العنوان الرجل الوحيد في القاهرة..!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1977
مشاهدات 82
نشر في العدد 379
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 20-ديسمبر-1977
الانشقاق الكبير الذي أحدثته زيارة الرئيس السادات لإسرائيل، يعتبر من أهم النتائج التي حققتها هذه الزيارة حتى الآن وبالرغم من كل الهالة التي أحيطت بها هذه الزيارة من قبل الصحف الأجنبية وبالرغم من الاستقبال الكبير الذي لقيه أنور السادات عند وصوله إلي إسرائيل والاستقبال الأكبر الذي لقيه عند عودته إلى القاهرة من قبل الشعب المصري، فإنه كان من الواضح تمامًا بأن الرئيس السادات كان وحيدًا حتى بين شعبه وأرضه.
في حرب الغفران عام ۱۹۷۳، لم يكن السادات وحيدًا، بل كان يشاركه الرئيس السوري حافظ الأسد في كل شيء ولكن أنور السادات في هذه المرة كان وحيدًا ووحيدًا جدًّا، ولم يكن أحد من العرب يستطيع أن يصدق لحظة واحدة بأن السادات سوف يفعلها، عندما أعلن عن الزيارة لإسرائيل، لقد كان اعتقاد الشعوب العرب وزعمائها هذا سببًا في ذلك الهدوء وتلك اللامبالاة التي استقبلت بها هذه الأنباء، واعتبرها الجميع نوعًا من أنواع التحركات السياسية والمناورات، وذهب بعض المتشائمين الذين اعتقدوا بأن السادات سوف يزور إسرائيل فعلًا، إلى أن الشعب المصري أو الجيش المصري سيمنع رئیسه من ارتكاب مثل هذا الخطأ. ولكن في مساء يوم السبت 19 نوفمبر الماضي ظهر العالم العربي، من محيطة إلى خليجه وكأنه أصيب بلكمة قوية على بطنه فانطوى على نفسه يتأوه من الألم الشديد. ومن خلال تاريخ العرب المعاصر كله لم يحدث أن تلقى الشعب العربي مثل هذه اللطمة سوى في ذلك اليوم المشؤوم عندما ظهرت فيه فداحة الانكسار الذي لقيه العرب في حرب ١٩٦٧، لقد كانت الكارثة في كلتا المناسبتين رهيبة على العرب.
والواقع أن الشعوب العربية كانت في البداية لا. تصدق ما تسمعه من الأنباء، ولكنها عندما رأت بواسطة أجهزة التلفزيون السادات وهو ينزل من سلم الطائرة في مطار اللد ويصافح زعماء إسرائيل أصيبت بالبغتة ثم ما لبثت أن تأججت مشاعرها واجتاحها شعور شامل بالغضب الشديد، شبهه بعض المراقبين السياسيين إلى شعور الشعب الياباني عندما وقع إمبراطوره على هدنة الاستسلام، لقد كانت المرارة تسيطر بشكل واضح على كافة النفوس. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا الشعور لم يكن سببه مضمون المحادثات التي جرت في إسرائيل، وإنما الطريقة التي جرت بها هذه المحادثات، والواقع أن كل الشعوب العربية كانت تعلم أنه منذ حرب 1973 كانت جولات عديدة، من المباحثات السرية أو غير المباشرة تدور بين الزعماء العرب وزعماء إسرائيل حول إقرار السلام في المنطقة وكانت الشعوب العربية صامتة تحاول ابتلاع ذلك بشتى الطرق، أما أن يعمد السادات إلى الذهاب إلى إسرائيل ويقابل هناك، فوق الأرض العربية التي ما زالت محتلة، زعماء يطلق عليهم في طول البلاد العربية وعرضها كلمة «العدو» فهذا شيء غير معقول على الإطلاق، وقيل في الجزائر وسورية والكويت وبيروت وفي كل الدول العربية هذا هو رئيس عربي ينفصل عن إخوانه ويقسم الصف العربي ويذهب عند أعدائه يمد يده مصافحًا ومبتسمًا وفي دمشق عشية تلك الزيارة، جرت جلسة صريحة جدًّا بين الرئيسين: السادات والأسد، وكان الرئيس السوري واضحًا تمامًا وصريحًا عندما قال لزميله المصري: هناك أشياء عديدة يمكن أن يسمح بها الشعب المصري أما هنا في سورية فإن هذه الأشياء لن تمر إطلاقًا.
وقد كان الرئيس الأسد يشعر بصدمة شديدة وهو يسمع من الرئيس السادات- أنباء اعتزامه القيام بالزيارة فعلًا، بعد أن قدم الأسباب التي دفعته للقيام بها وهي:
أولًا: الحرب أصبحت مستحيلة بالنسبة للعرب لأن هناك تفوقًا عسكريًا إسرائيليًا كبيرًا، وأن عددًا كبيرًا جدًّا من المدنيين والعسكريين سوف يتعرضون للموت إذا قامت مثل هذه الحرب.
ثانيًا: التدخل الأميركي في المنطقة وصل إلى حده، ولم يعد باستطاعة الرئيسي كارتر أن يدفع عجلة السلام في الشرق الأوسط أكثر من ذلك، وعلى العرب أن يمدوا له يد المساعدة.
ثالثًا: لا فائدة على الإطلاق من الاعتماد على المساعدات السوفيتية والتحالف السوفياتي، خاصة وأن السادات أصبح خبيرًا بالطريقة التي يتعامل بها السوفيات مع الدول العربية.
رابعًا: التضامن العربي الذي كانت سورية ومصر تخضع له لم يكن مؤكدًا، بل كان مائعًا ومترجرجًا، ومن أجل بضع مئات من ملايين الدولارات، التي كانت تعطيها الدول الغنية على شكل- حسنة-، كما قال الرئيس السادات لزميله الأسد، كانت هذه الدول تجعلنا نخضع لها ونتقبل كافة الخطط السياسية التي ترسمها لنا.
وهكذا فقد أعلن الرئيس المصري: لم يبق من طريق أمامي سوى أن أعمد إلى التقارب المباشر مع إسرائيل، ذلك التقارب الذي يفرض على القيام بمثل هذه الزيارة، خاصة وأن الإسرائيليين كانوا يقولون دائمًا: تعالوا نتفاهم ونتصارح بشكل مباشر وسيكون هناك أمل كبير بحدوث تفاهم بيننا. وأنا الآن ذاهب إليهم لأرى مدى صدقهم وإلى أي حد يمكن أن يذهبوا في دعوتهم للسلام.
ولكن الرئيس الأسد، من جهته، لم يكن موافقًا فقال للسادات: «إنك ستدفع الثمن مقدمًا، وستشتري بضاعة من نوع معين، يعتقد الجميع بأنها لن يتم تسليمها إليك، إنك تعطيهم أكثر مما طلبوا، إنك تقدم لهم، بدون أية ضمانات، أفضل الأسلحة التي كانت بأيدينا، وهي قبولنا بإسرائيل كدولة شرعية في المنطقة، كما أنك ستزور القدس، وهذا يعني بأنك تعترف بأن هذه المدينة قطعة من أملاكهم، ولذلك أرجو أن تسمح لي بأن لا أسير معك في هذه الطريق.»
وعندما ترك السادات دمشق، وكان لا يزال مصرًّا على إتمام الزيارة، أصبح الانقسام العربي مؤكدًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل