; الزندقة وظاهرة القرن العشرين | مجلة المجتمع

العنوان الزندقة وظاهرة القرن العشرين

الكاتب محمد حنيف العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1983

مشاهدات 63

نشر في العدد 603

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-يناير-1983

إن ظاهرة الإلحاد  والزيغ- كأي ظاهرة طارئة غير جبلية- تطفو وتهبط وتبرق وترعد وتنطفي.. طبقًا للظروف والأهواء والبيئات والآداب.. كأي ظاهرة سخيفة لزجة.. لا رصيد لها من الصحة ولا سند لها من العلم والعقل والمنطق... 

ولو تعقبنا هذه الظواهر منذ أقدم العصور.. حتى اليوم، وتتبعنا سيرها- بالاستقراء- مع الأحداث لرأينا عجبًا عجابًا.. 

...ولكن صفحات المجلة لا تتسع لمثل هذه الأمور المطنبة.. إذن فلنركز الضوء على زوايا معينة محددة من  التاريخ.. 

إن ظاهرة الإلحاد قد تفشت في الأدمغة، أو كادت، تفشي النار في الهشيم منذ زمن.. واستفحلت- ولا سيما في القرن ١٩م- ثم أخذت هذه الظاهرة الخطرة كنفثات الجن المريد أو الثعابين السامة، تلم نفسها وتنقشع شيئًا فشيئًا عن سماء الفكر الغربي الحر... حتى أصبحت ظاهرة القرن العشرين تأخذ طريقها الطبيعي الفطري. رويدًا رويدًا إلى الأفئدة المستعدة وإلى الفطرة السليمة التي تنساق للحق. مهما كان مصدره.. وعادت المياه- نسبيًا- إلى مجاريها الأصيلة.. إذ كما نعلم أن ظاهرة القرن العشرين- على حد تعبير العقاد- هي أن أكثر المفكرين الأحرار فيه مؤمنون بالله تعالى.. بعدما كانت الظاهرة في القرن ۱۹م الإلحاد والزيغ عند أغلب المفكرين..

ومما عاضد على تفشي الإلحاد.. النظرية المنسوبة إلى لامارك وداروين.. ومسألتي النشوء والارتقاء وما أثير حولهما من جدل مرير ومن نقاش حاد ومن نقد لاذع، ومن.. ومن.. والتاريخ خير شاهد حي على تلك الصراعات.. والصرعات.. والدوامات.. والأدواء.. 

ومما ساعد على تسرب الزيغ والإلحاد إلى بعض العقول المريضة والبريئة معًا «أيد اليزم ديا لكتيك» أو بما يسمونه: المنطق الجدلي المثالي.. وقد كان يزعم «هيجل» أن هذا القانون يعمل في عالم الفكر أيضًا، فقارعه من أهل الفكر والقلم... ووقفوا أمامه.. بعد أن رأوا أنه أضل وانحرف به كثيرون... 

«ماركس...»

ثم أتى «ماركس»، فاقتفى أثره وقد توسع في النظرية تلك.. فوقع في فخ.. وأوقع آخرين في ضلال مثل ضلال هيجل.. فتصور أن القانون هذا يعمل في المادة وفي الطبيعة، وسماه: «المنطق المادي.. الجدلي»!! 

«ويا لكتيك ماتريا ليزم» فاسترسل في الضلال وتمادى في الغي- فوقع في ضلال من نوع آخر.. فأذاع أن القانون هذا يعمل تلقائيًا ديناميكيًا وأنه «إله» يخلق من الطبيعة ومن المادة الميتة الخرساء... جميع أشكال الحياة من: بروتو بلادنا إلى جنيات إلى «D. N. A» وحتى حكمه ينسحب على الذكر والأنثى والتعادل والتوازن بينهما في الكائنات الحية.. وفي كل صور الحياة وأشكال المادة وتطوراتها المذهلة وأدوارها المعقدة...

«تساءل منطقي!»

وإذا سألت: وكيف وجد كل تلك الصنوف والأنواع والألوان..؟! 

أجابك بكل بساطة- بينما يحتسي فنجانًا من القهوة- بحكم قانون: «ديالكتيك..» تلقائيًا وصدفة وعشوائيًا وأتوماتيكيًا!! هكذا يحل لك مشاكل الكون برمته وبغموض وحساباته وتنوعه بكلمتين.. ويمسح لك  تاريخ الكون الفسيح كله بما فيه من مجرات رهيبة ونجوم وشموس وأقمار وحياة وزرع وفرح ونور وحركة وعلم وضمير وإدراك وعواطف وأحاسيس وغرام وحب وقوانين وعدل.. الخ. يمسح لك بجرة قلم! هكذا يمسح لك كل سنن الكون من الذرة إلى المجرة.. بما فيهما من المدهشات والتعقيدات.. ويحل لك عالمي الغيب والشهادة بما فيهما من أسرار وغموض لا حصر لها بكلمتين يلوكهما ويمضغهما في فيه- بينما ينفخ لك في غليونه- وكأن الكائنات تجسدت في غليونه هو! والغليون في كف عفريت والعفريت ينطق وينفث وينفخ.. ويهذي..!!

فالإنسان مجمع العجائب والغرائب والمفارقات.. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 53) ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ (سورة الإسراء: 84).

يشكون والإيمان ملء قلوبهم *** ويبدون ما تلك القلوب تكذبه 

ما أصدق الذكر الحكيم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (سورة النمل: 14) ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُٰ﴾ (سورة النجم: 23).

يقول أنشتين وهو هو: لقد تقلصت دائرة التجربة في التعامل مع الحقائق الكونية السرمدية واتسعت دائرة التأمل.. وبهذا اعترف هذا العملاق.. أنه لا بد من الإيمان بالغيب.. نيوتن.. ينسبون إليه كشف الجاذبية العامة!.. نيوتن هذا الدوزنة الثقيل فقد صرخ قائلًا: حقًا اليد الإلهية تعمل قطعًا خلف النظام الكوني.. «هوجو» ذكر مما ذكر أن: عصفورًا جميلًا صغيرًا واحدًا ليدل على الخالق.. فكيف بهذا الكون الرهيب... 

عجوز أطلقت- وهي تحيك بمغزلها- إن البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير.. إلى آخر ما قالت من الأطلال والنجوم والشموس.

«معقول!!»

وهل من المعقول- يا ناس!- أن يخضع وجود الكون بأجمعه وبكل ثقله وبمن فيه وما فيه من: روعة، جمال، كمال، صنعة، حكمة، دقة، فن و.... إلخ، إلى الصدفة العمياء.. والمادة الميتة...؟!

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد *** وينكر الفم طعم الماء من سقم! 

والناس إن تركوا البرهان واعتسفوا *** فالحرب أجدى على الدنيا من السلم! 

يا ترى؟ كل أسرار الكون الغامضة.. ينسب إلى المادة الميتة واللا شعور؟! يجيبونك بالإيجاب! وشر البلية ما يضحك..

وهنا سؤال آخر أكثر إحراجًا.. إذا كانت المادة وهبتنا الحياة بكل أسرارها وحيويتها المدهشة.. والمخ والعقل والحب والعدل.. وبذل النفس والنفيس في سبيل المثل العليا.. وكرمتنا «المادة» بمئات من الخصال والصفات والخلال التي لا تحصى... فلم تشح على نفسها هي.. ولن تهب لنفسها وعينها هذه الهبات الحيوية الثمينة جدًا؟!

ولم لم تهب الطوب والحجر والمدر تلكم الخلال.. والحياة؟! يا ترى.. ما الذي حدا بها وجعلها تميز وتفرق بين أنت «كماوي حرف!» والطوب؟ لم لم تكرمه بالبصيرة والعشق والعواطف..؟!

«سؤال عن اللغة الصينية..!»

هل للمادة والطبيعة هذه شعور وإدراك وحياة؟ يقول لك على الفور: لا، وكيف إذن وهبتني ما ليس لها، وفاقد الشيء لا يعطيه، أنت لا تعرف شيئًا عن الفيزياء والطب والهندسة... وهل تستطيع أن تتولى هذه الحصص؟! 

أنت لا تجيد اللغة الصينية.. وهل يوكل إليك تعليم هذه اللغة؟!. لا!!. لن؟!. لأنك أنت تفتقر إلى هذه العلوم.. وأنت فاقدها.. أي لا يجيء منك أن تعطي شيئًا لا تملكه.. أليس كذلك؟!

يقولون أقوالًا ولا يعلمونها *** وإن قلت: هاتوا، حققوا، لن يحققوا

«إحراج، إرباك!!»

ما رأي الطبيعيين في شتى صور الحياة في البر والبحر والجو..؟! 

خذ لك مثلًا واحدًا حيًا.. الاتحاد الكيميائي: 

من المعلوم جدًا لدى العلماء أن أي مادة لا تتحد إلا بمواد- ومخصوصة مع أن أصل المواد شيء واحد «إلكترونات، بروتونات، نيوترونات...» فهل المادة العمياء- عفوًا الميتة- هي التي تمهد السبيل للأكسجين «مثلًا» وتعلم أن هذه المادة «كربون» يمكن أن يتفاعل معها، وأن هذه المادة ذهب، أو نحاس، أو قصدير... لا يتفاعل معها؟

...هل المادة- التي لا روح لها- قدرت فهدت.. أن أي مادة لا تتحد إلا بمقدار من المادة التي تتحد معها.. ويسمى ذلك المقدار «الوزن المكافئ» 

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (سورة الرعد: ٨).. ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ (سورة الحجر: 19)

يا تری فمن يهدي الأوزان المكافئة للاتحاد. ويقدر.. ويمنع الاتحاد لغير تلك المقادير المحددة، الموزونة؟ ولماذا هذا التحديد؟ ومن صاحب هذا التحديد والتقدير والتوزين والهداية؟!.

﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ (سورة الأعلى: 3)

(*) الباحث في الموسوعة الفقهية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 945

74

الثلاثاء 12-ديسمبر-1989

لماذا أدونيس في الكويت؟!

نشر في العدد 929

69

الثلاثاء 22-أغسطس-1989

بريد القراء (929)