; الزواج «العرفي».. حل وهمي يخلق مشكلات خطيرة | مجلة المجتمع

العنوان الزواج «العرفي».. حل وهمي يخلق مشكلات خطيرة

الكاتب أيمن حمودة

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1341

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 09-مارس-1999

 

مشكلات الشباب.. من كل لون 

  • الهدف الرئيس له إشباع الغريزة.. والسبب فيه تتقاسمه مؤسسات التنشئة
  • علماء الدين: زنى.. وحرام 
  • أساتذة القانون :عرضة للإنكار
  •  خبراء الاجتماع: يهدر حقوق الزوجة

الشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل.. وشبابنا يعاني من مشكلات كثيرة، تبدأ معه وتكبر دون أن تجد يدًا حانية تمسح على الجرح، وتستاصل الورم، وتزيل الألم قبل ان يستفحل.

«المجتمع» تفتح ملف الشباب المسلم، وتتناول اليوم مشكلة قديمة جديدة هي عدم تمكينه من حق شرعه الله له هو «الزواج»، مما أدى إلى ظهور أشكال مذكرة من هذا الزواج يمثل «الزواج العرفي» أحدثها، ونرجو أن يكون منتهاها.

اقتربت مشكلة الزواج العرفي من أن تكون «كارثة أخلاقية»، وتشريعية واجتماعية على المجتمع بكل المقاييس، نظرًا لما تخلفه من آثار خطيرة على طبيعة ومستقبل العلاقة بين المتزوجين، ولأنها أوشكت أن تكون من طبائع الأشياء بين طلبة وطالبات الجامعة على وجه الخصوص!

فلقد كنا نسمع عن هذه المشكلة في أوساط اجتماعية خاصة، كرجال الأعمال والفنانين والفنانات، ثم بدأنا نسمع عنها أخيرًا بين هؤلاء الطلاب، فما أيسر أن يتفق الطالب مع زميلته في الجامعة على الزواج في السر بدون علم الأهل ثم يقومان بكتابة ورقة زواج عرفية يوقع عليها شاهدان من زملائهما، وبذلك يعتقدان أن زواجهما أصبح حلالًا شرعًا!

ولخطورة هذه المشكلة عُقد الكثير من الندوات وأجمع علماء الشرع وأساتذة الاجتماع، ورجال الفكر، على أن هناك ثلاث جهات تتحمل مسؤولية انتشارها وهي: «الأسرة، والجامعة، والإعلام».

يقول الدكتور صوفي أبو طالب - رئيس مجلس الشعب المصري الأسبق وأستاذ القانون: إن مشكلة الزواج العرفي بين طلبة وطالبات الجامعة ترجع أساسًا للتنشئة داخل الأسرة، ولا أعتقد أن هناك أسرة سوية يلجأ أبناؤها لمثل هذا النوع من الزواج.

ومتفقًا مع الرؤية السابقة يوضح الدكتور أحمد خيري - أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس - أن من أهم الأسباب التي دفعت شباب الجامعة إلى الإقبال على الزواج العرفي بعض التناقضات الموجودة داخل بعض الأسر التي استطاعت أن تحسن أحوالها الاقتصادية، فتقوم هذه الأسر برشوة أبنائها اقتصاديًا وماليًا لكي يغمضوا أعينهم عن المشكلات الأسرية التي يعيشونها.

هنا يحاول طالب الجامعة - نتيجة الإشباع المادي لديه - أن يحقق ذاته في مغامرات عاطفية تعفيه من التفكير في مسؤوليات حياته، كما يحقق له مثيرات تملأ فراغه، وتغير من رتابة يومه، وفى حالة فشله في إقامة علاقة مع زميلته بالدراسة خارج نطاق الزواج، فإنه يوهمها بالزواج العرفي وهو سيئ النية يريد المتعة فقط بأسلوب لا يضره، من خلال ورقة عرفية تكون في يده ثم يمزقها بعد انتهاء غرضه.

كبت الحريات

وإذا كان بعض الأسر يربي أبناءه على عدم تحمل المسؤولية، ويكون فيها من مظاهر التسيب الكثير، فهناك على النقيض كبت للحريات في بعض الأسر، حيث لا يقوم بعض الأسر، كما يقول دكتور خالد عبد الرحمن - أستاذ علم النفس بآداب القاهرة - بإعطاء الفرصة لأبنائه من الطلبة في التعبير عن أرائهم بحرية، مما يدفع الشاب للتمرد على سلطة الأهل محاولًا إثبات ذاته وشخصيته المستقلة، ولو كان ذلك من خلال الزواج العرفي.

 وهذا ما أكده طالب جامعي بقوله: إن من أقوى الأسباب التي دفعتني للزواج العرفي رغبتي في إثبات رجولتي، إذ إن مشكلتي الحقيقية هي عدم قدرتي على اتخاذ حقوقي، وإثبات شخصيتي في المنزل، فوالدي رجل متعصب جدًا لا يعطيني الفرصة لممارسة حقوقي فقررت أن أصبح رجلًا فتزوجت عرفيًا من فتاة أحبها لأمارس حقوقي وأفرض سيطرتي عليها.

 ترجع مسؤولية الجامعة في انتشار الظاهرة إلى عدة أسباب منها :

تدنى الثقافة الإسلامية بين الطلاب، وهذا يرجع لاستبعاد مادة الدين من مناهج الدراسة مما دفع الطلبة والطالبات للإقدام على هذا الزواج، وهم غير مدركين لحقيقته وأركان وشروط الزواج الشرعي في الإسلام، وهناك أيضًا مسؤولية الجامعة في إباحة الاختلاط غير المنضبط بين الجنسين في أماكن الدراسة. 

يعلق الدكتور يسرى عبد المحسن - أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة – على هذه الجزئية بقوله: إن هناك عملية إثارة يتعرض لها الشباب نتيجة الاختلاط الشديد وغير المنضبط في مجالات التعليم، فخروج الفتاة - طالبة الجامعة - بصورة سافرة تؤدي إلى إثارة الشاب واستفزاز غرائزه، مما ينتج عنه - مع غياب الوازع الديني والتربية الأسرية الخاطئة - هذه العلاقة المشبوهة وغير المقبولة تحت اسم «الزواج العرفي».

أدت وسائل الإعلام دورًا خطيرًا في انتشار الزواج العرفي في المجتمع، وخاصة الجامعة من ناحيتين: إذ أدت دورًا كبيرًا في إثارة واستفزاز الغريزة الجنسية لدى الشباب المراهق من طلبة الجامعة، فالأفلام السينمائية تحولت إلى دعوة للمجون والعري والإباحية، وقامت هذه الأفلام بترويج الجنس وبيعه للشباب بدلًا من دكاكين وسماسرة الدعارة، والمسرح هو الآخر تحول إلى كباريهات درجة ثالثة، فالرقص والعري أصبح الهدف الرئيس لكثير من المسرحيات بغض النظر عن مضمونها.

بالإضافة لتزايد المعروض من صحف ومجلات الإثارة في المجتمع، كل هذا أدى لوجود جو مشحون بإيماءات وإيحاءات ممجوجة.

 ويوضح الدكتور أحمد المجدوب – الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية - أثر ذلك في انتشار ظاهرة الزواج العرفي بين طلبة وطالبات الجامعة بقوله: هؤلاء الشباب المراهق من طلبة الجامعة جياع، وفي الوقت نفسه يعرض أمامهم الطعام الشهي فيزدادون جوعًا!

تبصير الشباب بالزواج العرفي بصورة خاطئة من الأسباب التي يشير إليها الدكتور المجدوب كذلك، لانتشاره بتناول مسألة الزواج السري أو العرفي لمشاهير المجتمع من رجال السياسة والأعمال والفنانين والفنانات وتصويره على أنه حلال شرعًا، بدليل إقدام هؤلاء المشاهير عليه، وخطورة ذلك أن هؤلاء الشباب سيسعون للتقليد والمحاكاة، خاصة في ظل تدني الثقافة الدينية لديهم، وهذا ما أكده طالب بجامعة القاهرة بقوله: لماذا تلومون الشباب عندما يتزوج عرفيًا، وهل من حق الوزراء وأصحاب المناصب العليا والمشاهير أن يتزوجوا عرفيًا ونحن لا؟

يقول العلماء: إن الزواج العرفي لا تتوافر فيه أركان وشروط الزواج الشرعي التي اتفق عليها جمهور الفقهاء، ويترتب على افتقاده لها بطلانه وعدم صحته من الناحية الشرعية.

فالمسألة ليست مجرد إيجاب وقبول بين اثنين فقط، ولكنها أكبر من ذلك وأعظم، فأين الولي؟ وأين الشهود العدول؟ وأين الإعلان والإشهار؟ و أين عنصر التوثيق الذي يضمن حقوق الزوجة؟ إن كل هذا مفقود في الزواج العرفي.

زواج باطل

هل يحق لطالبة الجامعة أن تزوج نفسها من زميلها في الجامعة بدون موافقة الأب أي الولي، لأن أهلها سيرفضون هذا الزواج؟

أجاب عن هذا السؤال شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي بقوله: إن الزواج سيكون باطلًا استنادًا للحديث النبوي الشريف: «لا نكاح إلا بولي».

أي لا زواج صحيح إلا إذا كان بولي، وبرغم أن الإمام أبا حنيفة هو الوحيد الذي أجاز للمرأة العاقلة البالغة الرشيدة أن تزوج نفسها بنفسها بشرط أن يكون الزوج كفئًا لها، إلا أن جمهور الفقهاء وبقية الأئمة يرون أن هذا الزواج باطل لأنه بدون ولي، وأنا أرجح قول جمهور الفقهاء طبعًا.

ويقول الدكتور نصر فريد واصل - مفتي مصر: إن اعتماد البعض على مذهب الأحناف المعمول به حاليًا في قانون الأحوال الشخصية، الذي يرى أن عقد الزواج العرفي عقد زواج شرعي وإن كان غير موثق، فإن ذلك كان صحيحًا في الأزمنة والأوقات التي تحققت فيها الأمانة بين الناس ولم تنكر هذه العقود، وكان يتم الإشهاد عليها عند طلب الشهادة، إلا أن الأمر قد تغير الآن بعد أن ضعفت النفوس وقل الوازع الديني لدى غالبية الناس، وظهر كثير من المفاسد فيما يتعلق بإنكار عقد الزواج والنسب، وضياع حقوق الزوجة بسبب عدم توثيق عقد الزواج.

وقد أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى بحرمة الزواج العرفي الذي لا تتوافر فيه أركان وشروط الزواج الشرعي (الولي، الشهود، العدول، الإعلان والإشهار)، والذي يفتقد لعنصر التوثيق وما يترتب عليه من ضياع حقوق الزوجة وأولادها .

يضيع حقوق الزوجة

ومن جهتهم يقول رجال القانون: إن الزواج العرفي عرضة للإنكار من أحد الطرفين بسبب عدم توثيقه، والمحاكم المصرية لا تعترف بورقة الزواج العرفي إذا أنكرها أحد الطرفين، فإذا قال أحد الطرفين: «هذا ليس توقيعي»، أو «لا أعرف شيئًا عن هذا العقد»، فإن المحكمة تمتنع عن نظر النزاع بين الزوجين. 

يقول المستشار محمد حسن علم الدين - رئيس محكمة الاستئناف للأحوال الشخصية سابقًا- إن المشرع المصري أكد أهمية توثيق عقد الزواج حفاظًا على حقوق الزوجة وأولادها، لذا نصت المادة 99 الفقرة 4 من اللائحة الشرعية الصادرة عام 1931م على أهمية توثيق عقد الزواج، نظرًا لأنه قد تداولت الحوادث على أن عقد الزواج هو أساس رابطة الأسرة وما زال في حاجة إلى الصيانة والاحتياط في أمره، لأنه قد يتفق اثنان على الزواج بدون وثيقة رسمية ثم يجحده أو ينكره أحدهما، وقد يدعى بعض ذوي الأغراض الدنيئة الزوجية زورًا وبهتانًا، أو نكاية وتشهيرًا، أو ابتغاء غرض آخر اعتمادًا على سهولة إثبات الزوجية بالشهود، وما كان لشيء من ذلك أن يقع لو أثبت عقد الزواج بوثيقة رسمية، كما هو الحال في عقود الرهن وحجج الأوقاف، وهي أقل من عقد الزواج شأنًا، وهو أعظم منها خطرًا، وحملًا للناس على توثيق عقد الزواج وإظهارًا لشرف هذا العقد وتقديسًا له عن الجحود والإنكار. 

 

في مصر

31 حالة زواج عرفي بين طلاب الجامعة

سجلت باحثة اجتماعية في دراستها ظاهرة الزواج العرفي تحت قبة الجامعات حدوث 31 حالة زواج عرفي بين الطلبة والطالبات في الجامعة، وقد يندهش من ضآلة هذا الرقم، ولكن يختفي هذا الاندهاش والتعجب عندما يعلم أن عينة البحث شملت 510 طلاب وطالبات فقط - أي بنسبة 6.07% من إجمالي العينة - مع الوضع في الاعتبار أن معظم الأبحاث الاجتماعية التي تجرى لرصد هذه الظاهرة لا تعطي الأرقام الصحيحة، لأن هذا الزواج يتم في الظلام، وسرية تامة بعيدًا عن أعين الأسرة والمجتمع وبالتالي يصعب اكتشافه، والوصول إليه. 

وقالت الدراسة: إن نسبة الزواج العرفي بين الطلبة تظهر بوضوح بين طلبة المدن الحضرية وعددها 26 حالة من إجمالي الحالات التي تم الكشف عليها بنسبة 89.9%، بينما تتقلص إلى 13.1% من طلبة الريف، وهم في الأساس طلبة مغتربون عن أماكن إقامتهم الأصلية، أما التوزيع الجغرافي لهذه الظاهرة فيزيد في جامعة القاهرة والإسكندرية، ثم مدن القناة، والدلتا، وأخيرًا الصعيد.

وقد استقت الباحثة هذه المعلومات من الطلبة أنفسهم، ومن رجال الحرس الجامعي الذي يشاهد أفراده بعض الطلبة والطالبات في أوضاع مخلة، وعندما يتدخلون يتضح أنهم «متزوجون عرفيًا».

وكذلك من البلاغات المقدمة للنيابة العامة بشأن مشكلات الزواج العرفي كحدوث حالات حمل، أو محاولات إجراء عمليات إجهاض.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

101

الثلاثاء 28-أبريل-1970

حقوق الزّوجة.. حقوق الزّوج!

نشر في العدد 401

87

الثلاثاء 27-يونيو-1978

المجتمع الأسري (العدد 401)

نشر في العدد 1200

88

الثلاثاء 21-مايو-1996

استراحة المجتمع عدد (1200)