العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1179
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
مشاهدات 69
نشر في العدد 1179
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
ومضة
كان ملء السمع والبصر، عندما كان للرجال قيمة في مجتمعاتهم، وعندما اعتلى المناصب في غفلة من الزمن من لا يستحقونها، هاجر من بلده، وعاش غريبًا، يبحث عن عمل شريف يسد حاجته، ويعوضه عن بعض ما ضاع من أمنياته الحلوة، وإن لم يستطع أن ينسيه كثيرًا من أماله الكبار.
اقتحمت عليه عزلته بصحبة أحد أصدقائه.. سألته وسمعت منه.. وجرت بيننا أحاديث، رأيت في الرجل صورة أكبر من الصورة التي رسمها لي مرافقي قبل أن يتم اللقاء.. فهو تاريخ ناطق وتجربة حية، ومعاناة تتطلب القلم الشاعر الذي يصوغها في عمل قصصي، ويخرجها إلى النور ملحمة عبقرية شاهدة على الأحداث، ومجسدة المجالات النضال البادية أثارها على جبهته التي غطتها التجاعيد، وإن لم تتمكن من إخفاء تلك النظرات الثاقبة من عينيه، لتبقى دليلًا على الأمل الكبير والعزيمة الصلبة والتصميم الأكيد الذي يحتاجه كل من يسعى جاهدًا لتحقيق الحياة الأفضل لأمته ومجتمعه.
سألته عن أبرز الأعمال التي قام بها مع رفاق دريه.. أجاب على الفور.. أهم أعمالنا كلمة كلمة؟! نعم إنها كلمة واحدة أطارت النوم من عيون الطغاة، وجعلتهم يعيشون في قلق دائم، وتوجس من كل شيء، وشك في أقرب الأعوان..
تشوقت كثيرًا لمعرفة الكلمة!! «الموقف» التي كان لها كل هذا التأثير، وتلك النتائج.. نطقها الرجل بهدوء مع كثير من الاعتزاز ..لا.. وكأنه يضن بها على سامعيه، ويحتفظ بها لمواجهة الطواغيت الذين اعتبروها الموقف الفاصل بين المتخاذلين ذوي النفوس المهزومة الذين يرضون بفتات الموائد وبين الرجال الذين يحسب لهم ألف حساب.
ودعت الرجل وأنا أحترم فيه الإباء والصبر، ويعتمل في نفسي تساؤل حول جدوى هذه الكلمة الرافضة، في وقت تلعب المرونة دورها في فتح المغاليق، وتمهيد الأجواء، وتهيئة النفوس، أمام العاملين الذين يضيفون إلى ثباتهم، شيئًا من المهارة والذكاء، في تعاطيهم للدور وأدائهم للمهمة ..
الروايةُ ليست أداةَ للتسليةِ ولكنها وسيلةُ للتعبيرِ عن القيم
الرياض: المجتمع
ألقي الدكتور: «حلمي محمد القاعود» في النادي الأدبي بمدينة «تبوك» شمال المملكة، محاضرة طويلة عن الرواية الإسلامية المعاصرة بين الواقع والآمال، وفي حضور جمع من رجال الأدب والتعليم والجمهور يتقدمهم الأستاذ «محمد عمر عرفة».. رئيس النادي الأدبي في تبوك، كان لقاء حافلًا بالمشاركة مع المحاضر حول الأدب الإسلامي وقضاياه بعامة، والرواية الإسلامية خاصة.
بدأ الدكتور القاعود محاضرته بالحديث عن أهمية الرواية في عالم اليوم، وأنها ليست مجرد أداة للتسلية والمتعة فحسب ولكنها وسيلة للتعبير عن الأفكار والقيم والتصورات والأيديولوجيات، وقد عرف أصحاب المذاهب والفلسفات المادية أهمية الرواية، فعبروا من خلالها عن معتقداتهم، وبشروا من خلالها أيضًا بأيديولوجياتهم، وضرب المحاضر مثلًا بما فعله الواقعيون الاشتراكيون الذين بشروا بالماركسية، والوجوديون الذين بشروا بالوجودية وفعل ذلك الماركسيون العرب في رواياتهم مثل: يوسف إدريس وحنا مينة، وعبد الرحمن منيف وغيرهم.
قرر المحاضر أن واقع الرواية الإسلامية المعاصرة يبدو متواضعًا للغاية، بالقياس إلى الشعر، أيضًا فإن الروائيين الإسلاميين الذين يملكون التصور السليم والخبرة الفنية العالية قليلون جدًا، بل نادرون، ويمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة، وأشار إلى أن جيل الرواد والبناة من كتاب الرواية حاولوا أن يواجهوا التشويش الذي أثاره جرجي زيدان وغيره ضد التاريخ الإسلامي والمفاهيم الإسلامية، وكان من أبرزهم علي الجارم، ومحمد سعيد العريان، وعلى أحمد باكثير، ومحمد فريد أبو حديد.
تحدث الدكتور القاعود عن أبرز الروائيين المعاصرين، وفي مقدمتهم نجيب الكيلاني - رحمه الله - وضرب مثلًا بأعماله المتنوعة في مراحل حياته المختلفة، وتوقف الوقت عند روايته مملكة البلعوطي، التي صدرت قبيل وفاة الكيلاني بأسابيع، وتعالج فكرة ، القرية الفاضلة، وذكر أنها تنتمي إلى ما يسميه «الواقعية الإسلامية»..
بشر الدكتور القاعود بمجموعة من الكتاب الجدد الذين يتوقع لهم مستقبلًا مرموقًا في مجال الرواية منهم «علي أبو المكارم» و«جهاد الرجبي» و «سلام أحمد إدريسو»، وعرض لبعض أعمالهم المتميزة، فأشار إلى رواية الموت عشقاء لعلى أبو المكارم التي يتناول فيها بجرأة وفنية سلبيات الواقع الثقافي والاجتماعي معًا ويوضح الفساد السائد في المجتمع، والقهر الذي يعانيه الناس، وما يلاقيه دعاة الإصلاح من عناء ومطاردة... وفي الوقت ذاته يبني المؤلف روايته بطريقة فنية في أسلوب شاعري متميز. أما «جهاد الرجبي» فلها رواية بعنوان «لن أموت سدى» تعالج موضوع الانتفاضة الفلسطينية، وقد فازت الرواية بالجائزة الأولى في مسابقة رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وتتميز الكاتبة بقدرتها على استبطان الشخصية والوصول إلى أغوارها في أسلوب جميل أخاذ.
ويعد سلام أحمد إدريسوه وهو من المغرب نجيب محفوظ الرواية الإسلامية، إذا قدر الله له مواصلة الطريق بالقراءة والدرس والإنتاج، فهو يعي التصور الإسلامي وعيًا عميقًا، ويدرك أبعاد الفن الروائي إدراكًا مرهفًا، وفي الوقت ذاته يشتبك مع الواقع الاجتماعي اشتباكًا حادًا من القاع إلى القمة، لذا جاءت روايته «العائدة. نموذجًا ممتازًا لانطلاق الكاتب من الواقع وتحريك الأشخاص الروائية بحكمة فنية، واقتدار أدبي وأسلوب تميز بخاصيتين أولاهما التشخيص وثانيهما التناص.
وقد عرض الدكتور القاعود مجموعة من النقاط المقترحة للارتقاء بفن الرواية الإسلامية المعاصرة منها:
- إقامة المسابقات على المستويات المحلية والقومية والعالمية لاكتشاف المواهب الجديدة في كتابة الرواية، وأشار في هذا السياق إلى مسابقة رابطة الأدب الإسلامي العالمية التي قدمت لنا جهاد الرجبي، وسلام إدريسو».
- مناشدة دور النشر الإسلامية الاهتمام بفن الرواية، ومساعدة كتابها على نشر رواياتهم، بوصف الرواية وسيلة مهمة من وسائل نشر الفكرة الإسلامية.
- الاهتمام النقدي بما يصدر من إنتاج رواني إسلامي وتقويمه تقويمًا علميًا موضوعيًا، وطالب المحاضر الأدباء الإسلاميين بإفساح صدورهم للتقويم وتقبل النقد، وتحسن مستواهم الفني بناء على ملاحظات النقاد.
- ترجمة الآداب الإسلامية غير العربية عمومًا، والرواية خصوصًا، لتثري أدبنا بالمزيد من التجارب والصيغ.
عقب على المحاضرة عدد من الحاضرين وتوالت الأسئلة على المنصة؛ حيث أجاب عليها الدكتور القاعود باستفاضة، قدم المحاضرة الأستاذ: عويض العطوى المحاضر بكلية المعلمين في تبوك. وتحدث عن المحاضر وسيرته الذاتية ودوره في المجال الإسلامي والأدبي والعلمي ..
واحة الشعر
شعر: د. عبد الجبار ديه
أغنية الشهادة
طلع النهار، فزغردي أم الشهيد هناك عرسًا |
هذا فتاك، أزاح ظلمة ليلنا، وأضاء شمسًا |
وأتي على صُهْيُونَ صاعقة، فَخَرَّ الَسقف رَأسًا |
قد فجَّرَ الأعداءَ نفسًا، جَرَّعَ الباغين كاسًا |
من شوهوا وجه الحقيقة ، أوْسَعُوا التاريخَ طمسًا |
وتعاهدوا الأكوان بغيًا عَمَّ إفسادًا ورجسًا |
إنا إذا نزل العدو بساحنا أو رام وكسًا |
ساء الصباحُ إذن، وأثخناه تقتيلًا وحسًّا |
لا تُبق ديارًا، ولا تسمع لهم ركزًا وحسًا |
وتَرَى شراذمهم تناثرُ أطبقت ذُعْرًا ومسًا |
---------- |
ذاك الحماسيُ المجاهدُ، لم يكنْ جيسًا ونكسًا |
ما غره ريعُ الشبابِ، وما رجا لهوًا وأُنسًا |
قد عاهد الرحمن موتًا أودع الديان نفسًا |
بات اللياليَ ساهرًا وأقامَ فرضَ الله ِخمساً |
في القدس صبحهم بسكينٍ، وفي نابلس مسى |
بقنابل من صنع (يحيى) تكنس الأعداء كنسًا |
قد باركته رعاية الرحمن، حتى طاب نفسًا |
وتعاهدته (جماعة الإخوان) حتى طال غرسًا |
وتداولته كتائب القسام حتى اشتد بأسًا |
يحكي شجاعة (خالد) أو (طارق)، حزمًا وكيسًا |
--------- |
الدوح للغرباء في وطني، وللأهلين تعسًا |
هي قسمة (الغرب) المهيمن رآمها ظلمًا وَبَخْسًا |
أبدا يكيل مطفقًا ومراوغًا، والنفس أخسَا |
إن الصليب أخو يهود مثلهم حقدًا ودسًا |
هو موقف من أمة الإسلام، قد تخذوه أمسًا |
لا يقبلون به بديلًا أو مراجعة وعكسًا |
هذى حماس بقضها، قد أقسمت جهرًا وهمسًا |
أن تبقي الصمصام مرفوعًا، وللقرآن جرسًا |
قد ابدع الياسين صنعتها، أَقام الصَّرح أُسًا |
ومضى يربِي جندها، ويعدهم عزمًا ونفسًا |
(يحيى) يُخطط أو يدبر، يلقن الأعداء درسًا |
ركب الحمام مطية، وطوى القرى حزنًا وَدهسًا |
ما راعَهُ زَحف المنون، ولا ظلام السجن حبسًا |
هو والطَّراد سبيله، لم يشك إعياء وقعسًا |
وإذا الشهادة واليقين تزاوجا، لا تخش لبسًا |
هذي الجنان منازل، قد أمنُوا هَضَمًا وبخسًا |
وعماد عقل كالمنون إذا انبري أو راح خلسًا |
طلع الخليل وبيت لحم زاحفًا وَيَعسُ عَسَمًا |
جال البلاد شمالها وجنوبها في القدس أرسًا |
عرف الجهاد سبيله لم يخش إرهابًا وبأسًا |
عاف النساء جميعهن، ورام بين الحور عرسًا |
زهد الحياة نعيمها، والثوب خزاً أَو دمفسًا |
تخذ الشهادة غاية، ومضى يَحُسُ القَومَ حَسَاً |
يتقدم الأبطال، يرفع فوق هامتهم درفسًا |
وإذا البنادق لعلعت، أخرسن أقلامًا وطرسًا |
بك أيد الله الشهيد، وبارك الرحمن رمسًا |
|
وتَنَقَلَن بين الكواعب، لا يردن سواك إنسًا |
بين المقاصير الحسان، تنزهت رجسًا ودنْسًا |
ثنتان والسبعون حورًا و حورًا، قد ملأن عليك نفسًا |
وجوار (أحمد) في رياض الخلد قد أغناك أنسًا |
أغناك أنسا |
أغناك أنسا |
الهوامش
- رَامَ وكْسَاً: رَام إذلالا.
- حَسَيَّا: الحسُ التقتيل (بفتح الحاء)
- حِسًا: صوتًا (بكسر الحاء) رِكْزًّا: الصوت الخفي.
- مَسًّا: المس الجنون.
- جيسًا: جبانًا، نكسًا ذليلاً
- رِيعَ الشباب: نضارته وجماله.
- بخسًا: البخس انتقاص الحقوق.
- النفس أخسا: أي أخسا من اللؤم والقذارة
- الصمصام: السيف جرسا: الصوت القوي.
- الياسين المجاهد البطل المُقْعَدُ مؤسس حركة حماس (الشيخ أحمد ياسين) اعتقلته يهود عام ١٩٨٩م ولا زال في السجن.
- يحيى: المهندس "يحيى عياش" العقل المدبر وراء العمليات الاستشهادية التي تقوم بها كتائب القسام الحماسية وتطارده سلطات الاحتلال الصهيونية وكذلك السلطة الوطنية الفلسطينية.
- الحِمَامُ: الموتُ، حزنًا الأرض الوعرة، دهسًا الأرض السهلة.
- فعساً: تقاعس ونكوص.
- لبسًا: غموضًا وترددًا.
- خِلْسَاً: خِفْيَةً.
- العَسُ: السير ليلا.
- خَزُّ: حرير دمقس: قماش منسوب إلى دمشق.
- دَرْفَسًا: الرايةُ الكبيرة.
- طرسا: الكتاب.
- رمسًا: القبر.
- الكواعب: الحور العين.
- المقاصير: الحور العين قصرن أبصارهن على رجالهن
نظرات في (الأخدود)
عرض وتحليل للمجموعة القصصية للكاتب المغربي عبد المجيد بن مسعود
تحت اسم الحداثة والمعاصرة تسترت كل المضامين والغايات السامة لهدم عقائدنا وقيمنا ولغتنا وتراثنا و شخصيتنا الإسلامية
بقلم: محمد حسن بريغش(*)
إن من العلامات التي تدل على نجاح الكاتب أو تشير إلى ميزاته وشخصيته الخاصة به، أن يثير لدى القارئ والدارس عددًا من الأسئلة، أو ينقله إلى الحالة التي يشتركان فيها معًا في البحث، والفهم والاستنتاج، والربط والانفعال، والحكم.. أو يجعلك تعيش مع هذا الأمر الأدبي أو ذاك وقتًا أطول وأنت تناقش قضايا أثارها، أو تبحث عن أجوبة للأسئلة التي رسمها، أو تفكر في أمور لم يحدد لك فيها موقفا، بل تركك مع احتمالات تدعوك لهذا التفكير.
لقد عشت في هذا الجو مع بعض الإبداعات الجديدة(1) التي اطلعت عليها مؤخرًا في مجال القصة.
والمجموعة التي بين يدينا (الأخدود) للكاتب المغربي عبد المجيد بن مسعود واحدة من هذه الإبداعات التي أثارت كثيرًا من الأسئلة وطرحت عددًا من الاحتمالات والاستفسارات تتألف المجموعة من مقدمة وثماني عشرة قصة، وبلغت صفحاتها (٦٣) صفحة من القطع الصغير، وهي في طباعتها وإخراجها تدل على الأزمة التي يعاني منها المبدعون الذين يرفضون الخضوع للتيار الجارف المحارب للإنسانية والإسلام المندفع وراء الأطماع والأحلام بالهيمنة، وفرض الجبروت، ونهب كل مقومات الحياة، وامتلاك مفاتيح الدنيا كلها..
الحدود بين الفنون الأدبية
ومن أول الأسئلة التي أثارتها هذه المجموعة هو:
ما الفرق بين القصة الحديثة والمقالة؟ وما هي حدود كل منهما؟ وأين تنتهي تخوم المقالة لتبدأ القصة، أو كيف نتبين تخوم كل منهما. وتعرف أن الكاتب اجتاز الفواصل – الموهوم- بين هذا النوع الأدبي وذاك أو بالعكس؟
وهل يمكن أن يلغي في وقت ما الفواصل والحدود بين الأنواع الأدبية وإذا كان هذا ممكنا، فهل هو مفيد؟ وما مردود ذلك على الأدب وعلى الأديب والقارئ؟
الشعر الحديث - باسم الحداثة والمعاصرة ودعاوى أخرى - يحاول تحطيم الفواصل بين الشعر والنثر، وكتب في هذا السبيل الشعر الذي يخرج عن البحور العروضية المعروفة، ثم شعر التفعيلة، ثم الشعر الحر، أو الشعر النثري إذا جازت هذه التسمية.
هذه المحاولة للشعر الحديث حملت بين طياتها كثيرًا من المضامين الدخيلة والغايات السامة، وأظهرت على لسان كثيرين من روادها نوايا عدوانية لكل عقائدنا وقيمنا ولغتنا وتراثنا وشخصيتنا، وأرادت طرح عقائد ومفاهيم جديدة، لا تخفي هويتها الغربية ومشاعرها المضادة لكل ما يتصل بالإسلام.
لقد أرادوا - باسم الإبداع - منح المبدع كل الحرية الحرية التي لم يحلم بها خلق، وإن يمنحوا لقارئ الحرية في إعطاء الإبداع أيضًا كل الخيالات ويلبسوه كل ما يحلو لهم دون اكتراث بالنتيجة.
ولقد أدى ذلك إلى غياب إنسانية الإنسان وإلى ذبح قيمه وخصائصه التي كرمته، ومنحته خاصيته المتميزة من بين خلق الله عز وجل.
إفساح المجال للإبداع الصادق
هذه الخواطر البعيدة الشاردة كانت استطرادا للسؤال الأول الذي طرحته المجموعة، وإن كانت لا تأتلف مع موحيات هذه المجموعة ومضامينها، والكاتب يؤكد أن كتابه هذا مجموعة قصصية، ولعله كان يشعر بشيء من اللبس أو الخوف أو وقوع القارئ في الحيرة لذلك كتب على الغلا «مجموعة قصصية».
ولست ممن يتوقفون عند صورة محدودة للقصة، بل هناك مجال رحب وصور كثيرة يستطيع الكاتب استخدامها في كتابة القصة، شريطة النجاح.
وربما كان الكاتب يحاول ترسيخ مفهوم جدید للقصة القصيرة من خلال اجتهاداته في هذه المجموعة التي تستحق التقدير والدارسة، وليس غريبًا، ولا مستهجنًا أن يعرض المبدع المسلم اجتهاداته في مجال القصة، لأن الآخرين - حين يكتبون ما يريدون - ينظر إليهم النقاد المعاصرون بكثير من الإعجاب، ويظهرونهم بصورة الأبطال والمبتكرين، مع أن كثيرا مما يكتبون لا يعدو كونه نوعًا من التهويمات والألاعيب العابثة التي لا يربط بين أجزائها أي رابط.
إنهم يفرزون غثاًء موجعًا، ويلوكون الألفاظ بكراهية، ويمزقون إهاب العربية، ويفككون روابطها، ويعركون الصور حتى تختفي معالمها. فلا يبين منها وجه ولا أطراف، ولا ينبض فيها حس ولا شعور، ولا يأتلق منها حسن أو إثارة ثم يدعون أنهم يبنون عالمًا جديدًا من الإبداع.
إذا كان هذا حال الآخرين، فلماذا لا نفسح لكاتبنا - وأمثاله - المجال لكي يعرض تجربته ما دام يكتب بلسان عربي مبين، ويفصح في عبارة مشرقة عن هدف وغاية، ويقدم شيئًا يتسم بالجمال والظرافة إنها مشروعية الفن للصادقين من أبنائه.
فليقل في هذه المجموعة ما يريد، وليقرا من يقرأ هذه المجموعة على أنها مجموعة من المقالات والخواطر، ولينظر إليها من يريد نظرته للقصة، وليقف آخرون - وأنا منهم - لينقبوا عن مزايا هذه المجموعة، كإبداع أدبي يريد أن يرسخ قيمًا، ويصور وقائع وواقعًا، بطريقة التصوير، أو الغوص وراء الصورة والموقف، وتقليب الحدث واستنطاقه والسير وراء الخواطر المتواردة التي أثارتها حادثة، أو شخصية، أو حالة ما..
موهبة تحتاج إلى الصقل
والكاتب في المجموعة ذا موهبة حقيقية تحتاج إلى تأكيد بالإبداع المتواصل، والنتاج الأصيل المتأني، إنه يمتلك خصائص كاتب القصة في قدرته على التصوير، ولا أقصد بذلك صف الأمور من خارجها، وتحديد أشكالها، وإنما قصدت بذلك أنه حينما يقف مع الحدث جديدًا ويحس بالقضية إحساسًا عميقًا أو الشخصية يجول في الأعماق، ويفتش في كل الزوايا، وإذا استطاع أن يفكك خلاياها ليعرف ما فيها فعل ذلك، حتى يرى القارئ فيها ويشارك الكاتب بكل ما يشعر إزاء الحدث مشاركة إيجابية.
ونراه أحيانًا يتوقف عند الشخصية في حالة من الحالات ليصورها من كل الجوانب ويخبر ما بداخلها من أحاسيس وأفكار وأمال ويدعها مع القارئ الذي يتملكه الغضب أو الأسى أو الفرحة، أو التأمل، وقد تدفع هذه الصورة القارئ لتداعي أفكاره وتجاربه والغوص وراء حالات أخرى في المجتمع (2)، أو وقائع وأحداث ماضية.
عرض وتحليل
إن استعراض هذه المجموعة تبين أن الكاتب يراوح بين أسلوب المخاطبة الذي يبعد النص عن القصة (3)، وبين أسلوب التحليل والوصف والتصوير مع استخدام الرمز واستدعاء الماضي والحاضر، والمزج بين الحلم والواقع (4) الذي يدل على صورتها المعاصرة. ففي بعض القصص يكاد يختفي الحدث تمامًا، أو الشخصية، وبصورة أوضح تبتعد القصة عن كل ما يمت إلى الحكاية التي هي روح القصة، وفي بعضها الآخر، يراعى الكاتب موقع الحدث، ويمضي في رحلة عبر التداعي الحيوي للأفكار والأحاسيس، فتتحول حركة الحدث من مظهر خارجي بارد إلى حركة داخلية حارة محتدمة، وتبدو الحكاية بصورة أكثر عمقًا عندما تصبح نوعًا من البوح أو الاستكشاف أو التفسير لما يراه القارئ والكاتب معًا.
ففي قصة «الشبح»- مثلًا - يرمز الكاتب إلى صورة الفطرة السليمة التي تجافي كل نوع من أنواع التلويث والتزييف في المظاهر والسلوك والعمل والخلق والعقيدة نصر الدين - الوليد الجديد - يمثل هذه الفطرة التي تقاوم التلوث وتحتضن البراءة والخير حتى تنتصر.
أما في قصة «التلفزيون، فلا نكاد نتبين حدثًا، أو موقفًا أو شخصية إنه انطباع ورأي أقرب ما يكون إلى المقالة.
وفي قصة الخطيب - يتأرجح الموقف بين المقالة والقصة، إن الكاتب يريد أن يستوحي من موقف الموت والتشييع بعض النصائح والعبر، فيربط ذلك بشخص الخطيب الذي مات.
وفي قصة وراء السراب» يصور بطريقة رمزية نهاية الأحلام الكاذبة وراء السيادة الموهومة، والركض وراء ذلك بدون تعقل حتى تصبح السعادة مأساة، وتجني التي تركض بلا بصيرة بؤسًا ومرارة.
وفي قصة «الغربة تصوير جميل لما يحس به الغريب من مشاعر، وما يكابد من آلام ومرارة عبر ذكريات ذابلة، والغربة هنا قد تكون غربة في المكان، وقد تكون غربة في النفس والفكر والواقع كغربة المسلم.
وفي القدوة الصالحة، اقتراب من المقالة. حيث كان الحديث نوعًا من الانطباع، وعرض
صورة للامتحان والقدوة الصالحة، والصبر.
وفي «الشليف» نوع من الحكاية عن الريف وذكرياته وحياة المدرسة وتصوير البيئة، وهي تخلو من اللمسات الفنية التي رأيناها في غيرها.
وفي صاحب الوجه المقهور، تصوير لأثر الحدث في النفس، وعرض لما يشعر به القاص عندما يطالعه وجه الشخصية الوحيدة في الأقصوصة، فهناك أفكار وهواجس، وتحليل وانطباعات وأحاسيس تتداعى حتى تغيب الصورة.
وفي قصة «انتصار» وهي في نظري أفضل ما في الكتاب - استطاع تصوير أوضاع اجتماعية مأساوية، ونقل صورة من صور الإرهاق التي يعاني منها الناس إزاء تكاليف الحياة المادية المعاصرة، وأعبائها الكثيرة المزيفة، وكذلك استطاع أن ينقل لنا صورة الإنسان الذي يصمد ويصبر وينتصر حتى يصبح رمزًا للخروج من حالة القهر والكبت والخوف والعبودية، لقد كان الخروج بالصورة التي اختارها بطل القصة تعبيرًا عن حالة الحصار والضغوط الهائلة التي تحيط بالمسلم وتكبله المجتمع والسلطة، والأفكار، كل ذلك غدًا نوعًا من السياط التي تلاحق الإنسان وتجلده بدون رحمة.
القصة بين الواقع والرمز نجحت في تصویر مأساة الحياة المعاصرة، مأساة المجتمعات التي فقدت هويتها، وبدلت عقيدتها، وانساقت لزيف المبطلين، وخنعت لجبروت الظالمين.
كان تصويره للشخصية بسيطًا وعفويًا وجميلًا وعميًقا، صورها من الخارج والداخل، وتخطى المنظور إلى الخلفيات المؤثرة في الأحداث والأشخاص، واستخدم في قصته كلمات موحيه وحوارًا ناجحًا عميقًا، ورمز إلى أمور مؤثرة باختصار أسر، وكان في ذلك ناجحًا.
إن هذه وأمثالها من قصص هذه المجموعة (5) تدل على موهبته وقدرته على كتابة القصة الحديثة التي تعتمد على التحليل والرمز والإيحاء والتعمق في رسم الشخصية، ودفع القارئ للتعرف على الأهداف البعيدة للقصة، فلماذا لا يستثمر كاتبنا هذه الموهبة في إبداعاته؟ ولماذا لا يتخلص من حالة التردد بين أسلوب الخطاب والمقالة، وأسلوب التصوير والقصة ؟
ولماذا لا يستحضر روح الحكاية –دومًا- فيما يكتب ليبقى في إطار فن القصة، لأن الحكاية - بشكل من الأشكال - تبقى المعلم الذي يعطي القصة ميسمها، والحكاية لها أشكال وصور تتسع لكل التجارب.
والكاتب رغم ما في قصصه من بعض الألفاظ والعبارات التي لا تتناسب مع هدفه، وروح أدبه (٦) فإنه يمتلك القدرة على مزج الماضي بالحاضر، واستخدام الأحداث التاريخية والعبارات المأثورة، والجملة القرآنية كرموز موحية ترتفع بالحدث إلى دنياوات رحيبة وفضاءات واسعة وتزيد من عمق التأثير.
إننا ننتظر عبر مواهب واضحة، وقدرة لا شك فيها استثمارًا جديدًا لعطاءات جديدة، تفوق هذه المجموعة جودة، وتضيف إليها بعدًا جديدًا، وتزيد من وضوح الصورة المشرقة للقصة الإسلامية المعاصرة.. عبر التجارب المتعددة من هنا وهناك ..
الهوامش
- أذكر منها على سبيل التمثيل رواية الرجل الظل، و بسام يعود للدكتور عبد الرزاق حسين و«إيقاعات في قلب الزمن» للكاتبة أم سلمى من المغرب والروايات الأخيرة للدكتور نجيب الكيلاني - رحمه الله - «ملكة العنب» مملكة البلعوطي الرجل الذي أمن أهل الحميدية وغيرها .
- انظر قصص وراء السراب ص ٢٦، والغربة ص ۲۸، والقدوة الصالحة ص ٣٠...
- انظر سراييفو الصامدة ص ١١
- انظر على سبيل المثال انتصار ص ٤١ والغيرة ص ٤٦. والطابور ص ٥٣.
- مثل العبور والطابور وهجرة الحمائم والأخدود، ورحلة
- انظر ص ٣٦ عندما وردت «رسالته المقيتة وغزوه الحقير» و «بدون مبالغة» أو ورود بعض الكلمات العامية المحلية، أو الأجنبية.