; السادة أعضاء الكونجرس الأمريكي .. وحد الردة | مجلة المجتمع

العنوان السادة أعضاء الكونجرس الأمريكي .. وحد الردة

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996

مشاهدات 59

نشر في العدد 1204

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 18-يونيو-1996

السادة أعضاء الكونجرس في الولايات المتحدة:

«Frank Wolf», «Christopher H. Smith», «David Funderburk», «Tom Lantos», «John Edward Porter», «Nancy Pelosi», «Linda Smith», «Tony Hall», «Dana Rohrabacher», «Donald Monzullo», «Doug Bereuter», «David Melntosh», «Tim Y. Hutchinson», «Gary Ackerman», «Steve Chabot», «Her Bert Batman», «Sam Nunn».

هؤلاء الأعضاء الذين صدرت أسماؤهم في هذا المقال عبروا عن قلقهم لمحاكمة المرتد الكويتي «قمبر حسين»، والذي ارتد عن الإسلام، حيث وجهوا رسالة في الثالث من إبريل 1996م إلى سمو أمير البلاد- حفظه الله- وضحوا فيها موقفهم من قضية ردة «قمبر حسين»، وقد قدم إلى المحكمة الجعفرية، وحكمت عليه حكمًا أوليًا بالردة، فهم يطالبون بإعطاء «قمبر حسين» حقوقه المدنية كاملة، والالتزام بالمادة «18» من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تضمن «الحق في حرية الفكر والحرية الدينية والمعتقدات».

ويبدو أن الأمر قد اختلط على السادة النواب في الكونجرس الأمريكي ما بين حرية الاعتقاد عامة، وبين ارتداد المسلم بعد إسلامه، وأرجو أن يصفو ذهن السادة النواب لأوضح لهم بعض الأمور التي اختلطت عليهم، وذلك بسبب عدم تعرفهم على حقيقة الدين الإسلامي في مثل هذه الأمور:

  • أولًا: إن الدين الإسلامي لا يكره أي إنسان على الدخول فيه، ويعطي له الحق في اختيار معتقده، ولا يرغم أحدًا على الإيمان بالإسلام في الكويت، وذلك بشهادة السيد «Robert H. Pelle Treau» نائب وزير خارجية الولايات المتحدة، وفي الرسالة التي أرسلها بتاريخ 12 إبريل 1997م إلى رئيس معهد «Ratherford Institute» للحريات المدنية:

«إن الدستور الكويتي يضمن الحرية الدينية، وتوجد في الكويت 10 كنائس، وحوالي 150 ألف مسيحي، وإن الكويت قد عرف عنها التصالح الديني، ولم تشهد الكويت أية حالة إرغام أو إكراه أو فتنة دينية لغير المسلمين».

كما تنص المادة «29» من دستور دولة الكويت على أن «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس، أو الأصل، أو اللغة، أو الدين»، كما تنص المادة «35» أيضًا على أن «حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقًا للعادات المرعية، على ألا يخل ذلك بالنظام العام، أو ينافي الآداب»، لكن في نفس الوقت فإن الدستور لا يبيح الردة عن الإسلام للمسلمين، ففي مادته الثانية «أن دين الدولة هو الإسلام»، وهذا يعني أن الدولة مكلفة بحماية الإسلام وصيانته.

وفي الكويت لم يتعرض أحد للسيد «قمبر حسين» بأي أذى بالرغم من ارتداده؛ لأن المسؤول عن تنفيذ أحكام القضاء هي السلطة التنفيذية.

  • ثانيًا:

عندما يكون الإنسان مسلمًا، وقد دخل الإسلام بكامل اختياره، وهو عاقل ومميز وحر، وهذه شروط أساسية، لذلك فإن الخروج من الإسلام إلى غيره يخضع الإنسان لأحكام خاصة تتعلق بالأحوال الشخصية التي تترتب على ردة هذا الإنسان، إذ إنه مرتبط أساسًا بحقوق اجتماعية ودينية ومالية وشخصية، ضمنها له الإسلام بإسلامه، وأعطى له حق الارتباط الإجمالي على أساسها، ولهذا فإنه بمجرد ارتداد الإنسان عن دينه؛ فإنه يتوجب وفق ديننا، وقوانين الأحوال الشخصية في إسلامنا التي يعرفها السيد «قمبر حسين» عندما دخل الإسلام بمحض إرادته، فعليه أن يلتزم بالوفاء بنتائجها.

فالقضية ليست إيمان إنسان بدين جديد مغاير للإسلام، وإنما برفض المبادئ التي آمن على أساسها ابتداءً السيد «قمبر حسين»، وشهد على أساسها «الشهادتين»، وما تقتضيه هاتان الشهادتان من حقوق وواجبات، فعلى سبيل المثال فإن السيد «قمبر حسين» لو ظل مسلمًا لم يرتد، فإن له حقوقًا في ميراث أولاده وأقاربه وزوجته، كما أن له حقًا في الوصية والهبة، والميراث، والعقود، والديون، والوكالة، والبيع، والشراء، والشفعة، والهبات، والوكالة، وغيرها من الحقوق المالية، وفي الأحوال الشخصية ما يترتب على عقود الزواج من التزامات معنوية واجتماعية ومادية والحضانة للأولاد، وكذلك في الالتزامات الخاصة بالعبادات والأنساك والذبائح وغيرها.

ولهذا فإن السيد «قمبر حسين» لو لم يكن ابتداءً مسلمًا، فإن الإسلام لا يكرهه، ولا يرتب عليه هذه الالتزامات الشرعية التي يقررها الإسلام على المسلمين.

  • ثالثًا:

كان هنا مصالح لإسلام السيد «قمبر حسين»، ولكن الخروج عن الإسلام يترتب عليه مفاسد وأضرار ونتائج سلبية، فالإسلام ليس بدين عبادة فقط، بل هو جنسية أيضًا، والخروج عليه هو نزع لهذه الجنسية، فهي خيانة من المواطنة إلى العداء، والمرتد في الإسلام يوهم غيره بعدم صلاح الإسلام، «وهذا ما يصر عليه قمبر حسين في أكثر من حديث واعتراف»، وبذلك فهو يعيد الآخرين عنه؛ فتكون جريمته لا على نفسه فحسب، بل على المجتمع، حيث يشجع الآخرين على مهاجمة الإسلام.

  • رابعًا:

نحن المسلمين نؤمن أساسًا بالكتب الصحيحة التي أنزلت على عيسى- عليه السلام- وموسى- عليه السلام- وغيرهما من الأنبياء، وفي عقيدتنا حب أنبياء الله، وحب عيسى وموسى- عليهما السلام- فلماذا الخروج عن هذه العقيدة الإسلامية الشاملة التي تجعل من الخروج عن هدي الأنبياء- عليهم السلام- خروجًا عن الدين، والقرآن الكريم الذي أخباره أخبار صدق وعدل، وأحكامه أحكام عدل ورحمة، فأي مرتد عن الإسلام إنما يرتد عن الإيمان بالرسل جميعًا، والرسول- صلى الله عليه وسلم- هو القائل: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- أكد رسالة إخوانه الأنبياء عيسى- عليه السلام- وموسى- عليه السلام- والإسلام دعا المؤمنين جميعًا في كل مكان بالإيمان بجميع الرسل، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285)، ووعد المؤمنين بالرسل جميعًا بالأجر والمغفرة والرحمة فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 152).

ووصف الكافرين به وبرسله أو المفرقين بينهم بأنهم كافرون حقًا، وهددهم بالعذاب المهين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا  أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 150-151).

فلماذا الردة إذن عن الإسلام الذي لا يفرق بين الأنبياء: محمد- صلى الله عليه وسلم- وعيسى وموسى وغيرهم، ويدعو إلى وحدة الدين الشامل الذي أنزله الله على رسله؟

ولهذا فإن الارتداد عن الإسلام إنما هو ارتداد عن أصل دين عيسى وموسى عليهما السلام.

  • خامسًا:

في كل مجتمع فإن النظم تضع ما يكفل ثباتها، ولا يهدم كيانها، ويغير من بنيانها، فالمجتمع الأمريكي- كان ولا زال- يجرم الشيوعية والفوضوية، وغيرها من المذاهب الهدامة، وأعتقد بأن السادة النواب يتذكرون جيدًا فترة الخمسينيات والستينيات، والتي انتعشت فيها الشيوعية في العالم، كيف واجه المجتمع الأمريكي طوفانها بالتجريم الاجتماعي والقانوني، وكما كانت «الماكارثية» عنيفة في مواجهة خصومها الشيوعيين، وكانت تهمة الشيوعية كافية لإسقاط أي عضو يتقدم لانتخابات مجلسكم الموقر، كذلك فإن جريمة الردة في الفقه الإسلامي فيها شيء من المماثلة لجريمة تغيير النظام الاجتماعي في الفقه الغربي، بالإضافة إلى أن الإسلام منهج مترابط ومتكامل في شؤون الحياة والآخرة، وهو دين ودولة، وروح ومادة، وهو مبني على العقل والمنطق، وقائم على الدليل والبرهان، وليس في عقيدته ولا شريعته ما يصادم فطرة الإنسان، أو يقف حائلًا دون الوصول إلى كماله المادي والأدبي، وفي المقابلة التي أجريت للسيد «قمبر حسين» في مجلة «مرآة الأمة» الكويتية، وفي حوار ديمقراطي لم تكن لديه أي اسباب مقنعة لارتداده، ولكن كل ما في الأمر أنها تجربة شخصية فاشلة لواقع اجتماعي سيئ، إنما حقائق الدين الإسلامي الصميمة فإن السيد «قمبر حسين» لم يتطرق لها، ولهذا فإن السيد «قمبر حسين» يدرك بأن الإسلام كدين لا شيء عليه مما يجعل منطقه في الردة خارج عن الحق والمنطق، وليس له غاية كريمة، ولا مقصد نبيل، وعلى هذا الأساس فإن الشريعة قد حفظت الإسلام بقانون الردة حماية ووقاية من استهتار المتلاعبين بالإيمان، ولا شيء أقوى من حماية أي نظام ووقايته من منع الخارجين عليه؛ لأن الخروج عليه يهدد كيانه، ويحقق الثورة عليه، وقد اتفقت القوانين في كل المجتمعات بما فيها المجتمع الأمريكي على حماية نظام الدولة وأوضاعها المقررة، وهل هناك أكبر من خيانة الوطن؟ وكم من مجرم في بلدكم قد قدم بهذه التهمة واستحق الجزاء عليها؟ فلماذا لا يكون للدين أيضًا سياجًا وقانونًا يحميه من الخارجين عليه؟

  • سادسًا:

كما أؤكد للسادة النواب أن يتفهموا ما تفهمته الخارجية الأمريكية من اعتبار أن الحكم الصادر بحق «قمبر حسين» إنما هو قانون ديني متعلق بقانون الأحوال الشخصية الدينية في الكويت، وأن دولًا كثيرة لديها أحكام تصدر بهذا الشكل، وأن المعني بتنفيذ هذه الأحكام هو السلطة التنفيذية، ولم يتعرض أحد لـ «قمبر حسين» في الكويت، ولا يوجد أي دليل على ذلك بأن هناك من طلب إسقاط حقوقه المدنية، فلدينا كويتيون مسيحيون ابتداء لهم حقوق المواطنة، ولم يقم أحد برفع قضايا تخص شؤون مواطنتهم.

كما أن القضية قد قدمت إلى «محكمة شيعية»، وهي المعنية بمناقشة «ردة» السيد «قمبر حسين»؛ لأنه ابتداء كان مسلمًا وليس مسيحيًا.. وهي المختصة بتطبيق القانون الشرعي فيما يعرض عليها من مسائل تتعلق بالمذهب الشيعي ومبناه وأصله في مثل هذه الأمور.

  • سابعًا:

ختامًا اعتقد أنه من المهم جدًا للسادة النواب في الكونجرس الأمريكي- إن أحبوا أن يخوضوا في قضايا دينية خاصة بالأحوال الشخصية لبلد مسلم- أن ينموا ثقافتهم واطلاعهم على الإسلام، وأن يقتربوا بشكل أكثر جدية للتعرف عليه، فأمريكا العظمى اليوم تتعامل مع شعوب إسلامية مختلفة، وتخوض غمار السياسة والحروب شمالًا وجنوبًا، وشرقًا وغربًا، فلا أقل من أن يتفهم ويطلع السادة النواب وساسة الإدارة الأمريكية- عن قرب- روح الإسلام ومناهجه، فإننا نؤيدهم، ويقلقنا ما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان في أماكن كثيرة من العالم خصوصًا عمليات التنصير وتغيير دين المسلمين في إفريقيا والبوسنة، وبلدان في آسيا تحت بصر الولايات المتحدة ومعرفتها، كما أننا لا نقبل بأية حال من الأحوال التدخل في شؤون أحوالنا الشخصية الدينية التي كرمت الإنسان، وحددت له معالم حياته بنظم واضحة، وإننا نشهد بأن «لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله»، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.

الرابط المختصر :