; الرد علي أبي موسي في كتابه قس ونبي (١٢) | مجلة المجتمع

العنوان الرد علي أبي موسي في كتابه قس ونبي (١٢)

الكاتب سليمان بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 929

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 22-أغسطس-1989


  • النصوص القرآنية تدحض الشبهات التي يثيرها أبو موسى لتشويه النبوة.
  • كيف يرى أبو موسى صورة المجادلة التي أمر المسلمون أن يجادلوا بها أهل الكتاب.
  • المؤلف يدعى أن محمدًا عليه السلام مبعوث لأمة العرب دون غيرها
  • التزوير على طريقة أبى موسى يشمل القرآن والسنة والكتب التاريخية
  • أبو موسى يحرف في معاني الآيات ويبدل بحسب ما يعتقد أن ذلك يؤدى إلى أهدافه الماكرة.

*حصر الدعوة في جزيرة العرب

انتهى المطاف بنا في الحلقة السابقة إلى تبيان بطلان شهادات المؤلف بشأن وخفة الشريعة الإسلامية، وفي هذه الحلقة نتناول بإذن الله الرد على افتراءات المؤلف وادعائه

ب«إقليمية»، دعوة محمد وأنه إنما بعث لأمة العرب ونفيه لعالمية

الدعوة الإسلامية. ونعيد تدوين ما أورده المؤلف من أجزاء من آيات القرآن الكريم ليدلل بها على هذه الإقليمية وحصر دعوة محمد صلى الله عليه وسلم 

- ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا (النحل: ٣٦)

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ (يونس: ٤٧)

﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. (الأنعام: ١٢٤)

*وفيما يلي النص الكامل لهذه الآيات:

يقول الله تعالى في سورة النحل- الآية ٣٦ -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.

يرد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على المشركين الذين يحتجون بالقدر في الآية (٣٥) بأن الله يرسل رسله ليبلغوا الناس رسالات ربهم وتبيان الحق والحلال والحرام، وجاءت رسل الله كل إلى أمته ليبين الطريق السليم لحياة الإنسان والأمر بأن يعبدوا الله وحده لا شريك له واجتناب عبادة

الطاغوت ولأن الله يفعل ما يشاء، فقد بينت الآية أن الهدى هدى الله فمن الناس يستجيب لدعوة الرسول ومنهم من يكابر ويعاند وبذلك تحق عليهم الضلالة، وفي الآية أمر للمؤمنين أن يتبصروا بعاقبة من خالف الرسل وكذب بالحق، فقد دمرهم الله.

زيغ البصر

وإذا كان المؤلف يريد أن يعتبر محمدًا صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إلى أمة العرب فقد زاغ بصره وضل ضلالًا بعيدًا، فأين

هو من الآيات الدالة على أن المصطفى محمدًا أرسل إلى

الناس كافة، وأن محمدًا هو خاتم الأنبياء والمرسلين؟ 

إن آيات القرآن تشير بوضوح أن الله ختم بمحمد رسالة السماء إلى

البشر وأكمل به دينه الحنيف.

وفي سورة يونس، ٤٦- ٤٧﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.

تشير الآية ٤٦ إلى أن الله يري رسوله في حياته بعض العذاب الذي يصيب به الكافرين لتقر عينه بعد الذي لمسه منهم من أذى، أما، بعد حياته فإن مصيرهم ومنقلبهم إلى الله وهو الذي يشهد على أمته يوم القيامة، أي أن أعمال الأمة تعرض على الله بحضرة رسولها وكتاب أعمالها من خير وشر

شاهد عليها أيضًا إلى جانب شهادة الحفظة من الملائكة. وأمة محمد تمثل آخر الأمم كما تمثل الناس أجمعين لأن محمدًا بعث إلى الناس كافة ولأنه البشير والنذير إلى جميع الخلائق المكلفين. هكذا فهم علماء المسلمين هذه الآية وهكذا آمنوا برسولهم الذي بعثه الله إلى الناس أما أبو موسى الحريري فهو يريد أن يقصر دعوة محمد على سكان جزيرة العرب.

أما في سورة الأنعام، الآية ١٣٤، فيقول الله تعالى﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حتى نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ. ترتبط هذه الآية بالآية السابقة حيث يقول الله تعالى فيها ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) (الأنعام: 21﴾.

والمعنى المراد من قوله جل وعلا أنه سبحانه جعل لكل نبي أعداء من أكابر المجرمين ورؤساء دعاة الكفر والصد عن سبيل الله. ويطمئن الله رسوله بأن الرسل من قبله ابتلوا أيضًا بالمكابرين والمخالفين والأعداء، ولذا فإن مكر المعارضين للمصطفى- صلى الله عليه وسلم- سيحيق بهم.

أما في الآية (١٢٤) فيبين الله حال المكابرين المعاندين عندما يأتيهم البرهان والحجة البالغة على صدق محمد فهم يطالبون الرسول أن تأتيهم الملائكة من الله بالرسالة كما تأتي إلى الرسل، ثم توضح الآية أن الله هو أعلم حيث يجعل رسالته وإلى من ينزل الوحي وهو أعلم بمن يختار من البشر رسولًا إلى خلقه، كما تتضمن الآية التهديد الأكيد من الله لمن تكبر عن اتباع الرسل والانقياد لهم حيث سيلقون يوم القيامة الذل والهوان

. المؤلف يفسر بحسب رأيه الفاسد:

وعلى الرغم من وضوح الآية وصريح معناها فإن المؤلف يجير المعنى لصالح دعوته الفاسدة فيجعل معنى «الله أعلم» حيث يجعل رسالته، «مع ملاحظة أنه يضيف حرف «الواو» إلى أول ما يستشهد به من الآية» إن لكل أمة رسالة خاصة بها ولذا فرسالة نبي الله محمد هي خاصة بالعرب وأن رسول العرب يجب أن لا يكون كرسول اليهود، ولا يسن شريعة كشريعة اليهود.

وفي البند الخامس من استمرارية الوحي والتنزيل يتناول المؤلف وحدة المؤمنين، لا على أساس وحدة المؤمنين بالدين الإسلامي، ولكن على أساس المؤمنين من اليهود والنصارى والعرب وينسى أن العرب تتمثل فيهم الديانات -اليهودية والنصرانية والإسلام-

ولكن هنا يقصد بهم – من أسلم وآمن بدين محمد- صلى الله عليه وسلم. وهو يهدف أيضًا إلى جعل القرآن قرين الكتاب العبراني ولذا فهو يقول في صفحة ۸۹: التنزيل العربي والتنزيل العبراني متلازمان: العربي يفسر العبراني ويعتمد عليه، والعبراني أصل العربي وشاهد عليه، من يؤمن بواحد منها دون الآخر لا: يكون على الصراط المستقيم ثم يدعو بني إسرائيل أن يؤمنوا بالتنزيل العربي لأنه تذكرة للتنزيل العبراني، كما يدعو المتقين من العرب أن يؤمنوا بالتنزيل العبراني لأنه أصل العربي ومصدق له، ثم تأتي دعوته أكثر صراحة في صفحة ٩٠ حيث يقول: «وعلى العرب وعلى بني إسرائيل أن يأخذوا بالتوراة والإنجيل والقرآن سواء بسواء»

وتصل به الجرأة والوقاحة فيقول: ومن يأخذ بالقرآن العربي وحده دون سواء فهو من مسلمي مصحف عثمان، وليس من أتباع محمد. ودعوة المؤلف واضحة لا مواربة فيها، فهو يرى أن القرآن الذي بين أيدينا، وهو مصحف عثمان هو كتاب بدین خاص وبرسول خاص، ولسنا، نحن الذين نقرأ هذا القرآن من أتباع محمد، أما أتباعه الحقيقيون فهم الذين يتلون، أو يجب أن يؤمنوا ويقيموا التوراة والإنجيل والقرآن سواء بسواء، ولا شك أن المؤلف يعرف تمامًا أن المسلمين من قراء قرآن أو مصحف عثمان هم من المؤمنين حقًّا بموسى وعيسى عليهما السلام، وهم يؤمنون بما أنزل الله عليهما من وحي، ولكن هل آمن اليهود والنصارى بدعوة محمد وبالقرآن

الكريم؟ إذن فليدعهم إلى الإسلام إن استطاع إلى ذلك سيلَا

دس وتزوير:

وكعادة المؤلف في الدس والتزوير، يورد آيات من القرآن الكريم نكتبها كما هي وعلى النحو التالي:

﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (البقرة:١٣٦)

﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾: (العنكبوت:٤٦).

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ (المائدة:۹۸)

الراسخون في العلم منهم النصارى والمؤمنون «العرب» ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ

(النساء:16۲).

﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ : (یونس:۹۰)

وفيما يلي النصوص الكاملة للآيات: يقول الله تعالى في سورة البقرة آية ١٣٥، ١٣٦﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَو نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

تأتي الآية الأولى ردًّا على أهل الكتاب الذين قالوا لمحمد- صلى الله عليه وسلم: «ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد» وتأمر الرسول بأن يرفض دعوتهم ويبين أنه إنما يتبع ملة إبراهيم الذي جاء بدين التوحيد، ثم تبين الآية الثانية أن الله يدعو المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل على محمد وما أنزل على الأنبياء السابقين ولا يفرقون بين أحد منهم. أجمل- صلى الله عليه وسلم- للمسلمين هذا المنهج فقال في حديث له: ولا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله، ثم تأتي بعد ذلك الآية ١٣٧ لتستكمل الرد بأنه إذا آمن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم بما آمن به المؤمنون فقد اهتدوا إلى الطريق الحق.

أما في سورة العنكبوت - الآية ٤٦ فيقول الله تعالى﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

في هذه الآية توضيح وتبيان للمسلمين بأن يتهجوا نهجًا حسنًا عند مجادلة أهل الكتاب وبخاصة أولئك الذين يريدون الاستبصار في الدين ومعرفة الحقيقة، أما الذين حادوا عن وجه الحق واعترضوا سبيل المسلمين فعلى المسلمين التصدي لهم بالقوة وإشهار الحرب عليهم. ثم تبين الآية أن يؤمن

المسلمون بالقرآن وبما أنزل إلى رسله السابقين من كتب، وأن يؤمنوا بإله واحد هو رب العالمين. أما ما يتعلق بالآيات من سورة المائدة، وسورة النساء فقد سبق وأن عرضنا في حلقه سابقة لما تضمنته من أسباب نزولها

أو معناها، حيث سبق للمؤلف وأن استشهد بها.

وفي سورة يونس الآية ۹۰، يقول الله تعالى﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ

في هذه الآية يخبر الله تعالى عن غرق فرعون وحصاد ما عمله من مكابرته وعناده لنبي الله موسى عليه السلام، ويشير الله إلى أن فرعون حين أدركه الغرق، نطق بالحق وهو يصارع الموج وسكرات الموت فقال: وأمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وهو إيمان جاء بعد فوات الأوان. ولذا جاء رد رب العالمين في الآية اللاحقة﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ (يونس:91) ثم بين مصيره بأن الله سينجيه ببدنه ليكون عبرة لمن خلفه، وقد ألقت مياه البحر بجسد فرعون ليتيقن من تشكك في موته من إسرائيل ولا تجد علاقة بين ما نطق به فرعون وبين ما يحاول المؤلف أن يثبته من «وحدة المؤمنين»، فهل يريد المؤلف من المسلمين أن يؤمنوا بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل؟، إن كان كذلك فليطمئن لأن المسلمين يؤمنون بإله واحد هو رب بني إسرائيل ورب عيسى ورب النبيين أجمعين، كما أنهم يؤمنون بجميع رسل وأنبياء الله، ولكنه يهدف إلى أكثر من ذلك، فهو يدعو المسلمين أن يأخذوا بالكتاب المقدس، سواء العهد القديم «التوراة» أو العهد الجديد «الإنجيل» تمامًا كما يأخذون بتعاليم قرآنهم، وإلا فإنهم، أي المسلمين، قد ابتعدوا عن دعوة محمد، وتبعوا مصحف عثمان.

الوحي والتنزيل:

 وأخيرًا يعرض المؤلف نتائج دراسته عن استمرارية الوحي والتنزيل، فيقول في صفحة ٩٠: وإن وحي الله على أنبيائه هو هو، وإن تنزيل القرآن العربي هو نفسه تنزيل الكتاب العبراني، وفي هذه العبارة يعترف المؤلف لأول مرة بنزول الوحي على محمد- صلى الله عليه وسلم، ولكنه اعتراف يخامره الشك والتشكيك، ذلك لأنه يعود ليتساءل عن كيفية تعرف محمد على التنزيل السابق، يقول: «أهو الله الذي دخل مباشرة على النبي محمد وعلمه ما لم يكن يعلم؟ أم هو ملاك من الله وافى محمدًا ولقنه ما لم يكن بوسعه اكتشافه وحده؟ أم هو أخيرًا أمر حدث كما يحدث للملهمين من

العالم ؟

بعد ذلك يجيب المؤلف على تساؤلاته بأن الأمر واحد من اثنين فيقول في صفحة ٩١: وإما أن يكون محمد اكتشف التنزيل السابق بذاته وتعلمه بلغته العبرانية ونقله أو أخذ منه ما يناسب أحوال مدعويه وإما أن يكون تلقن التنزيل السابق على يد «خبير حكيم علمه ما لم يكن يعلم»، ولا يمكننا

افتراض شيء آخر»

وفي استنتاجه هذا بطلان واضح ونفي الرسالة الله التي أنزلها على عبده محمد فالأمر الأول فيه اتهام لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه نقل من التوراة والإنجيل وإن كان المؤلف ينفي علم محمد باللغة العبرانية فإنه يرى افتراضًا أن محمدًا كان يعتمد باستمرار على من عنده الكتاب) أي اليهود والنصارى، يسألهم ويستشهد بهم. أما الأمر الثاني فقيه كفر صريح إذ هو ينسب تعاليم محمد التي تلقاها من ربه إلى القس ورقة الذي يضفي عليه من صفات الله ما يخرجه إلى خانة الكفر.

ولا يكتفي المؤلف بقول الزور هذا، وإنما يشكك بالملائكة

ونزول جبريل عليه السلام، فيقول: «فلا الله يتدخل بأمور الناس متخطيًّا كل معطيات الإنسان فيعلمه بعد جهل ويظهر عليه متجليًّا مرارًا ومرارًا، ولا الملاك جبريل تتفتح له أبواب الله السماء ليلازم صديقه على الأرض على مدى ستين سنة ونيف، ويرد في قوله هذا بتشكيك وجود الملائكة فيقول

«وما أدراك أن شك معظم الناس بوجود جنس ملائكي» وهو بهذا يريد أن يخلص إلى أن محمدًا تعلم ما لم يكن يعلم من «خبير حكيم»، ولسنا نجد في كتب السيرة والأخبار والتوراة غير القس ورقة بن نوفل، وقد يكون غير القس ورقة، ولكن عوامل كثيرة توجهنا إلى القس ورقة، ثم بعد أن 

يشرح هذه العوامل يقول

«فهو الشخصية النصرانية في حياة محمد، وكان القرآن العربي إنجيل القس بالعربية وبقي على محمد أن يعلم بدوره ما تعلم ويبلغ ما تبلغ بعد ما استكمل استيعاب ما في الكتاب من تعاليم وعقائد وتشريعات» 

نفي وإثبات؟

إن المؤلف، الذي اعترف لأول مرة في الصفحة السابقة بالوحي الذي أنزل إلى محمد يعود في هذه الصفحة لينفي الوحي كما نفاه في صفحات الكتاب من بدايته، وفي هذا الموقف تذبذب واضطراب وحاله شبيه بحال کفار قریش وأهل الكتاب الذين جادلوا محمدًا بالباطل فرد عليهم القرآن

وأبطل حجتهم، وهذا ما ستفعله بأن نرد على الملحدين من

آيات القرآن الكريم.

إن الله سبحانه وتعالى لا يخاطب رسله مباشرة ولا يتنزل على البشر، ولكن المؤمنين به يعرفون أن الله معهم دائمًا وأبدًا يسمع دعاءهم وتسبيحهم ويرى أعمالهم ويعلم نواياهم ويقتضي الإيمان بالله الإيمان بالملائكة والكتب والأنبياء واليوم الآخر. إن الطعن أو إنكار الملائكة أو الشك في وجودهم

کجنس مخلوق يخرج المؤمن من دائرة الإيمان ويجعله في دائرة

الكفر.

وقد وردت كلمة «ملك» في القرآن الكريم ١٠ مرات وكلمة والملائكة، 6۸ مرة، وكلمة وملائكته ٥ مرات وكلمة «ملكًا» ثلاث مرات وكلمة «الملكين» مرتين (انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم- محمد فؤاد عبد الباقي).

ويقول الله تعالى في سورة الأنعام الآية ٩١﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون) أليس في هذه الآية تصريح بأن الله هو الذي ينزل على البشر وحيه ورسالته؟ 

أليس في هذه الآية تبيان من الله بأنه هو الذي علم بني إسرائيل ما لم يكونوا يعلمون؟ إذن لماذا يصر المؤلف على أن محمدًا تعلم مالم يكن يعلم .

في سورة الشورى ٥١- ٥٢، يقول الله تعالى﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَومِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 

إن المؤلف يغفل آيات القرآن الكريم، وإذا أراد أن يدلل 

أو يثبت دعوته الفاجرة يجتزئ، ما يريد من الآية، مع كفره الواضح بالقرآن فليقرأ المؤلف وغيره ممن يسيرون على نهجه قول الله الواضح بشأن اتصاله بالبشر فلماذا ينكر المؤلف نزول الوحي على محمد؟ فالله يختار طريقة الاتصال برسله، وها هو يرسل روحًا من أمره إلى محمد، أي يرسل جبريل عليه السلام، الأمر الذي يستكثره على نبي! وستهزئ، بكونه لازم النبي فترة هو يبالغ فيها، فيجعلها «ستين سنة ونيف»، وذلك لمجرد التشكيك.

ويقول الله في سورة البقرة، الآية ۹۷، ۹۸﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ.

ويقول الله في سورة التحريم - الآية الرابعة﴿إِن تَتُوبَا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ. ولا يكابر إنسان في أن هذه الآيات دالة الوضوح والبيان بأن جبريل عليه السلام هو الذي كان ينزل بالوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الملائكة جنس من خلق الله. وفيما يلي طائفة من آيات القرآن الحكيم بشأن الموضوع الذي ينكره وهو

موضوع الملائكة:

﴿وَوَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) (السجدة: ۱۰، ۱۱)

- ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (الأنعام: ۸-۹)

- ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا (الإسراء: ٩٤- ٩٥)

- ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ... (البقرة: ۱۷۷).

- ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. (آل عمران:۱۸).

- ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (الحج: ٧٥- ٧٦).

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النساء:١٣٦).

تفنيد:

وعلى هذا الأساس في الرد يمكن تفنيد كلام المؤلف بشأن اتصال جبريل عليه السلام بالرسول محمد الله عليه وسلم وإبلاغه رسالة ربه وهو الأمين على الموحى. وهذا ينسف دعوته الضالة من الأساس والتي يزعم أنها دعوة إلى الإيمان بالتوراة والإنجيل والقرآن، فالله وحده هو الذي

اختار رسوله محمدًا من بين البشر ليكمل به الدين الذي جاء به جميع الرسل والأنبياء، كما أن تصميمه وإصراره على وجود القس ورقة بن نوفل خلف النبي يوحي بإذنه ما يشاء ويعلمه من الكتاب العبراني، ويأبى إلا أن يضفي على هذا القس صفات الرحمن ثم هو القس، قد ملأت أخباره كتب السيرة والأخبار وحتى التوراة، فليأت هذا المنحرف بكتب السيطرة والأخبار إلا أسطر متناثرة، ثم فليأت بالتوراة فلن يجد فيها حرفًا واحدًا بشأن القس. أما الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي جاء ذكره في القرآن الكريم وفي آلاف الكتب فلا يعير المؤلف سيرته ودعوته أهمية ويصفه بأنه تلميذ تخرج من مدرسة القس وبدأ يعلم ما تعلم من القس ومن التوراة ومن الإنجيل.

ففي صفحة ٩٢، وتحت عنوان: محمد يعلم ما تعلم يذكر

المؤلف ما يلي:

«كان تعليم المتقين من العرب من مهمات محمد الرئيسية في حياته الرسولية، شأنه شأن النبيين السابقين والتلاميذ اللاحقين الذين أرسلهم عيسى ليكونوا معلمي الأمم»، وكما ناشد بولس الرسول تلميذه تيموتاوس بقوله: «أناشدك أن أعلن كلام الله وألح فيه بوقته وبغير وقته وبخ وأنذر وعظ بصبر جميل ورغبة في التعليم») ثم يقول: «هكذا راح محمد يعظ ويبشر ويعلم وينذر ويبلغ».

 تلميذ من الدرجة الثانية:

إذن هكذا يريد المؤلف أن يكون نبينا وهادينا ومرشدنا مجرد تلميذ ومن الدرجة الثانية، فهو لم يصل حتى إلى درجة بولس الرسول، ثم يورد المؤلف فقرات من آيات القرآن يحرف فيها ويجيرها ليجعلها تبدو وكأنها تتعلق جميعها بدور محمد في التبليغ والاستعانة بأهل الذكر مع أن هذه الآيات تتعلق في أغلب ما أورده بأنبياء الله ودعواتهم مثل دعوة نوح وإبراهيم عليهما السلام، ويمهد لادعاءاته يقول: «ومحمد خليفة القس ورقة على كنيسة مكة، أرسل لدعوة الناس إلى الإيمان فاندفع يعلمهم كلام الله ويبين لهم الآيات ثم يردف قائلًا: ولقد وعى محمد دوره التعليمي هذا وعرف أنه أرسل إلى العرب رسولًا وبشيرًا ونذيرًا ومبلغًا رسالات ربه، أما تعاليم محمد، كما يفهمها المؤلف، أو في الواقع كما يريد أن يدسها على الإسلام فقد أفرد لها فصلًا خاصًّا به ستناوله إن شاء الله تعالى في حينه

والظاهرة العامة التي يلمسها كل من يقرأ لهذا المؤلف هي تزويره وتحريفه ليس فقط لآيات القرآن الكريم، وإنما أيضًا للمراجع التاريخية وحتى التوراة والإنجيل لم يسلما من تحريف المؤلف وهما كما يدعى مصدران لتعاليم محمد وشريعته وكأني به لم يكتف بما نالهما من تحريف وتغيير على مدى القرون وفي مختلف اللقاءات الكنسية.

وأول كذبة أوردها هي أن القس ملأت أخباره التوراة، وثانيها استشهاده برسالة بولس الرسول إلى تيموتاوس التي أوردناها كما هي من واقع كتابه، فقد حرف في التوراة فزادها تحريفًا، والنص الموجود في التوراة (الرسالة الثابتة- الإصحاح الرابع، آية (۱، ۲) هو: «أنا أناشدك إذًا أمام الله و«الرب» يسوع المسيح العنيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته أكرر بالكلمة أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب وبخ انتهر عظ بكل أناة وتعليم» ويلاحظ الفرق بين النصين مما يدل. تحريف المؤلف حتى للتوراة التي يطالبنا كمسلمين بإقامتها.

تكرار الادعاءات الباطلة:

وفي خاتمة الفصل الثالث ص ٥٩ يكرر المؤلف ادعاءاته الباطلة ليصل إلى خاتمة المطاف في تشكيكه بالقرآن. فيذكر أنه لم يكن صعبًا أن نجد وراء النبي من كان يعلمه، فمن الصعب أيضًا أن لا نجد وراء القرآن العربي كتابًا آخر يعتمد عليه، يكرر قوله أيضًا: «فكما كان قس مكة وراء النبي يهمس في أذنه وحي الله من وراء ستار، هكذا كان وراء قرآن محمد کتاب سابق يجود عليه بآياته وتعاليمه وأمثاله وقصصه ....» والغريب في هذه العبارة التي سبق أن فندناها في الحلقات الأولى أن المؤلف يعتقد بأن الوحي ينزل على القس وهو الذي يستبعد اتصال الخالق بمخلوقاته وينكر نزول جبريل، فمن أين استقى ورقة وحيه إذن؟ ومن أين أو ممن تلقى موسى وعيسى عليهما السلام الوحي والرسالة؟

 كما يشير المؤلف إلى أن الخلود إلى الجيل العبرانيين وحده كمصدر وحيد لعلوم القرآن لن تمر بدون مشاكل، لأن القرآن نفسه، كما وصل إلينا، يثير عندنا المشاكل... ولا أحد يستطيع التقدم خطوة إن لم ينكشف له القرآن الأصل كما تلقنه محمد ....» أليس في هذه العبارة نفي وإنكار للقرآن الذي بين أيدينا؟ ولكي يصل إلى نتيجة حاسمة في هذا الأمر يستدعي المؤلف شياطينه من المستشرقين فيذكر نولدكه الذي رتب السور القرآنية بحسب تاريخها في النزول فيجد عنده الجواب الشافي ويخلص إلى ما يلي: (إننا بعد اعتدائنا هذا، نستطيع أن نعتبر «القرآن العربي»، في أصله المكي، إنجيل العرب كما هو إنجيل العبرانيين، الذي هو بحوزة القس ورقة، إنجيل النصارى الأبيونيين. فكما كانت ﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا  (الجاثية: ۲۸) وكل ﴿ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ﴾ (الحجر:4)، أصبح للعرب في مكة أيضًا كتاب، وكما كان إنجيل متى الأرامي والتقليد الرسولي أصلًا لكل الأناجيل فيما بعد، وعنهما أخذت الأناجيل الرسمية الأربعة، والأناجيل المنحولة العديدة....» هكذا يكون إنجيل العرب واحدًا منها أو تابعًا لها...».

 إنه هراء ما بعده من هراء كما هو ضلال ما بعده من ضلال، فإن كان المؤلف ينكر القرآن الذي بين أيدينا فما الفائدة في أن يجعله إنجيلًا؟ إن المؤلف استشهد بآيتين هما كما في القرآن نصًّا:

﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (الجاثية:28)

﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ (الحجر:4) ولكنه حرف فيهما وبدل وابتعد بالمعنى الحقيقي خدمة لهدفه في أن يجعل للعرب إنجيلًا مثلها لكل أمة كتاب ومثلما لكل قرية كتاب ﴿﴿ مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف:5)

فالآية الأولى تتعلق أساسًا بيوم القيامة حيث يخسر الكافرون بالله والجاحدون لرسالاته، وفي هذا اليوم تجثو كل أمة على ركبها من الشدة والعظمة وتدعى إلى كتاب فيه أعمالها فتجازي كل أمة بعملها الذي أحصاه الله ونسوه، وقد سطرت الملائكة أعمال الإنسان في هذا الكتاب والآيات التي تربط بهذا المعنى كثيرة منها:

  • ﴿ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)  (الجاثية:29
  • ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (54)﴾ (يس:54).
  • ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) (الكهف:49. أما الآية الثانية فإنها تتعلق بالتنبيه على أهل مكة ليعلموا أنه ما من قرية أو أمة يهلكها الله ألا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، فالكتاب هنا يعني الأجل الذي لا يؤخره الله إذا حان هلاك أمة ولا يتقدمون عن مدتهم.

إننا بهذا نكون قد أنهينا كشف افتراءات وادعاءات ما دونه أبو موسى الحريري في الفصول الثلاثة الأولى من كتابه «وقس ونبي»، في طبعته لعام ١٩٨٥، ونأمل بإذن الله تعالى، أن

نستكمل بقية الفصول وهي:

  • الفصل الرابع: النصرانية والإسلام دین على دين

الفصل الخامس: حق القس على النبي

الفصل السادس: نجاح وفشل

 النصوص القرآنية تدحض الشبهات التي يثيرها أبو موسى لتشويه النبوة.

  • كيف يرى أبو موسى صورة المجادلة التي أمر المسلمون أن يجادلوا بها أهل الكتاب.
  • المؤلف يدعى أن محمدًا عليه السلام مبعوث لأمة العرب دون غيرها
  • التزوير على طريقة أبى موسى يشمل القرآن والسنة والكتب التاريخية
  • أبو موسى يحرف في معاني الآيات ويبدل بحسب ما يعتقد أن ذلك يؤدى إلى أهدافه الماكرة.

*حصر الدعوة في جزيرة العرب

انتهى المطاف بنا في الحلقة السابقة إلى تبيان بطلان شهادات المؤلف بشأن وخفة الشريعة الإسلامية، وفي هذه الحلقة نتناول بإذن الله الرد على افتراءات المؤلف وادعائه

ب«إقليمية»، دعوة محمد وأنه إنما بعث لأمة العرب ونفيه لعالمية

الدعوة الإسلامية. ونعيد تدوين ما أورده المؤلف من أجزاء من آيات القرآن الكريم ليدلل بها على هذه الإقليمية وحصر دعوة محمد صلى الله عليه وسلم 

- ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا (النحل: ٣٦)

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ (يونس: ٤٧)

﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. (الأنعام: ١٢٤)

*وفيما يلي النص الكامل لهذه الآيات:

يقول الله تعالى في سورة النحل- الآية ٣٦ -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.

يرد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على المشركين الذين يحتجون بالقدر في الآية (٣٥) بأن الله يرسل رسله ليبلغوا الناس رسالات ربهم وتبيان الحق والحلال والحرام، وجاءت رسل الله كل إلى أمته ليبين الطريق السليم لحياة الإنسان والأمر بأن يعبدوا الله وحده لا شريك له واجتناب عبادة

الطاغوت ولأن الله يفعل ما يشاء، فقد بينت الآية أن الهدى هدى الله فمن الناس يستجيب لدعوة الرسول ومنهم من يكابر ويعاند وبذلك تحق عليهم الضلالة، وفي الآية أمر للمؤمنين أن يتبصروا بعاقبة من خالف الرسل وكذب بالحق، فقد دمرهم الله.

زيغ البصر

وإذا كان المؤلف يريد أن يعتبر محمدًا صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إلى أمة العرب فقد زاغ بصره وضل ضلالًا بعيدًا، فأين

هو من الآيات الدالة على أن المصطفى محمدًا أرسل إلى

الناس كافة، وأن محمدًا هو خاتم الأنبياء والمرسلين؟ 

إن آيات القرآن تشير بوضوح أن الله ختم بمحمد رسالة السماء إلى

البشر وأكمل به دينه الحنيف.

وفي سورة يونس، ٤٦- ٤٧﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.

تشير الآية ٤٦ إلى أن الله يري رسوله في حياته بعض العذاب الذي يصيب به الكافرين لتقر عينه بعد الذي لمسه منهم من أذى، أما، بعد حياته فإن مصيرهم ومنقلبهم إلى الله وهو الذي يشهد على أمته يوم القيامة، أي أن أعمال الأمة تعرض على الله بحضرة رسولها وكتاب أعمالها من خير وشر

شاهد عليها أيضًا إلى جانب شهادة الحفظة من الملائكة. وأمة محمد تمثل آخر الأمم كما تمثل الناس أجمعين لأن محمدًا بعث إلى الناس كافة ولأنه البشير والنذير إلى جميع الخلائق المكلفين. هكذا فهم علماء المسلمين هذه الآية وهكذا آمنوا برسولهم الذي بعثه الله إلى الناس أما أبو موسى الحريري فهو يريد أن يقصر دعوة محمد على سكان جزيرة العرب.

أما في سورة الأنعام، الآية ١٣٤، فيقول الله تعالى﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حتى نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ. ترتبط هذه الآية بالآية السابقة حيث يقول الله تعالى فيها ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) (الأنعام: 21﴾.

والمعنى المراد من قوله جل وعلا أنه سبحانه جعل لكل نبي أعداء من أكابر المجرمين ورؤساء دعاة الكفر والصد عن سبيل الله. ويطمئن الله رسوله بأن الرسل من قبله ابتلوا أيضًا بالمكابرين والمخالفين والأعداء، ولذا فإن مكر المعارضين للمصطفى- صلى الله عليه وسلم- سيحيق بهم.

أما في الآية (١٢٤) فيبين الله حال المكابرين المعاندين عندما يأتيهم البرهان والحجة البالغة على صدق محمد فهم يطالبون الرسول أن تأتيهم الملائكة من الله بالرسالة كما تأتي إلى الرسل، ثم توضح الآية أن الله هو أعلم حيث يجعل رسالته وإلى من ينزل الوحي وهو أعلم بمن يختار من البشر رسولًا إلى خلقه، كما تتضمن الآية التهديد الأكيد من الله لمن تكبر عن اتباع الرسل والانقياد لهم حيث سيلقون يوم القيامة الذل والهوان

. المؤلف يفسر بحسب رأيه الفاسد:

وعلى الرغم من وضوح الآية وصريح معناها فإن المؤلف يجير المعنى لصالح دعوته الفاسدة فيجعل معنى «الله أعلم» حيث يجعل رسالته، «مع ملاحظة أنه يضيف حرف «الواو» إلى أول ما يستشهد به من الآية» إن لكل أمة رسالة خاصة بها ولذا فرسالة نبي الله محمد هي خاصة بالعرب وأن رسول العرب يجب أن لا يكون كرسول اليهود، ولا يسن شريعة كشريعة اليهود.

وفي البند الخامس من استمرارية الوحي والتنزيل يتناول المؤلف وحدة المؤمنين، لا على أساس وحدة المؤمنين بالدين الإسلامي، ولكن على أساس المؤمنين من اليهود والنصارى والعرب وينسى أن العرب تتمثل فيهم الديانات -اليهودية والنصرانية والإسلام-

ولكن هنا يقصد بهم – من أسلم وآمن بدين محمد- صلى الله عليه وسلم. وهو يهدف أيضًا إلى جعل القرآن قرين الكتاب العبراني ولذا فهو يقول في صفحة ۸۹: التنزيل العربي والتنزيل العبراني متلازمان: العربي يفسر العبراني ويعتمد عليه، والعبراني أصل العربي وشاهد عليه، من يؤمن بواحد منها دون الآخر لا: يكون على الصراط المستقيم ثم يدعو بني إسرائيل أن يؤمنوا بالتنزيل العربي لأنه تذكرة للتنزيل العبراني، كما يدعو المتقين من العرب أن يؤمنوا بالتنزيل العبراني لأنه أصل العربي ومصدق له، ثم تأتي دعوته أكثر صراحة في صفحة ٩٠ حيث يقول: «وعلى العرب وعلى بني إسرائيل أن يأخذوا بالتوراة والإنجيل والقرآن سواء بسواء»

وتصل به الجرأة والوقاحة فيقول: ومن يأخذ بالقرآن العربي وحده دون سواء فهو من مسلمي مصحف عثمان، وليس من أتباع محمد. ودعوة المؤلف واضحة لا مواربة فيها، فهو يرى أن القرآن الذي بين أيدينا، وهو مصحف عثمان هو كتاب بدین خاص وبرسول خاص، ولسنا، نحن الذين نقرأ هذا القرآن من أتباع محمد، أما أتباعه الحقيقيون فهم الذين يتلون، أو يجب أن يؤمنوا ويقيموا التوراة والإنجيل والقرآن سواء بسواء، ولا شك أن المؤلف يعرف تمامًا أن المسلمين من قراء قرآن أو مصحف عثمان هم من المؤمنين حقًّا بموسى وعيسى عليهما السلام، وهم يؤمنون بما أنزل الله عليهما من وحي، ولكن هل آمن اليهود والنصارى بدعوة محمد وبالقرآن

الكريم؟ إذن فليدعهم إلى الإسلام إن استطاع إلى ذلك سيلَا

دس وتزوير:

وكعادة المؤلف في الدس والتزوير، يورد آيات من القرآن الكريم نكتبها كما هي وعلى النحو التالي:

﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (البقرة:١٣٦)

﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾: (العنكبوت:٤٦).

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ (المائدة:۹۸)

الراسخون في العلم منهم النصارى والمؤمنون «العرب» ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ

(النساء:16۲).

﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ : (یونس:۹۰)

وفيما يلي النصوص الكاملة للآيات: يقول الله تعالى في سورة البقرة آية ١٣٥، ١٣٦﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَو نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

تأتي الآية الأولى ردًّا على أهل الكتاب الذين قالوا لمحمد- صلى الله عليه وسلم: «ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد» وتأمر الرسول بأن يرفض دعوتهم ويبين أنه إنما يتبع ملة إبراهيم الذي جاء بدين التوحيد، ثم تبين الآية الثانية أن الله يدعو المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل على محمد وما أنزل على الأنبياء السابقين ولا يفرقون بين أحد منهم. أجمل- صلى الله عليه وسلم- للمسلمين هذا المنهج فقال في حديث له: ولا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله، ثم تأتي بعد ذلك الآية ١٣٧ لتستكمل الرد بأنه إذا آمن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم بما آمن به المؤمنون فقد اهتدوا إلى الطريق الحق.

أما في سورة العنكبوت - الآية ٤٦ فيقول الله تعالى﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

في هذه الآية توضيح وتبيان للمسلمين بأن يتهجوا نهجًا حسنًا عند مجادلة أهل الكتاب وبخاصة أولئك الذين يريدون الاستبصار في الدين ومعرفة الحقيقة، أما الذين حادوا عن وجه الحق واعترضوا سبيل المسلمين فعلى المسلمين التصدي لهم بالقوة وإشهار الحرب عليهم. ثم تبين الآية أن يؤمن

المسلمون بالقرآن وبما أنزل إلى رسله السابقين من كتب، وأن يؤمنوا بإله واحد هو رب العالمين. أما ما يتعلق بالآيات من سورة المائدة، وسورة النساء فقد سبق وأن عرضنا في حلقه سابقة لما تضمنته من أسباب نزولها

أو معناها، حيث سبق للمؤلف وأن استشهد بها.

وفي سورة يونس الآية ۹۰، يقول الله تعالى﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ

في هذه الآية يخبر الله تعالى عن غرق فرعون وحصاد ما عمله من مكابرته وعناده لنبي الله موسى عليه السلام، ويشير الله إلى أن فرعون حين أدركه الغرق، نطق بالحق وهو يصارع الموج وسكرات الموت فقال: وأمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وهو إيمان جاء بعد فوات الأوان. ولذا جاء رد رب العالمين في الآية اللاحقة﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ (يونس:91) ثم بين مصيره بأن الله سينجيه ببدنه ليكون عبرة لمن خلفه، وقد ألقت مياه البحر بجسد فرعون ليتيقن من تشكك في موته من إسرائيل ولا تجد علاقة بين ما نطق به فرعون وبين ما يحاول المؤلف أن يثبته من «وحدة المؤمنين»، فهل يريد المؤلف من المسلمين أن يؤمنوا بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل؟، إن كان كذلك فليطمئن لأن المسلمين يؤمنون بإله واحد هو رب بني إسرائيل ورب عيسى ورب النبيين أجمعين، كما أنهم يؤمنون بجميع رسل وأنبياء الله، ولكنه يهدف إلى أكثر من ذلك، فهو يدعو المسلمين أن يأخذوا بالكتاب المقدس، سواء العهد القديم «التوراة» أو العهد الجديد «الإنجيل» تمامًا كما يأخذون بتعاليم قرآنهم، وإلا فإنهم، أي المسلمين، قد ابتعدوا عن دعوة محمد، وتبعوا مصحف عثمان.

الوحي والتنزيل:

 وأخيرًا يعرض المؤلف نتائج دراسته عن استمرارية الوحي والتنزيل، فيقول في صفحة ٩٠: وإن وحي الله على أنبيائه هو هو، وإن تنزيل القرآن العربي هو نفسه تنزيل الكتاب العبراني، وفي هذه العبارة يعترف المؤلف لأول مرة بنزول الوحي على محمد- صلى الله عليه وسلم، ولكنه اعتراف يخامره الشك والتشكيك، ذلك لأنه يعود ليتساءل عن كيفية تعرف محمد على التنزيل السابق، يقول: «أهو الله الذي دخل مباشرة على النبي محمد وعلمه ما لم يكن يعلم؟ أم هو ملاك من الله وافى محمدًا ولقنه ما لم يكن بوسعه اكتشافه وحده؟ أم هو أخيرًا أمر حدث كما يحدث للملهمين من

العالم ؟

بعد ذلك يجيب المؤلف على تساؤلاته بأن الأمر واحد من اثنين فيقول في صفحة ٩١: وإما أن يكون محمد اكتشف التنزيل السابق بذاته وتعلمه بلغته العبرانية ونقله أو أخذ منه ما يناسب أحوال مدعويه وإما أن يكون تلقن التنزيل السابق على يد «خبير حكيم علمه ما لم يكن يعلم»، ولا يمكننا

افتراض شيء آخر»

وفي استنتاجه هذا بطلان واضح ونفي الرسالة الله التي أنزلها على عبده محمد فالأمر الأول فيه اتهام لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه نقل من التوراة والإنجيل وإن كان المؤلف ينفي علم محمد باللغة العبرانية فإنه يرى افتراضًا أن محمدًا كان يعتمد باستمرار على من عنده الكتاب) أي اليهود والنصارى، يسألهم ويستشهد بهم. أما الأمر الثاني فقيه كفر صريح إذ هو ينسب تعاليم محمد التي تلقاها من ربه إلى القس ورقة الذي يضفي عليه من صفات الله ما يخرجه إلى خانة الكفر.

ولا يكتفي المؤلف بقول الزور هذا، وإنما يشكك بالملائكة

ونزول جبريل عليه السلام، فيقول: «فلا الله يتدخل بأمور الناس متخطيًّا كل معطيات الإنسان فيعلمه بعد جهل ويظهر عليه متجليًّا مرارًا ومرارًا، ولا الملاك جبريل تتفتح له أبواب الله السماء ليلازم صديقه على الأرض على مدى ستين سنة ونيف، ويرد في قوله هذا بتشكيك وجود الملائكة فيقول

«وما أدراك أن شك معظم الناس بوجود جنس ملائكي» وهو بهذا يريد أن يخلص إلى أن محمدًا تعلم ما لم يكن يعلم من «خبير حكيم»، ولسنا نجد في كتب السيرة والأخبار والتوراة غير القس ورقة بن نوفل، وقد يكون غير القس ورقة، ولكن عوامل كثيرة توجهنا إلى القس ورقة، ثم بعد أن 

يشرح هذه العوامل يقول

«فهو الشخصية النصرانية في حياة محمد، وكان القرآن العربي إنجيل القس بالعربية وبقي على محمد أن يعلم بدوره ما تعلم ويبلغ ما تبلغ بعد ما استكمل استيعاب ما في الكتاب من تعاليم وعقائد وتشريعات» 

نفي وإثبات؟

إن المؤلف، الذي اعترف لأول مرة في الصفحة السابقة بالوحي الذي أنزل إلى محمد يعود في هذه الصفحة لينفي الوحي كما نفاه في صفحات الكتاب من بدايته، وفي هذا الموقف تذبذب واضطراب وحاله شبيه بحال کفار قریش وأهل الكتاب الذين جادلوا محمدًا بالباطل فرد عليهم القرآن

وأبطل حجتهم، وهذا ما ستفعله بأن نرد على الملحدين من

آيات القرآن الكريم.

إن الله سبحانه وتعالى لا يخاطب رسله مباشرة ولا يتنزل على البشر، ولكن المؤمنين به يعرفون أن الله معهم دائمًا وأبدًا يسمع دعاءهم وتسبيحهم ويرى أعمالهم ويعلم نواياهم ويقتضي الإيمان بالله الإيمان بالملائكة والكتب والأنبياء واليوم الآخر. إن الطعن أو إنكار الملائكة أو الشك في وجودهم

کجنس مخلوق يخرج المؤمن من دائرة الإيمان ويجعله في دائرة

الكفر.

وقد وردت كلمة «ملك» في القرآن الكريم ١٠ مرات وكلمة والملائكة، 6۸ مرة، وكلمة وملائكته ٥ مرات وكلمة «ملكًا» ثلاث مرات وكلمة «الملكين» مرتين (انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم- محمد فؤاد عبد الباقي).

ويقول الله تعالى في سورة الأنعام الآية ٩١﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون) أليس في هذه الآية تصريح بأن الله هو الذي ينزل على البشر وحيه ورسالته؟ 

أليس في هذه الآية تبيان من الله بأنه هو الذي علم بني إسرائيل ما لم يكونوا يعلمون؟ إذن لماذا يصر المؤلف على أن محمدًا تعلم مالم يكن يعلم .

في سورة الشورى ٥١- ٥٢، يقول الله تعالى﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَومِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 

إن المؤلف يغفل آيات القرآن الكريم، وإذا أراد أن يدلل 

أو يثبت دعوته الفاجرة يجتزئ، ما يريد من الآية، مع كفره الواضح بالقرآن فليقرأ المؤلف وغيره ممن يسيرون على نهجه قول الله الواضح بشأن اتصاله بالبشر فلماذا ينكر المؤلف نزول الوحي على محمد؟ فالله يختار طريقة الاتصال برسله، وها هو يرسل روحًا من أمره إلى محمد، أي يرسل جبريل عليه السلام، الأمر الذي يستكثره على نبي! وستهزئ، بكونه لازم النبي فترة هو يبالغ فيها، فيجعلها «ستين سنة ونيف»، وذلك لمجرد التشكيك.

ويقول الله في سورة البقرة، الآية ۹۷، ۹۸﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ.

ويقول الله في سورة التحريم - الآية الرابعة﴿إِن تَتُوبَا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ. ولا يكابر إنسان في أن هذه الآيات دالة الوضوح والبيان بأن جبريل عليه السلام هو الذي كان ينزل بالوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الملائكة جنس من خلق الله. وفيما يلي طائفة من آيات القرآن الحكيم بشأن الموضوع الذي ينكره وهو

موضوع الملائكة:

﴿وَوَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) (السجدة: ۱۰، ۱۱)

- ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (الأنعام: ۸-۹)

- ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا (الإسراء: ٩٤- ٩٥)

- ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ... (البقرة: ۱۷۷).

- ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. (آل عمران:۱۸).

- ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (الحج: ٧٥- ٧٦).

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النساء:١٣٦).

تفنيد:

وعلى هذا الأساس في الرد يمكن تفنيد كلام المؤلف بشأن اتصال جبريل عليه السلام بالرسول محمد الله عليه وسلم وإبلاغه رسالة ربه وهو الأمين على الموحى. وهذا ينسف دعوته الضالة من الأساس والتي يزعم أنها دعوة إلى الإيمان بالتوراة والإنجيل والقرآن، فالله وحده هو الذي

اختار رسوله محمدًا من بين البشر ليكمل به الدين الذي جاء به جميع الرسل والأنبياء، كما أن تصميمه وإصراره على وجود القس ورقة بن نوفل خلف النبي يوحي بإذنه ما يشاء ويعلمه من الكتاب العبراني، ويأبى إلا أن يضفي على هذا القس صفات الرحمن ثم هو القس، قد ملأت أخباره كتب السيرة والأخبار وحتى التوراة، فليأت هذا المنحرف بكتب السيطرة والأخبار إلا أسطر متناثرة، ثم فليأت بالتوراة فلن يجد فيها حرفًا واحدًا بشأن القس. أما الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي جاء ذكره في القرآن الكريم وفي آلاف الكتب فلا يعير المؤلف سيرته ودعوته أهمية ويصفه بأنه تلميذ تخرج من مدرسة القس وبدأ يعلم ما تعلم من القس ومن التوراة ومن الإنجيل.

ففي صفحة ٩٢، وتحت عنوان: محمد يعلم ما تعلم يذكر

المؤلف ما يلي:

«كان تعليم المتقين من العرب من مهمات محمد الرئيسية في حياته الرسولية، شأنه شأن النبيين السابقين والتلاميذ اللاحقين الذين أرسلهم عيسى ليكونوا معلمي الأمم»، وكما ناشد بولس الرسول تلميذه تيموتاوس بقوله: «أناشدك أن أعلن كلام الله وألح فيه بوقته وبغير وقته وبخ وأنذر وعظ بصبر جميل ورغبة في التعليم») ثم يقول: «هكذا راح محمد يعظ ويبشر ويعلم وينذر ويبلغ».

 تلميذ من الدرجة الثانية:

إذن هكذا يريد المؤلف أن يكون نبينا وهادينا ومرشدنا مجرد تلميذ ومن الدرجة الثانية، فهو لم يصل حتى إلى درجة بولس الرسول، ثم يورد المؤلف فقرات من آيات القرآن يحرف فيها ويجيرها ليجعلها تبدو وكأنها تتعلق جميعها بدور محمد في التبليغ والاستعانة بأهل الذكر مع أن هذه الآيات تتعلق في أغلب ما أورده بأنبياء الله ودعواتهم مثل دعوة نوح وإبراهيم عليهما السلام، ويمهد لادعاءاته يقول: «ومحمد خليفة القس ورقة على كنيسة مكة، أرسل لدعوة الناس إلى الإيمان فاندفع يعلمهم كلام الله ويبين لهم الآيات ثم يردف قائلًا: ولقد وعى محمد دوره التعليمي هذا وعرف أنه أرسل إلى العرب رسولًا وبشيرًا ونذيرًا ومبلغًا رسالات ربه، أما تعاليم محمد، كما يفهمها المؤلف، أو في الواقع كما يريد أن يدسها على الإسلام فقد أفرد لها فصلًا خاصًّا به ستناوله إن شاء الله تعالى في حينه

والظاهرة العامة التي يلمسها كل من يقرأ لهذا المؤلف هي تزويره وتحريفه ليس فقط لآيات القرآن الكريم، وإنما أيضًا للمراجع التاريخية وحتى التوراة والإنجيل لم يسلما من تحريف المؤلف وهما كما يدعى مصدران لتعاليم محمد وشريعته وكأني به لم يكتف بما نالهما من تحريف وتغيير على مدى القرون وفي مختلف اللقاءات الكنسية.

وأول كذبة أوردها هي أن القس ملأت أخباره التوراة، وثانيها استشهاده برسالة بولس الرسول إلى تيموتاوس التي أوردناها كما هي من واقع كتابه، فقد حرف في التوراة فزادها تحريفًا، والنص الموجود في التوراة (الرسالة الثابتة- الإصحاح الرابع، آية (۱، ۲) هو: «أنا أناشدك إذًا أمام الله و«الرب» يسوع المسيح العنيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته أكرر بالكلمة أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب وبخ انتهر عظ بكل أناة وتعليم» ويلاحظ الفرق بين النصين مما يدل. تحريف المؤلف حتى للتوراة التي يطالبنا كمسلمين بإقامتها.

تكرار الادعاءات الباطلة:

وفي خاتمة الفصل الثالث ص ٥٩ يكرر المؤلف ادعاءاته الباطلة ليصل إلى خاتمة المطاف في تشكيكه بالقرآن. فيذكر أنه لم يكن صعبًا أن نجد وراء النبي من كان يعلمه، فمن الصعب أيضًا أن لا نجد وراء القرآن العربي كتابًا آخر يعتمد عليه، يكرر قوله أيضًا: «فكما كان قس مكة وراء النبي يهمس في أذنه وحي الله من وراء ستار، هكذا كان وراء قرآن محمد کتاب سابق يجود عليه بآياته وتعاليمه وأمثاله وقصصه ....» والغريب في هذه العبارة التي سبق أن فندناها في الحلقات الأولى أن المؤلف يعتقد بأن الوحي ينزل على القس وهو الذي يستبعد اتصال الخالق بمخلوقاته وينكر نزول جبريل، فمن أين استقى ورقة وحيه إذن؟ ومن أين أو ممن تلقى موسى وعيسى عليهما السلام الوحي والرسالة؟

 كما يشير المؤلف إلى أن الخلود إلى الجيل العبرانيين وحده كمصدر وحيد لعلوم القرآن لن تمر بدون مشاكل، لأن القرآن نفسه، كما وصل إلينا، يثير عندنا المشاكل... ولا أحد يستطيع التقدم خطوة إن لم ينكشف له القرآن الأصل كما تلقنه محمد ....» أليس في هذه العبارة نفي وإنكار للقرآن الذي بين أيدينا؟ ولكي يصل إلى نتيجة حاسمة في هذا الأمر يستدعي المؤلف شياطينه من المستشرقين فيذكر نولدكه الذي رتب السور القرآنية بحسب تاريخها في النزول فيجد عنده الجواب الشافي ويخلص إلى ما يلي: (إننا بعد اعتدائنا هذا، نستطيع أن نعتبر «القرآن العربي»، في أصله المكي، إنجيل العرب كما هو إنجيل العبرانيين، الذي هو بحوزة القس ورقة، إنجيل النصارى الأبيونيين. فكما كانت ﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا  (الجاثية: ۲۸) وكل ﴿ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ﴾ (الحجر:4)، أصبح للعرب في مكة أيضًا كتاب، وكما كان إنجيل متى الأرامي والتقليد الرسولي أصلًا لكل الأناجيل فيما بعد، وعنهما أخذت الأناجيل الرسمية الأربعة، والأناجيل المنحولة العديدة....» هكذا يكون إنجيل العرب واحدًا منها أو تابعًا لها...».

 إنه هراء ما بعده من هراء كما هو ضلال ما بعده من ضلال، فإن كان المؤلف ينكر القرآن الذي بين أيدينا فما الفائدة في أن يجعله إنجيلًا؟ إن المؤلف استشهد بآيتين هما كما في القرآن نصًّا:

﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (الجاثية:28)

﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ (الحجر:4) ولكنه حرف فيهما وبدل وابتعد بالمعنى الحقيقي خدمة لهدفه في أن يجعل للعرب إنجيلًا مثلها لكل أمة كتاب ومثلما لكل قرية كتاب ﴿﴿ مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف:5)

فالآية الأولى تتعلق أساسًا بيوم القيامة حيث يخسر الكافرون بالله والجاحدون لرسالاته، وفي هذا اليوم تجثو كل أمة على ركبها من الشدة والعظمة وتدعى إلى كتاب فيه أعمالها فتجازي كل أمة بعملها الذي أحصاه الله ونسوه، وقد سطرت الملائكة أعمال الإنسان في هذا الكتاب والآيات التي تربط بهذا المعنى كثيرة منها:

  • ﴿ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)  (الجاثية:29
  • ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (54)﴾ (يس:54).
  • ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) (الكهف:49. أما الآية الثانية فإنها تتعلق بالتنبيه على أهل مكة ليعلموا أنه ما من قرية أو أمة يهلكها الله ألا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، فالكتاب هنا يعني الأجل الذي لا يؤخره الله إذا حان هلاك أمة ولا يتقدمون عن مدتهم.

إننا بهذا نكون قد أنهينا كشف افتراءات وادعاءات ما دونه أبو موسى الحريري في الفصول الثلاثة الأولى من كتابه «وقس ونبي»، في طبعته لعام ١٩٨٥، ونأمل بإذن الله تعالى، أن

نستكمل بقية الفصول وهي:

  • الفصل الرابع: النصرانية والإسلام دین على دين

الفصل الخامس: حق القس على النبي

الفصل السادس: نجاح وفشل

 

الرابط المختصر :