العنوان المجتمع التربوي (1221)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1221
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 15-أكتوبر-1996
وقفة تربوية
السبيل إلى الجنة
لو تذكر المؤمن عند البلاء الحكمة ما وراء ذلك لهان عليه ما يجد ، بل لفرح بما أصابه كما كان الصحابة - رضي الله عنهم - عندما أصابهم الطاعون كانوا يقبلون أيديهم ومواضع الطاعون فيهم لاستشعارهم بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالشهادة لمن مات بالطاعون ، فتذكرهم لفضل الشهادة هون عليهم الم ذلك الوباء ، بل صيره إلى فرح. وإنما نصاب بالغم والهم والتوقف عن العمل لله عندما تغيب عنا حكمة البلاء . يقول الإمام ابن القيم: «إن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لابد أن يمتحن النفوس ويبتليها، فيظهر بالامتحان طيبها من خبثها، ومن يصلح لموالاته وكراماته ومن لا يصلح، وليمحص النفوس التي تصلح له، ويخلصها بكير الامتحان ، كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان، إذا النفس في الأصل جاهلة ظالمة ، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية، فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كير جهنم ، فإذا هذب العبد ونقي أذن له في دخول الجنة» « زاد المعاد ۱۸/۳» لذلك كان من صفات «المتواصين بالصبر» تذكير بعضهم بعضا هذه المعاني . وتصبير بعضهم بعضا عند الإصابة بالبلاء.. وما ترديد كلمة «طهور» إلا تذكيرًا للطهارة من الذنوب ليتهيأ المؤمن لدخول الجنة من غير حبث يمنعه من الدخول .
أبو خلاد
الابتلاء على قدر الإيمان
بقلم: حجازي إبراهيم
من الحقائق التي أثبتها واقع الابتلاء في العصر الحديث، أن حجم الابتلاء الذي يصطلي به المسلم إنما يكون على قدر إيمانه، وفقهه ووعيه الذي دفعه إلى العمل بجد، وإلى البذل بسخاء، والتضحية والجهاد بقوة وشجاعة، وهذه بالتالي تؤهله لأن يقدمه الصف لأداء أدوار قعدت عنها همم الآخرين، كما أنها تحمله أعباء ينوء بها كاهل الضعفاء، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ...
ومثل هؤلاء تتجمع لديهم أسرار الجماعة وخططها وأهدافها ويكونون أوعية أمينة الأعظم الأسرار، وحين يقع ما نحذر ويقع هؤلاء في يد الأعداء، فإنهم يصبون عليهم جام غضبهم، وينفسون معهم عن شديد غيظهم، ظنًا منهم أنهم بذلك التعذيب الشديد سيقتلعون الأسرار من الصدور ويخرجون المكنون من القلوب وغاب عن هؤلاء الأشقياء التعساء خاسري الدنيا والآخرة أن الضعفاء الأسرى الذين في قبضتهم، إنما هم الأقوياء الأحرار، وقديما قالوا: صدور الأحرار قبور الأسرار.
كمال السنانيري: وما سبق يجعلنا ندرك السر في قتل الشهيد كمال السنانيري والذي كان مسؤولا في الجماعة عن الاتصالات الخارجية، وكيف أنه أعجزهم بكل ما يملكون من قوة عن أن يستلوا منه خيطًا يرشدهم على شيء من أمور هذه الجماعة المباركة، ولما أعيتهم الحيل ضاعفوا له العذاب حتى قتلوه بأيديهم الملوثة بالدماء، ثم ستروا ضعفهم أمام هذا الطود الشامخ، وبرروا قبيح فعلتهم بأنه انتحر وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا، فما كان المجاهد صابر محتسب قضى في أتون محنة الحربي وغيره عشرين عامًا، أن يختم حياته، وسني جهاده بمثل هذا الصنيع الذي يأباه المؤمن العادي فضلا عن أن يكون مجاهدًا كبيرًا كالأستاذ كمال السنانيري، والذي قال عنه الأستاذ سياف، بأننا الذين قتلنا السنانيري، يريد بذلك أن النظام المصري أراد أولا: أن يوقف دوره الجهادي في الإصلاح بين الأحزاب المجاهدة وتوحيد صفوفهم تحت راية واحدة وهذا ما لا يريد الأعداء.
وأراد ثانيًا: أن يقف منه على أسرار المجاهدين وحركة الجماعة في الخارج، فلما عجزوا عن الثانية أرادوا أن يظفروا بالأولى.
وليعلم المسلم السائر في ركب الجماعة المباركة أن ذلك كان السر في مقتل كل من حكم عليهم بالإعدام على أعواد المشانق في سنة ١٩٥٤م، وسنة ١٩٦٦م، ويضاف إليهم من قتلوا تحت التعذيب ودفنوا في الرمال التي كانت تحيط بالسجن الحربي، ولا يعلم عددهم ولا يحصي أسماءهم إلا الله الذي يعلم السر وأخفى. وما قتل هؤلاء إلا لأنهم مقدمة القافلة، ورواد العمل، وحولهم يلتف الناس، وعلى حبهم تجمعت القلوب، وكأني بهم ظنوا أنهم بقتلهم سيفرقون صف الجماعة، أو يوقفون سير الركب المبارك الهادي، وغاب عنهم أن ما يعقده الخالق لا يفكه المخلوق، وما يجمعه الله لا يفرقه أحد، وهذه الجماعة المباركة.. الله هو الذي اجتباها بالإيمان ، وألف بين قلوب أبنائها ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿26﴾ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (الأنفال: ٦٢-٦٣).
وما سبق من عذاب شديد للحاجة زينب الغزالي راجع لذلك أيضًا ...
فرج النجار: ذلك المجاهد الكبير، الذي كان يحمل من أسرار الجماعة الكثير، حين وقعت محنة عام ١٩٥٤م أمر من الجماعة بأن يهرب، ولا يُسلم نفسه، فظل عشرين عامًا هاربًا، ووقعت له في تلك الفترة من آيات الله وتوفيقاته مالا يمكن أن يصدقه الفرد العادي، فكم من مرة يكون بين يدي أعدائه، لكنه في كل مرة كان يوفقه الله لحسن حيلة، وسرعة مناورة ومبادرة تجعله يفلت من بين أيديهم، وفي بعض هذه المرات يكون هو الأمر، ويكفي أن تعلم أنه جرد حراسة كمين أعد له من سلاحه وأمره بالانصراف، وكم كان رحيمًا بهذا الحارس الذي لا حول له ولا قوة إلا الضعف البشري أمام المتسلطين على لقمة عيشه وعيش أسرته. لقد كان من رحمته وعطفه وشفقته بهذا الحارس أن قال ستجد سلاحك بعد زمن حدده له في بئر كذا فاذهب وخذه، حتى لا تؤذى من رئيسك.
ومن عجب أمر هذا المجاهد أنه في فترة اختفائه، خرج حاجاً، ثم عاد إلى مصر، وما انكشف أمره. وظل مختبئًا في مصر عشرين عامًا، ولم يظهر إلا بعد أن خرج الإخوان المسلمون من السجون وأذنت له القيادة بالظهور.
إنه الحفاظ على أسرار الجماعة والالتزام بالسمع والطاعة، مهما كلفه من مشاق، أو حمله من بذل وتضحيات. وهذا ينقلنا إلى نصيحة نتقدم بها إلى إخواننا: لا تحرص على أن تعرف ما حجبته عنك الجماعة - ولا تسأل عنه ففي ذلك خير لك حيث لا تتعرض لشدة العذاب إن ابتليت، كما أنه أمان للجماعة يحفظ نظامها من أن يقع في يدي الأعداء. كما ننصح من يستأمن على عمل في الجماعة أو عرف عنها سرا ألا يبوح به لأحد، طالما أنه لم يؤذن له في ذلك، والألتزام بالنص وعدم الاجتهاد في مثل هذه الأمور أوجب. ونضرب لذلك مثلا أنك في لجنة من اللجان، وعرض عليك أمر، أو أثيرت قضية ما، وأصبحت على علم بها في الوقت الذي لا يعلم مسئولك عنها شيئًا، فلا يصح لك أن تجتهد وتقول: معرفة مسؤولي بها لا تضر، وتخبره بذلك دون أن تؤمر بذلك ...إن واجب كل مسلم يحضر أمرًا للجماعة أن يخرج وقد جعل من صدره قبرا لكل ما دار ولا يتكلم بشيء إلا إن أمر بذلك.
أول ما يفعله المبتلى
على المسلم الصادق الإيمان حين يبتلى أن يوقن بأنه لن يفوته شيء مما قدره الله، فلا يدفعه خوفه على مستقبله الزاهر، أو ولده الذي يؤمل فيه ويحرص على تعهده وتربيته، أو زوجه التي لا عائل لها، أو والديه الذين تقدم بهم السن، وبلغوا من الكبر عتيا، وينتظر أن عودة الأمل الباسم إليهم المتمثل في ولدهم الذي ادخراه للكبر، أو التجارة الرائجة التي ستكسد بغيابه، أو الوظيفة التي سيفقدها أو سيتقدم عليه زملاؤه إن عاد إليها بعد طول انقطاع، أو دراسته التي يبز فيها قرناء.. كل ذلك وغيره كثير قد يلقي بظلال اليأس على المسلم، أو يدفعه لأن يقدم التنازلات تلو التنازلات طمعا ورغبة في أن لا يفوته ما يحرص عليه من الدنيا .وهنا نذكر الأخ المسلم المجاهد أولا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة:24)
وثانيًا: لن يكون إلا ما قدره الله والإيمان بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان.
وثالثًا: أن الله يخلفه في أهله وذويه ويتعهدهم بيد القدرة الرحيمة ويحقق لهؤلاء ما يعجزون عن تحقيقه لو لم يبتلهم الله.
ماذا يقول أهل البلاء ؟
ويحكي أصحاب الابتلاء أن مسلما قبض عليه في ليلة عصيبة وكان ولده مريضًا، ولا يملك لا أجرة طبيب ولا ثمن دواء، وكان يجلس بجانبه لا يملك حيلة، فلما أخذ من البيت ساق الله له طبيبًا بقدره عن طريق أخطاء البشر، ففي الشقة المقابلة لهم كان يوجد طفل مريض آخر، فاتصل والده بالطبيب ليحضر لكنه أخطأ فبدلًا من أن يذهب للذي استدعاه أولا فإذا به يدق على المرأة الضعيفة العاجزة التي فقدت عائلها، ويقوم بفحص ابنها، ثم يعود أدراجه، ليجد هاتفًا يستفسر عن سر تأخره عن الحضور فيخبره بأنه حضر، وقام بفحص الطفل المريض، وبعد تبين الأمر يذهب للذي استدعاه، ثم يدق الشقة المقابلة ليتبين أمرها، ويقف على سرها، فيعلم أنها قد اعتقل زوجها، وهي لا تملك ثمن الدواء الذي قرره، فيحضر الدواء في جنح الليل، ويمضي الحال سبيله، وتبيت المسلمة راضية عن ربها التي فقدت زوجها في مرضاته.
كما يحكي لسان حال هؤلاء المبتلين أن أقوامًا تعلقوا بأبنائهم ورغبوا في أن يتعهدوهم بالتربية والتقويم فداهنوا النظام الحاكم وأيدوه، وآخرين تعلقوا بربهم ووالوه، لم يقدموا على ذلك زوجة ولا ولدا، فإذا بأبناء الآخرين يصلح الله أمرهم ويتعهدهم بفضله وإحسانه وكرمه وامتنانه، فيكونون على أحسن حال في الدنيا والدين. ووجدنا من الأولين المؤيدين من لم يستطع تربية أبنائه ولا تهذيب أخلاقه والأمر أولا وأخيرًا بيد الله، ولا يملك البشر منه شيء، والواقع ناطق حتى بعيدًا عن فقه الابتلاء، فإن الكثير من الآباء يعاني من عدم قدرته على تقويم أبنائه أو هدايتهم إلى الطريق الحق وصدق رب العالمين: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ (القصص: ٥٦)
ويبقى خالد الذكر من أن نوحًا - عليه السلام - وهو النبي المجتبى لم يستطع هداية ابنه العزيز عليه، فعض على هذا الدرس أخي المسلم بالنواجذ، ووثق حبالك بالله الذي بيده الهداية، وألح في الدعاء دومًا أن يهدي ولدك وزوجك وكرر دومًا في صلاتك:
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) (الفرقان:74)
كما تحكي لنا سيرة هؤلاء المبتلين أن منهم من أخذ من مقاعد الدراسة ليعود إليها بعد عشر سنين أو تزيد طالبا لم يصبه اليأس، ولم ينقطع منه الأمل فإذا به بين عشية أو ضحاها مدرسًا معلمًا في الجامعة، ويتسع منه الخطو، وتطوى مفازات الكتب والمراجع، ليحوز قصب السبق في مجاله، ويتقدم على كل أقرانه، ممن واصلوا دراستهم، ولم يكرموا أو يجتبوا للابتلاء والاختبار. بل إن هناك من هؤلاء من بدأ دراسته أو واصلها داخل أتون العذاب ونال الكثير من الشهادات وهو من وراء القضبان. وعن ذلك يطول الحديث وما أردنا إلا أن نسوق نماذج لرواد هذا الطريق حتى تطمئن القلوب:
﴿ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ (البقرة :٢60)
توريث الدعوة
ويحقق الابتلاء للجماعة المسلمة أعظم دور، فعن طريقه يتم توريث الدعوة بطريق التلقي والمشاهدة والمعايشة، حيث تلتقي الأجيال المتعددة في صعيد واحد بعدد لو فكرت الجماعة المطاردة المضطهدة في أن تعد له ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وما أقرب الشبه بين موسى يربى في قصر فرعون، وبين شباب طاهر مؤمن يربى في ظلمات السجون، تكلوه عين الله وترعاه ليكون فيما بعد حبل النجاة، وسبيل الإنقاذ لأمة يتجمع عليها الأعداء من كل حدب وصوب، وتتداعى الأكلة إليها من كل أنحاء الأرض، ويصدق فيهم نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يوشك الأمم أن تداعي عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ قال: «بل أنتم يومئذ كثير. ولكنكم كغثاء السيل، ولينز عن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن» فقال قائل: «يارسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ( أبو داود ٤٢٩٧/١٠٨/٤، أحمد (٣٥٩/٢ ٢٧٨/٥).
قارئ هذه الكلمات قد يحسب أن كاتبها صاحب سبق في جماعة أو مر بطريق الابتلاء ويعلم الله أن شيئًا من ذلك لم يكن، وكل ما جاء في سياق هذا البحث إنما هو حصيلة قراءات عمر طويل من محب للقراءة، والغوص فيما تزخر به المكتبة الإسلامية من كتب ومراجع مع ربطه بما يقرأه من الواقع الذي يطالعنا كل صباح سواء في صحائف سيارة غير محصية.. أو وسائل إعلامية مرئية أو مسموعة... كما أنه فضل من الله ولا تملك إلا أن نقول من أعماق القلب:« سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم» وكان من الأمانة العلمية أن أرجع كل حدث المصدره، ولكن يجبر ذلك التقصير، أن الكتب والمصادر ليست بين يدي، وإنما هو مما علق بالذاكرة والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين .
ظاهرة الضعف النفسي.. وسبل علاجها
بقلم: د. مجدي الهلالي
مما لاشك فيه أن النفس البشرية لها مطالب دائمة تسعى إلى نيلها، وحظوظ تعمل على الفوز بها، وأحلام تتمنى تحقيقها، وهي حين تسعى لتنفيذ ماربها وتحقيق مطالبها لا تلتفت إلى حكم الشرع فيها، بل تنظر إليها بميزان هواها، والهوى هو ما تميل إليه النفس، والنفس بطبيعتها تهوى الراحة والكسل وتكره المشقة والتكليف، تعشق الشهوات الحسية كشهوة البطن، والفرج، وجمع المال، والشهوات المعنوية كشعورها بالعلو والرفعة عمن حولها، وحب الجاه والسلطان وامتلاك قلوب الناس وأن يشار إليها بالبنان، وتطرب بالمدح والثناء عليها.
والنفس حين تلح على القلب ليأمر الجوارح بتنفيذ طلباتها لا تنظر إلى العواقب المترتبة على ذلك، فكل ما تريده هو الشعور بالنشوة واللذة والسعادة سواء كانت حسية أو معنوية. وحظوظ النفس لا تنتهي أبدًا، فإن فتح لها باب طلبت الآخر، وإن أعطيت شيئًا من حظوظها ألحت في طلب المزيد. ولقد خلق الله - عز وجل - هذه النفس بهذه الميول والصفات لتكون هي المحك الرئيسي الصدق عبوديتنا له، فمن أراد أن يكون عبدا لله فليخالف نفسه، وهواها، وليطع أوامر ربه وليجتنب نواهيه، أما من أنهار أمام نفسه ورغباتها وشهواتها فهذا هو عبد نفسه وإن أدعى غير ذلك.
والناس أمام نفوسهم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قسم أيقن أن أعداءه هي نفسه التي بين جنبيه فرفع راية الجهاد عليها وشهر سيفه أمامها، خالف هواه وقطم نفسه عن رغباتها وشهواتها ولم يعطها من الحظوظ إلا الحظ المباح بلا توسع يطغيها ولا منع يفسد عليه أعماله وعباداته. فقد ساق نفسه وباعها إلى الله فرحًا بالثمن الغالي الذي بشره الله به:
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشتَرَىٰ مِنَ ٱلمُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلجَنَّة﴾ (التوبة :111)
فهذا هو العبد الحقيقي لربه ومولاه الذي نصر الله على نفسه فنصره الله في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ﴾ (الحج:40)
فما من معركة أمام الباطل يخوضها إلا وينصره الله فيها. ومما يدعو للأسف أن هذا القسم من الناس يندر وجوده بيننا ومن الصعب العثور عليه وإن كان موجودًا بصورة دائمة على مر الأزمان ولكن بنسب متفاوتة كما قال رسول الله:« لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».
أما القسم الثاني: فقسم قد سار وراء نفسه وهواها لا يتخلف عن طلب تطلبه ولا شهوة تريدها، هذا الصنف سائر إلى الهلاك لا محالة . إن لم تتداركه رحمة من ربه - ولم لا وقد استبدل عبادة ربه وخالقه ومولاه بعبادة نفسه وهواها فانطبق حاله مع قول الله - عز وجل: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ( الفرقان:43)
فنفسه تسوقه إلى الأرض بطينها وشهواتها فأطبقت عليه الدنيا من كل جانب، وغرق في بحرها، وأصبح أسيرًا لنفسه وهواها، غافلًا عن عبادة ربه، ومما يثير الحزن في النفس أن أصحاب هذا القسم كثيرون - على عكس القسم الأول - فما أيسر العثور عليهم ورؤية حالهم وما آلوا إليه من عبودية تامة لنفوسهم.
أما القسم الثالث من الناس فقسم قد خالف نفسه تارة وسار وراءها تارة أخرى، ففيه عبودية لله وعبودية لنفسه تختلف نسبة كل منهما من شخص لآخر بحسب حجم اتباعه الأوامر ربه أو ابتعاده عنها واتباعه لهوى نفسه. فلقد انتصر أصحاب هذا القسم على نفوسهم في مواضع كثيرة، وانتصرت عليهم في مواضع أخرى، ففيهم الكثير من مظاهر القوة والضعف أمام نفوسهم. وهذا الصنف موجود بيننا، والكثير منا - إن لم يكن أغلبنا - يندرج تحت هذا القسم وللاسف الشديد أن البعض قد خدعتهم مظاهر قوتهم أمام أنفسهم في بعض المواضع- وبخاصة المحسوسة والمرئية - وظنوا أنهم قد انتصروا عليها انتصارًا تامًا ولم ينتبهوا إلى أساليب خداعها، فمنعوا عنها حظوظها الظاهرة، وانساقوا وراء حظوظها الخفية، فانتصرت عليهم نفوسهم، وساقتهم أمامها دون أن يشعروا بذلك.
حظوظ النفس لا تنتهي أبدًا فإن فتح لها باب طلبت الآخر وإن أعطيت شينا من حظوظها ألحت في طلب المزيد
من هنا نقول إنه يخطئ من يظن أن المعركة مع النفس معركة سهلة وفي مجالات محدودة، بل هي معركة ضخمة لا تنتهي إلا بالموت كما قال أحد الصالحين:
« يموت المؤمن وسيفه يقطر دمًا». لذلك ينبغي علينا أن نداوم على محاسبة أنفسنا والتفتيش الدائم داخلها، فمن خلال ذلك يمكننا أن نضع أيدينا على نقاط ضعفنا أمامها فيسهل علينا بعد ذلك تحويل هذا الضعف وهذه الهزيمة إلى قوة ونصر وما ذلك على الله بعزيز فمواضع ضعف الإنسان أمام نفسه كثيرة منها الظاهر الجلي الذي لا يحتاج إلى بيان كالانسياق وراء الشهوات والمغريات، ومنها الخفي الذي يحتاج إلى بعض البيان.
مظاهر ضعف الإنسان أمام نفسه
مظاهر ضعف الإنسان أمام نفسه كثيرة نذكر منها:
- كثرة الحديث أمام الناس عن النفس بما يزكيها ويرفعها فوق مستوى الأقران، وعدم الملل من الحديث عن البطولات والإنجازات السابقة، والمباهاة والتفاخر بأي مظهر من مظاهر القوة أو الجاه أو السلطان أو النسب أو الأولاد أو المال وغير ذلك مما يجوز فيه التفاخر.
- الخوف والخجل من الظهور أمام الناس بمظهر الجاهل، أو المحتاج إلى المعرفة، أو الدراسة والفهم والحرص الشديد على عدم الوقوع في الخطأ أمام الآخرين، وإذا ما طلب منه فعل شيء لا يقدر عليه لا يقول لا أستطيع، وإذا مازج في أسئلة في دين الله أجاب دون أن يعلم خوفًا من ظهوره بمظهر الجاهل والمحتاج إلى المعرفة ومن ثم انتقاص قدره عند الناس.
- لا يريد أن يتفوق عليه أحد من أقرانه،« وحين لا يملك التغيير الواقع وإثبات تفوقه على غيره ممن يضعه الناس في مصاف المتفوقين فما عليه إلا أن يستره بغمطه وجحودة وتنقيصه وبالتعالي عليه في تصرفات وأعمال من شأنها إشعار الآخرين بأنه ذو امتیاز خاص». (٥)
- الاعتداد بالرأي فهو حين يناظر أحدًا من الناس يستنكف أن يرد عليه أو يخالفه في الرأي ولا يهدأ إلا إذا تنازل من يناظره عن رأيه وأبدى اقتناعه بما هو مقتنع به.
- عدم الاعتراف بالخطأ والعمل على تبرير أخطائه بشتى الوسائل.
- ضيق الصدر بالنقد والنصيحة، بل وقد يقيم صاحب هذه النفس المريضة الدنيا ولا يقعدها إذا ما كان الناصح أقل منه سنًا أو شأنًا وجاهًا أو سبقًا، وقد يتغير قلبه تجاه ناقده فيطلق لسانه فيه، ويتحاشاه، ويعمل على إبعاده عن مجالسه قدر الإمكان.
- الشعور بالنشوة والفرح عند مدح الآخرين له ويعمل على ألا تخلو مجالسه من مادحيه. وكثيًرا ما يسعى إلى استنطاق السنة الناس بالمدح والثناء عليه بتعمد وتكرار ذكر محاسنه وإنجازاته.
- الفرح والسرور إذا ما رأه غيره في موضع حسن يستحق المدح والحزن والابتناس إذا ما رؤي في موضع يعرضه للذم.
- حب الرئاسة والصدارة وأن يشار إليه بالبنانن، والحزن والضيق إذا ما تخطاه الاختيار، ومحاولة تشويه صورة من وقع عليه الاختيار والعمل على تصيد الأخطاء له وإشاعتها بين الناس.
- صعب القيادة فهو يريد أن يخضع الناس له، ولا يخضع هو لغيره بسهولة.
- ولا يعترف بعيويه ونواقصه بل ويحرص على إخفائها، ويخجل من ذكر ماضيه إن كان فيه ما يشينه.
- لا يقبل أن يقصر أحد في حق من حقوقه أما بالنسبة إليه فلا بأس من التقصير في حقوق الآخرين، ومبرراته لذلك كثيرة.
- إساءة الظن بالآخرين وتصيد الأخطاء لهم وكثرة نقدهم ونصيحتهم دون مراعاة للآداب الشرعية للنصيحة.
- عدم الرفق بالناس إذا ما كان في مقام المعلم أو الموجه، فالزجر والتعنيف والتوبيخ سمة من سماته.
- المن على الآخرين بخدماته ومعروفه، وعدم الملل من تكرار الحديث عن هذه الخدمات في جلساته الخاصة، وينتظر دوام الشكر والعرفان بالجميل ممن خدمه، وأن يسارع هذا المخدوم إلى قضاء حوائجه، ومبادأته بالسلام والوقوف له إذا ما راه وإن لم يفعل فالتشهير والتجريح والسخرية والاستهزاء هو الجزاء المنتظر.
- لا ينسب أي فضل أو نعمة تصيبه إلى الله بل ينسبها إلى مواهبه وقدراته وإمكاناته، وأنه لولا هذه المواهب ما تواردت عليه النعم.
- عدم حب الخير للآخرين، والحزن والضيق إذا ما تواردت نعمة على أحد أقرانه دونه.
- السخرية والاستهزاء بالآخرين، في حين أنه لا يقبل أن يسخر منه أو يستهزئ به أحد.
- ومن مظاهر الضعف النفسي الذي قد يكون موجودا في نفوس البعض.
- عدم القدرة على مواجهة الآخرين بأخطائهم لشعوره بالضعف أمامهم، وعدم قدرته أيضًا على تحمل نتيجة اخطائه فإذا ما صارحه الآخرون بها تهرب منها وتنكر لها، وقد يجره ذلك إلى الكذب لينجو بنفسه من هذه المواجهة.
- سهولة التنازل عن رأيه ومواقفه خوفًا من الآخرين، ومن الهزيمة أمامهم، وللأسف الشديد أنه بذلك قد هزم أمام نفسه وهو لا يدري، بل إنه في كثير من الأحيان قد يكون له رأي مخالف لما يقال حوله لكنه لا يجاهر به خوفا من مواجهة الآخرين وتعرضه للوم والسخرية منهم ومن ثم انكساره أمامهم.
الأسباب:
والأسباب المؤدية إلى ظاهرة الضعف النفسي كثيرة نذكر منها:
- عدم اهتمام الأبوين بغرس المعاني الصحيحة في نفس الابن منذ الصغر بل والعمل على غرس المعاني المضادة - دون قصد - كإشعار بتميزه على أقرانه وأنه الأحسن والأفضل والأذكى والأشرف نسبًا والأكثر مالًا، والعمل على الأنتقاص من الآخرين وإشعاره بأنه مميز عنهم، والإكثار من مدحه والثناء عليه بسبب وبدون سبب، وتلبية جميع طلباته النافع منها والضار، وعدم محاسبته وعقابه وتوجيهه إذا ما أخطأ في حق نفسه أو غيره، بل العمل على تبرير هذه الأخطاء أمامه مما يؤدي إلى تماديه في الخطأ.
- وقد يكون أسلوب التربية عند الأبوين - وبخاصة الأب - فيه من الغلظة والشدة والقهر ما يجعل الابن يتغلق على نفسه وينهزم أمامها فيحاول بعد ذلك إثبات ذاته أمام الآخرين فيكثر من الحديث عن النفس وعن بطولات وهمية وإنجازات مزعومة هو بطلها، أو تنعدم شخصيته. وينكسر أمام نفسه فلا يستطيع أن يرفع رأسه أو يدافع عن أرائه ومعتقداته أمام الآخرين، فما أسهل هزيمته أمام غيره في أضعف المعارك.
- وجود نقاط ضعف في البناء الداخلي أو البيئة المحيطة بالشخص كعدم استكمال دراسته أو عدم القدرة على الاستيعاب أو رقة حال الأسرة أو غير ذلك من نقاط الضعف، فيتولد عن ذلك محاولة إثبات الذات وتعويض هذا النقص في المحيط الخارجي فينشأ الاعتداد بالرأي والعمل على فرضه على الآخرين ومحاولة الظهور بمظهر العارف بمواطن الأمور العالم بكل شيء وعدم الملل من الحديث عن النفس بما يزكيها ويرفعها عمن حولها.
- وجود بعض المواهب والقدرات لدى الشخص، وعدم تربيته منذ الصغر على أن الله - عز وجل - هو الذي منحه إياها، وأن ذلك يستوجب منه دوام الشكر لله الخالق سبحانه وتعالى فينشأ عن عدم التربية على ذلك الإحساس بالتفوق على غيره ومقارنته الداخلية بينه وبين الآخرين والعمل على إثبات أفضليته الدائمة عليهم، لذلك قد تكون المواهب والإمكانات وبالًا على صاحبها إن لم يحسن استقبالها، ولنا في قصة قارون أفضل العبر في ذلك كما قصها القرآن في سورة القصص. ومما يعمل على استفحال هذا الأمر في نفس هذا الشخص ضعف إمكانات من حوله فلا يجد من يهزمه ولا من يناظره فالكل دونه في المستوي .
- عدم شيوع النصيحة بين الناس، مما يعطي للخطأ صفة الصواب في بعض الأحيان وفي المقابل نجد المدح والثناء منتشرًا بينهم بصورة ممجوجة ومتكلفة.
٦- عدم الاهتمام بالبناء الداخلي للذات وضياع سنوات العمر في العقود الثلاثة الأولى دون استغلالها في استكمال جوانب النقص التي لا يخلو منها إنسان، مما يجعل مظاهر الضعف النفسي تتمكن من الشخصية.
7-عدم محاسبة النفس بصورة مستمرة والرضى بما يؤدى من عبادات وطاعات دون النظر إلى محاولات النفس للاستيلاء على هذه الأعمال، وإذا ما تمكن أحدنا في يوم من الأيام من محاسبة نفسه حاسبها على عبادات الجوارح ولم يحاسبها على عبادات القلب.
8-التقدم للأمام والقفز فوق الصفوف والتصدر للتوجيه دون إعداد وتكوين، فيتعرض هذا المتصدر لشمس الشهرة قبل الأوان فيفوته الكثير كما قال الشافعي رحمه الله:« إذا تصدر الحدث فاته علم كثير» مما يؤدي إلى الفتور في طلب العلم وتكوين الذات وترويض النفس وإحياء القلب.
فالبعض عندما تسلط عليه الأضواء دون أن يكون معدًا لذلك يصبح حاله كحال من يقترب من السراج فكلما اقترب رأى نفسه كبيرًا وحقيقة الأمر أن حجمه لم يتغير وإنما ظله هو الذي كبر. ولقد خدع هذا الظل الكثير فرأوا أنفسهم أكبر بكثير مما هم عليه، فنظروا إلى غيرهم على أنهم دونهم وانعكس ذلك الإحساس على تصرفاتهم فأصبح شغلهم الشاغل فعل ما يؤكد تلك الحقيقة، والابتعاد عما يظهرهم بمظهر الجاهل أو المحتاج إلى المعرفة، فترى أحدهم يظن في نفسه أنه من أهل العلم، ويضع نفسه في مصاف العلماء. مع أنه لم يرهق نفسه في الاطلاع أو الحفظ أو المدارسة، ولم يسلك في يوم من الأيام سبيل طالب العلم، فلقد زج به إلى الأضواء وإلى الشمس دون إعداد، فإذا ما سئل عن أمر من الأمور تراه يجيب دون دراية لينفي عن نفسه صفة الجهل، وإن رد عليه شيء من قوله غضب، وإن حاج أو ناظر أنف أن يرد عليه، وإن وعظ استنكف من قبول النصح، فهو لا يرى نفسه إلا على صفحة مرأة مقعرة، ويتخيل الآخرين أضأل مما هم عليه في الحقيقة.
الهوامش
۱ - التوبة : ۱۱۱ ٤ - الفرقان : ٤٣.
٢ - الحج ٤٠. 3- متفق عليه.
5- الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن حسن حبنكة - بتصرف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل