العنوان الرجل الذي خدع العرب
الكاتب انور الجندى
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1975
مشاهدات 9
نشر في العدد 263
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 26-أغسطس-1975
سارتر من زاوية
أخرى
بقلم: أنور
الجندي
لفت سارتر
الأنظار إليه وأثار حوله مشاعر التقدير والإعجاب، ليس نتيجة نظريته في الوجودية
الملحدة، ولكن لموقفه من ثورة الجزائر ناعيًا على الاستعمار الفرنسي، وموقفه من حق
الأمم في الحرية.
ولعل هذا
الموقف كان مفتاحًا خطيرًا لقوم لا يفرقون بين وجوه الصحة ووجوه الخطأ في أساليب
الكتاب وأعمالهم – وهو عيب خطير يجب أن يتحرر منه الفكر الإسلامي –، فليس يعني أن
سارتر قد أيد الجزائريين أن هذا يطلق يده في الفكر ليفرض علينا نظريته الغربية
التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن طابع فكرنا وعقائدنا، وليسيطر علينا باسم هذا
الموقف "كما خلطنا أيضًا بين موقف توينبي من الصهيونية العالمية، وهو الرجل
الذي يعرف أعمق المعرفة أثر التلمود وبروتوكولات صهيون على عقيدته وكنيسته"
لترفع من شأنه، بينما يقف هو من حضارة الإسلام وتاريخ الإسلام موقفًا ظالمًا
"ولهذا حديث آخر".
ولقد رأى العرب
سارتر يرد البلاد العربية مدعوًا، ويذهب إلى خيام اللاجئين ويستمع منهم ومن أصحاب
القضية، ثم إذا به في إسرائيل يردد دعواها، ويؤيد موقفها. وتلك كانت صدمة عنيفة
للعرب الذين خدعوا، وما كان لهم أن يخدعوا في رجل يستمد فكره من مصادر الإلحاد
الصريحة التي لا تعترف بالأديان ولا بحق الله تبارك وتعالى على الخلق. وما كان
لمثل هؤلاء أن يؤيدوا حقًا أو ينصروا مظلومًا. وكان أسوأ من ذلك كله: ذلك الموقف
الذي وقفه سارتر من العرب بعد نكسة 1967.
وقد أشارت
الصحف إلى هذا الموقف وأرادت أن تضع "سارتر" في الصورة الصحيحة أمام
المثقفين العرب الذين أولوه كل هذا الاهتمام وظنوا أنهم يستطيعون تجنيده لخدمة
قضية الحق العربي الفلسطيني.
تقول صحيفة
الأنوار: كيف بلغ جان بول سارتر هذا المستوى من الانحطاط؟ هل موقفه الأخير جديد
عليه، أم أنه موقف قديم جاءت الظروف تكشف عنه بوضوح، أم أنه حصيلة تطور تقهقري؟
حتى ربيع 1967
كان الثنائي الوجودي "سارتر - دو بوفوار" يتجنب الإعلان صراحة عن موقفه
من النزاع العربي – الإسرائيلي. صحيح أنه كان يتعاطف مع إسرائيل باسم المجازر
النازية في أوروبا، لكنه لم يكن يفصح عن أي موقف عدائي تجاه عرب المشرق، بل كان
يؤيد عرب المغرب في نضالهم ضد الاستعمار الفرنسي؛ فمجلة الأزمنة الحديثة تبنت
موقفًا مشرفًا فعلًا أيام الحرب الجزائرية التحررية. وفي ربيع 1967 زار سارتر
ودوبوفوار يرافقهما كلود لانزمان، مصر وإسرائيل، وكانت الزيارة عبارة عن جولة
للتعارف ولتقصي الحقائق استعدادًا للعدد الخاص الذي ستصدره المجلة حول النزاع
العربي - الإسرائيلي. وقد اكتشف سارتر عالم مخيمات اللاجئين وتعرف عن كثب على
عسكرية نظام تل أبيب. لكن ما النتيجة التي خلص إليها؟ إن موقفه عام 1967 يوم هب
العالم لنصرة العرب أمام مطامع إسرائيل التوسعية المدعومة من قبل الغرب مسجل في مقدمة
سارتر لعدد الأزمنة الحديثة "حزيران 1967".
يقول سارتر:
"إن فكرة قضاء العرب على الدولة اليهودية فكرة لا يمكنني تحملها لحظة واحدة
إلا إذا كنت عنصريًا. إننا نقف ممزقين وليس لدينا ما نفعله أو نقوله".
الخيار مستحيل
إذن: فمن غير الممكن عدم تأبين نضال العرب ضد الإمبريالية، ومن غير الممكن من جهة
أخرى القبول بالقضاء على إسرائيل من غير أن يكون المرء عنصريًا.
إنه اعتبر أن
النزاع: نزاع بين قضيتين متماثلتين في عدالتهما وشرعيتهما، والواقع أن هناك قضية
واحدة عادلة لا قضيتين.
قضية محاربة
التمييز العنصري هذا ما كان بالإمكان أن نرد به على سارتر 1967، ولكن بماذا نرد
على سارتر في زمن أضحت فيه إسرائيل ترفض تطبيق قرارات مجلس الأمن، التي يُعترَف
لها بحقها في الوجود مقابل الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها بالقوة في
حرب حزيران؟ أين التمزق هذه المرة؟
إن الثنائي
الوجودي سارتر - بوفوار في نظرته إلى الإنسان العربي لا تقل عنصرية عن نظرة سكان
الجنوب الأمريكي إلى الزنوج، حسبما أشار في قصته البغي الفاضلة.
2- ويقول
الكاتب الفرنسي جان جينيه: "إن فكر سارتر السياسي فكر مزيف وهو شيء لا وجود
له قط، فمواقفه ليست سوى أحكام متسرعة يطلقها مثقف بارد ليتكلم عن أشياء تختلف عن
هواجسه الحقيقية".
ويقول الدكتور
عبد الله عبد الدايم: "يكاد المثقفون العرب لا يصدقون مواقف سارتر المتكررة
المؤيدة لإسرائيل، المتجاهلة لحق العرب في فلسطين، ذلك أن مواقف سارتر تبدو لهم
بمثابة النفي والإنكار لخطه الفكري العام ولالتزاماته السياسية الأصيلة".
والقراء لا
ينسون مواقفه الكثيرة، ولكن لماذا هذا التحول؟
من يقرأ كتابه
"تأملات في المسألة اليهودية" يرى كيف انزلق سارتر تدريجيًا من معاداة
اللاسامية إلى تبني الصهيونية، رغم أنها طراز خطير من المعاداة للشعوب الأخرى.
3- خرجت الصحف
ببيانات وقعها سارتر ودي بوفوار ويوجين يونسكو وناتالي ساروت وآخرون يستنكرون فيها
باسم الحرية طبعًا حرمان إسرائيل من المشاركة في نشاطات اليونسكو الإقليمية، وفي
نفس الوقت سارع الكاتب الفرنسي "أندريه مالرو" يوجه برقية إلى رئيس
منظمة اليونسكو في هذا الصدد.
هؤلاء الكتاب
نقرأ لهم في العالم العربي ويُقَدَّمون بمزيد من التقدير مع أنهم أعداء أمتنا، ولا
يمكن أن يوصفوا بأنهم خدعوا بالدعاية الصهيونية أو غابت عنهم حقائق الصراع بين
العرب وإسرائيل.
يقول المعلقون:
الحقيقة التي تفرض نفسها فرضًا هي أن الكراهية العنصرية والدينية للعرب هي إرث لا
ينسى يتناقله الأوروبيون جيلًا بعد جيل منذ أيام الحروب الصليبية، وأن المثقف
الأوروبي المعاصر هو حفيد الفارس الصليبي الذي جاءنا ليخضعنا بسلاحه مدفوعًا بوهم
تفوقه العنصري والحضاري، وهو وريث مستعمري الأمس القريب الذين سلطوا على أوطاننا
بالقوة الغاشمة ردحًا من الزمن ونهبوا وما زالوا ينهبون ثرواتنا اليومية. ما من
أحد يستطيع أن يحتج لمثقفين من وزن سارتر يجهلون معطيات الصراع العربي الإسرائيلي،
فسارتر ليس أعمى يغيب عنه أن وجود إسرائيل "المعنوي" المصطنع الذي يدافع
عنه ليس إلا نفيًا وإلغاءً لوجود معنوي أصيل هو وجود الشعب الفلسطيني. ومن المؤكد
أن الفيلسوف الوجودي قد فطن إلى أن الاستراتيجية الصهيونية تقوم على أساس الإفناء
الجسدي التدريجي لشعب فلسطين، وتاريخ الوحشية الصهيونية بدءًا من مذابح قبية ودير
ياسين وانتهاءً بآخر الغارات الجوية على المخيمات الفلسطينية في لبنان تؤيد هذه
الحقيقة، ومع ذلك فلا سارتر الذي يطيب له التحدث عن الحرية، ولا أي من المثقفين
الفرنسيين الآخرين الذين احتجوا على قرارات اليونسكو خطر له أن يرفع إصبعه محتجًا
على إلغاء الوجود الفلسطيني معنويًا أو على المذابح والعدوانات التي تستهدف إلغاءه
جسديًا، والسكوت على الجريمة إقرار لها، فأي فرق يبقى بين سارتر ومن هم على شاكلته
من المثقفين الأوروبيين "الحريصين على قيم الحضارة" وبين أي سناتور
أمريكي من دعاة احتلال آبار النفط العربي؟ ولماذا نولي سارتر ودي بوفوار ويونيسكو
وإضرابهم كل هذا الاحترام ونحتفي بفكرهم أي احتفاء وهم في آخر المطاف ليسوا إلا
أعداء الحرية وحقوق الإنسان؟
هذا هو الجانب
الآخر لسارتر صاحب نظرية الوجودية الملحدة، وهو هنا صاحب نظرية العنصرية
الصهيونية، ولا غرو فسارتر أمه يهودية أصلًا، وخدع بعض المثقفين الذين كشفت الأيام
زيفهم.