; الرحمة بالصغير | مجلة المجتمع

العنوان الرحمة بالصغير

الكاتب أ. د. أحمد علي الإمام

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008

مشاهدات 76

نشر في العدد 1809

نشر في الصفحة 52

السبت 05-يوليو-2008

الطفل والمرأة في الإسلام (1)

  • رعاية الطفل تبدأ منذ ولادته فرضاعته وتتصل إلى سن البلوغ
  • كفل الإسلام للطفل حق الحياة وهو جنين حماية لحياته من الإجهاض بغير ضرورة   
  • حق الطفل يبدأ لدى زواج أبويه.. ومن ذلك حسن اختيار الآخر
  • دعا الإسلام إلى التسوية بين الأبناء والبنات في المعاملة.. ويكون العدل في العطاء والحنان والبسمة والكلمة

مستشار الرئيس السوداني لشؤون التأصيل 

ترقى الحقوق في الإسلام إلى درجة الواجبات؛ بل تصل إلى منزلة الحرمات، متجاوزة بذلك مستوى الحقوق التي يمكن لأصحابها أن يتنازلوا عنها.. كما ترعاها الآداب وتحفظها الأحكام، بحيث يكون أداؤها جزءًا من تدين الأفراد والجماعات، وهي تتوجه بأعمالها إلى مرضاة الله تعالى بإخلاص النيات، وإتقان الأعمال ومراقبة الله تعالى وخشيته.. ومن ذلك حقوق الصغار أو الأطفال التي يحفظها الإسلام في ذروة تتقاصر دونها الصكوك الدولية بأمد بعيد.

رحمة إلهية: وحقوق الطفل في الأسرة والمجتمع إنما هي مستمدة في الإسلام من الرحمة الإلهية التي كتبها الحق سبحانه وتعالي على نفسه فضلا منه ونعمة قال تعالى ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام:12)، ثم كتبها على عباده، وخص بها نبيه الخاتم بقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107). 

وتأسيسًا على هذه الرحمة الإلهية تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن لا يرحم الطفل، فقال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»[1] (١) وقد قدم الرحمة بالصغير على توقير الصغير للكبير على القاعدة الإسلامية في تقديم الواجبات على الحقوق.

ومن الرحمة بالصغير صيانة حياته، والبشر بولادته ذكرًا كان أم أنثى، والاحتفاء بمقدمه ونسبته لأبيه وحسن تسميته وضمان نصيبه في الميراث وحقه في الهبة والوقف، وتوفير الرضاعة والحضانة والنفقة والوصاية له وهو صغير، ثم إحسان تربيته وتعليمه ورعايته صحيًّا وحمايته بدنيًّا ونفسيًّا والمساواة في المعاملة بينه وبين إخوانه وأخواته والرفق في معاملته، ومنحه حاجته في الراحة واللعب وتعويده على العبادة وعلى المشاركة في الشورى.. وذلك مما تسنده المرجعيات الثابتة في الكتاب والسنة، وبما يفوق

حقوق الطفل في المواثيق والدساتير سبقًا وفضلًا. 

معالم هادية

 وفيما يلي معالم هادية لحقوق الطفل في الإسلام، وهي نابعة من العقيدة والقيمة الإيمانية حيث تتصل الرحمة بالصغير بمنبع الرحمة الإلهية المطلقة التي أسبغها جل وعلا على الأكوان والإنسان وخص بها الضعفاء ومنهم الصغير حتى قيد عطاءه من هذه الرحمة برحمتنا بهؤلاء الضعفاء.

1- الذرية هبة إلهية لقوله تعالى ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذكرانا وإناثًا وَيَجْعَل مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى49:50).

2- والأطفال زينة الحياة في الفطرة البشرية: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف:46).

3- والذرية هي ضرورة لبقاء الحياة البشرية وتكثير الأمة وهي سنة الأنبياء عليهم السلام لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ (الرعد:38)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم[2]، وقال أيضًا: «الزواج سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني»[3].

4- والإسلام يحرم فواحش الزنى وسائر العلاقات المحرمة وغير السوية، وما ينشأ عنهما من صور شاذة للزواج المثلي أو العلاقة المثلية، وذلك عته وتتصل مما ينقطع به النسل وتنهار بسببه مؤسسة الأسرة التي هي المحضن الطبيعي لتنشئة الأطفال.

5- ومن حق الطفل أن يكون له أبوان يعرفهما ويحيا في ظل رعايتهما، كما قال

بغير ضرورة تعالى: ﴿وَادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِندَ الله فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (الأحزاب: 5)، وقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (النساء :۲۳).

٦- ورعاية الطفل من أبويه وأسرته في الإسلام تبدأ منذ حمله وولادته فرضاعته وتتصل إلى سن البلوغ.

7- ومن حق الطفل أن تكون له أسرة تكفله وتربيه وتنبته نباتًا حسنًا، لقوله تعالى عن طفولة السيدة مريم العذراء ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ ﴾ (آل عمران:۳۷).. 

وهي الأسرة الممتدة التي تنظم الشريعة أحكامها الخاصة كالميراث والوصية والنفقة والهبة والدية.

8- وحق الطفل في رعاية أبويه مصدر حيوي لنزول الرحمة الإلهية والمتمثلة في رحمته بهما في كبرهما: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٤). 

9- وحق الطفل يبدأ لدى زواج أبويه ومن ذلك حسن اختيارهما بعضهما بعضًا، من حيث القيمة الخلقية والصحة الجسدية.. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم»[4]، وفي التراث الإسلامي تفضيل الزواج من الغرباء حتى لا يضعف النسل وقد أثبت الطب أن زواج الأقارب ربما أدى إلى نقل الأمراض الوراثية بين الذرية هذا علاوة على ما يفوته من اكتساب الخصائص الوراثية الجديدة بزواج الأباعد.

١٠- وكفل الإسلام للطفل حق الحياة وهو جنين حماية حياته من الإجهاض بغير ضرورة كتعرض حياة الأم لخطر محقق لا يمكن درؤه إلا بالإجهاض على قاعدة: ﴿قل تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبالوالدينِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مَنْ أَمْلاقِ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (الأنعام:١٥).

١١- ومن هذا الحق أيضًا توفير التغذية الملائمة للأم الحامل فقد أوجب الإسلام على والد الطفل أو كافل الحامل الإنفاق عليهما : ﴿وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا  ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ﴾ (الطلاق4:6). وقد قرر الإسلام للطفل الرضاعة الكافية، كمصدر للعافية: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ۲۳۳)، بل وأوجب على والده الإنفاق على أمه المرضعة حتى لو كان على انفصال معها بالطلاق.. وإذا تعذر إرضاعها طفلها التمس له مرضعة غيرها. 

١٢- ومن حقوق الطفل إحسان تسميته، فقد روي أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إن من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه وأن يحسن أدبه»[5]

١٣ - ومن حق الطفل الاحتفاء بمولده والذبح له يوم تسميته، قال صلى الله عليه وسلم: «الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويسمي ويحلق رأسه»[6]فهو يذبح له ويولم له من قبيل الفداء والاحتفاء.

١٤- ومن حق الطفل ختانه لما فيه من إصحاح له، وقد عد ذلك من الفطرة.. فمن الفطرة الختان ونتف الإبط، وتقليم الأظافر. 

١٥. وقد دعا الإسلام إلى التسوية بين الأبناء والبنات في المعاملة لقوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم»[7] ويكون العدل في العطاء والحنان، بل وفي البسمة والكلمة وعن أبي هريرة أن الأقرع ابن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن فقال: «إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال له النبي إنه من لا يرحم لا يُرحم»[8]

الرابط المختصر :