأرض الآسيوية، وربما تفكر في إرساء روابط قوية مع أوروبا، فقادة الهند واليابان ربما سيفكرون على نحو كبير في التعاون السياسي وحتى العسكري، كي تتخذ من هذه الروابط سياجاً في حال تهاوي الولايات المتحدة وصعود الصين، وربما تضع روسيا نصب أعينها فرض سيطرتها على دول الاتحاد السوفييتي سابقاً، كأهداف أولية لتعزيز نفوذها الجيوسياسي.. وأوروبا، في عدم تماسكها الحالي، على الأرجح أنها ستتجه في اتجاهات متعددة؛ فألمانيا وإيطاليا ستتجهان نحو روسيا، بسبب المصالح التجارية، وفرنسا وأوروبا الوسطى غير الآمنة ستتوجهان نحو اتحاد أوروبي محكم أكثر على صعيد سياسي، وبريطانيا العظمى تسعى إلى خلق توازن معين ضمن الاتحاد الأوروبي نفسه، بينما تستمر في الحفاظ على علاقة متميزة مع الولايات المتحدة المتهاوية، ودول أخرى ربما تتحرك بسرعة لرسم دوائرها الإقليمية: فمثلاً، تركيا في منطقة الإمبراطورية العثمانية القديمة، والبرازيل في نصف الكرة الجنوبي، وهكذا دواليك.

بنظرة عامة، يرى "بريجنسكي" أنه ولا واحدة من الدول المذكورة أعلاه تمتلك مزيجاً اقتصادياً ومالياً وتكنولوجياً وعسكرياً من القوة، حتى تفكّر في أن ترث دور أمريكا القيادي، فاليابان تعتمد على الولايات المتحدة من أجل الحماية العسكرية، وستتخذ قراراً مؤلماً عند قبول النفوذ الصيني أو التحالف حتى مع الهند في معارضة مشتركة لها، وروسيا لا تزال غير قادرة على أن تقوم بدور إمبراطوري، وهي خائفة من الحداثة الصينية الهائلة، ولا تزال أوروبا تحدد نفسها على نحو سياسي، بينما الباقي لا يزال ببساطة يعتمد على القوة الأمريكية. 

كما يشير إلى أن الحقيقة السياسية هي أن الصين لا تزال تحتاج إلى عقود عديدة، لتصبح جاهزة للاضطلاع بإطار كامل لدور أمريكا في العالم، حتى إن العديد من قادة الصين أكدوا أن الصين تحتاج إلى عقود كي تصبح دولة متقدمة وحديثة، كي تتجاوز أمريكا، لا بل حتى وراء أوروبا واليابان على صعيد مؤشرات الحداثة للفرد الواحد والقوة الوطنية، كما أن الصين تدرك تماماً أن استثماراتها في الولايات المتحدة ستتعرض للدمار إذا ما انحدر الدور الأمريكي في العالم، حيث سيتسبب ذلك لها بأزمة كبيرة، ستضرّ باقتصادها على المدى الطويل.

من قراءة الواقع وتحليله يحاول "بريجنسكي" استشراف منظور المستقبل حتى عام 2025م، فيرسم صورة واشنطن ودورها الذي يتصوره خلال الفترة المقبلة على النحو التالي: 

- سيظل لأمريكا دور أساسي في إدارة الشؤون الدولية، وخاصة فيما يتعلق بدعم دول الاتحاد الأوروبي، وربما يتم ذلك - كما يوضح المؤلف - باستيعاب بلد مثل تركيا (ضمن عضوية الاتحاد المذكور)، أو بالمساعدة على تعزيز تحولات الديمقراطية في روسيا.

- ستعمل أمريكا أيضاً على أداء دور من شأنه تحقيق قدر من التوازن والتوافق في آسيا.

- الأسلوب الذي ستعالج به أمريكا تحديات (الاقتصاد – السياسة – الإرهاب – حركات الاحتجاجات)، سيكون هو الفيصل الكفيل بتحديد آفاق موقع الولايات المتحدة، ونوعية دورها ومدى نفوذها، فيما يتجاوز عام 2020 وامتداداً إلى عام 2050م.

- الدول القوية في المنطقة خاصة «إسرائيل» وإيران، سوف تستبقان الأخطار المتوقعة، ويمكن في هذه الظروف أن يحدث عنف كبير على الصعيد المحلي، وأن تزداد الصدامات على نحو كبير، وتتحول إلى أكثر دموية.

ثمة ملاحظة تجدر الإشارة إليها وهي أن رؤية المؤلف تلتها أحداث عالمية وتغيرات كثيرة غيرت مسار الكثير من السيناريوهات التي توقعها في ظل المعطيات التي كانت ماثلة وقت إصدار الكتاب، حيث إننا نشهد مرحلة تطورات كبيرة ومتسارعة، وجميع التفاعلات التي نراها على السطح لا يمكن التنبؤ بمساراتها في الغد. 

الرابط المختصر :