العنوان بعد طرح ثلاث رؤى أمريكية وصهيونية وعربية.. السلام الحائر بين العرب و«إسرائيل» وواشنطن!
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009
مشاهدات 59
نشر في العدد 1859
نشر في الصفحة 24
السبت 04-يوليو-2009
- شكل الدولة الفلسطينية عند الصهاينة هي بالمفهوم القانوني الدولي «محمية إسرائيلية» يطلق عليها وصف الدولة لكنها تظل ملكًا لـ «إسرائيل»!!
- رؤية «نتنياهو» تنطلق من عكس منطلقات المبادرة العربية والفهم الدولي لأسس الصراع.
- «نتنياهو» يريد الدولة الفلسطينية «غير مستقلة» و«بيريز» يراها «مؤقتة» والكنيست يقول إنها في الأردن!
- حتى لا يتهم العرب بالتواطؤ لتصفية القضية.. مطلوب موقف عربي محدد إزاء الإصرار على المشروع الصهيوني.
لدينا الآن ثلاث رؤى واضحة من الناحية الشكلية لم يحدث التفاعل التام بينها أو الاشتباك الساخن، وقد تسرع البعض فأفتى بناء على السوابق والثوابت، بينما رأى البعض الآخر أن ما يبدو من اتساق بين الرؤى الثلاث هو الأمل والألفاظ؛ فالرؤى الثلاث الأمريكية والإسرائيلية والعربية تؤكد أنها تدعو إلى السلام ولكن لكل سلامه الخاص به.
كان يفترض أن توفق واشنطن بين الرؤيتين «العربية والإسرائيلية»، وأظن أن الظرف الحالي يفترض أولا التسليم بأن الشعور بالخطر على القضية الفلسطينية برمتها له ما يبرره، وأن نقطة الحسم التي تمكنت منها «إسرائيل» - ضمن نقاط أخرى أقل حسمًا - هي في الواقع تمزق الصف الفلسطيني الذي تراهن عليه بعد أن استفادت من الشقاق العربي حول أشباح السلام.
كما أظن أن الوضوح الآن والحزم وعدم السكوت المهذب، والمواربة، وانتظار ما لا يجيء لم يعد يجدي، بل أدى إلى تسرب أركان القرار من أيدي العرب؛ فالرؤية العربية تقوم على أن السلام يعني أن يحصل كل على حقه وفق قواعد تعارف المجتمع الدولي عليها وترك للفرقاء التفاوض حولها بحيث تجمع التسوية بين نظرية الأوزان النسبية للأطراف، وبين المبادئ المجردة التي ارتضاها مجتمع الأمم المتمدينة.
وتنطلق المبادرة العربية من أن «إسرائيل» بحدود 4 يونيو أي قبل احتلال أراض عربية وبعد احتلال 21,5% من مساحة فلسطين (فوق ما قرره لها قرار التقسيم).. هذه الوحدة السياسية بهذا الحجم يمكن الاعتراف بها وأن يتم تسوية هذا الصراع الدامي.
«إسرائيل» - في نظر العالم العربي والعالم كله دولة احتلت أراضي عربية في مصر وسورية ولبنان التي لا ينطبق عليها القرار (242)، وحيث بقيت الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية تمثل 22% من مساحة كل فلسطين، ويجب أن تنسحب «إسرائيل» منها وأن تسمح لملايين اللاجئين الذين فروا عند قيام «إسرائيل» بالعودة إلى بيوتهم وإلى وطن صار إسرائيل بعد فرارهم، وألا تعترض على إقامة دولة فلسطينية في هذا الجزء الباقي بعد قرار التقسيم وبعد التهام شريحة تمثل في مجموعها 78% من مساحة فلسطين.
وقد اعتقد العالم العربي أن طرح هذه المبادرة يكفي لكي تتفاعل «إسرائيل» معها وتدور المفاوضات حولها إذا تم قبول أسسها ومنطلقاتها.
على الجانب الآخر - «إسرائيل» نفسها كان- من المستحيل قبول المبادرة العربية؛ لأن رؤية «نتنياهو»، وهي لا تختلف عن سابقيه سوى في الصراحة والوضوح والصدق في الإعلان تنطلق من عكس منطلقات المبادرة العربية والفهم الدولي لأسس الصراع.
ونقطة الانطلاق الأولى في الفهم «الإسرائيلي» هي أن كل فلسطين كانت ملكًا لليهود، وأنهم الآن يستردونها، ومن ثم التبس موقف «إسرائيل» بين حقيقة ما تريد، وبين الطرح الدولي لجوهر القضية.
فإذا أكد «نتنياهو» أنه يقبل بقيام دولة فلسطينية (غير مستقلة) دون تحديد جسمها، فقد قال عنها «بيريز»: إنها مؤقتة، وقال عنها «الكنيست»: إنها في الأردن، كما أنها دولة منزوعة السلاح، تسيطر عليها «إسرائيل» من كل صوب وتضعها تحت نظرها.
أما الحدود فيجب أن تكون حدودًا تكفل الأمن لـ«إسرائيل» وحدها، أي تنفرد «إسرائيل» بتحديدها، ولم يقل «نتنياهو» هل تقوم الدولة فيما تبقى من فلسطين أم في الأردن؟
وأما القدس فهي عاصمة «إسرائيل» كما أن «إسرائيل» نفسها دولة يهودية خالصة، وأما اللاجئون فإنهم مأساة يجب حلها، ولكن بعيدًا عن «إسرائيل»، ونستطيع أن نتصور شكل الدولة الفلسطينية إذا سمح بقيامها في فلسطين بأنها ترفض ولا تقبل كل من عادى «إسرائيل» من الفلسطينيين أو أنها بالفهم القانوني الدولي «محمية إسرائيلية» يطلق عليها وصف الدولة، كما أن مياهها وما قد يظهر فيها ملك لـ«إسرائيل»، وطبيعي في إطار هذا المشروع الظاهر أن يظل الاستيطان هو وسيلة ضم الأراضي واستيعاب المهاجرين اليهود حتى تستولي «إسرائيل» النقية على كل الأرض، وتطرد كل من عاش بداخلها أو بجوارها في مراحل لاحقة.
ولم يفت «نتنياهو» أن يشدد على أن العائق الوحيد للسلام الذي تريده «إسرائيل» هو «حماس» وإيران، ولو استبعدا من الصورة فإن السلام سوف يرفرف على ربوع فلسطين، سلام الأحياء لليهود، وسلام المقابر للفلسطينيين، في ملحمة لم يشهد لها التاريخ مثيلا.
رؤية «أوباما» و «نتنياهو» للسلام
ما رؤية أوباما للسلام؟
الخطوط الأساسية التي عبّر عنها في خطابه بجامعة القاهرة ثلاثة هي دولة فلسطينية قادرة على البقاء، و«قدس» مفتوح للعبادة لكل أتباع الأديان الثلاثة، ووقف للاستيطان حتى يترك جزء لجسد الدولة الموعودة، فهل اتفق «نتنياهو» مع رؤية «أوباما» أم خالفها؟
يجب أن نفرق بصدد هذه النقطة بين ما يقال علنًا بين واشنطن و«إسرائيل»، وما يقال بشكل خاص، ولكن الظرف الحالي يتطلب أعلى درجات الوضوح.
فقد ذهب البعض إلى أن طروحات «نتنياهو» سوف تغضب واشنطن، وأن واشنطن في انتظار إيضاحات، ومن أنصار هذا الرأي الرئيس الأسبق «جيمي كارتر» الذي توقع صدامًا بين البلدين، وعزز ذلك أن بعض المراقبين قد أوضحوا خلال أول لقاء رسمي بين «أوباما» و«نتنياهو» أنهما غرباء يستكشف كل منهما الطرف الآخر، في هذا الإطار لا بد أن يستحث كل طرف أوراقه في معركة، إن صح الحديث عنها، فإنها لصالح العرب، ولكن المعركة وحدها لا تفعل شيئًا على الأرض، ولو شاءت واشنطن لفعلت رغمًا عن «إسرائيل»، ولعل المرافقين لـ«أوباما» خلال زيارته للقاهرة والرياض لم يفتهم التلويح بأنهم درسوا طرق معاقبة «إسرائيل» إن لم تتوافق مع الرغبات الأمريكية.
على الجانب الآخر، أعتقد أن المنطلقات الأساسية بين «إسرائيل» وواشنطن لا خلاف عليها، ولكن واشنطن تريد إرضاء «إسرائيل» وعدم إغضاب العرب، وهي تعلم أنهم لن يغضبوا، ولعل واشنطن فوجئت بتصريحات الرئيس مبارك والجانب الفلسطيني من أن «نتنياهو» نسف كل فرصة للسلام، مما يعني أن الموقف العربي من رؤية «نتنياهو» يدعو إلى بداية جديدة، وأن واشنطن هي المطالبة بتقديم هذه البداية.
المشكلة - كما أراها - أن «نتنياهو» تجاوب مع طلب «أوباما» بالاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة، ولم يشترط «أوباما» وصفًا معينًا للدولة، وأما وقف الاستيطان فهي مسألة - كما قال «نتنياهو» - يمكن الحديث مع واشنطن بشأنها، وكأن القضية كلها تنحصر بين «إسرائيل» وواشنطن، وأن «إسرائيل» كانت حريصة في تقديم رؤيتها على عدم إحراج «أوباما».
والحقيقة أنني لا أرى تناقضًا بين «أوباما» و «نتنياهو» فكلاهما يدعو إلى السلام وكلاهما أكمل الصورة من موقعه؛ فطالب «أوباما» بدولة، وسارع «نتنياهو» بتقديم صورتها ، ودعا إلى وقف الاستيطان، فأوضح «نتنياهو» أن ذلك لن يضر بعلاقة الرجلين وطالب «أوباما» بحرية المعتقد والعبادة في القدس، وقال «نتنياهو» إنه سيضمن ذلك تحت سيادة «إسرائيل»، ثم إن «أوباما» رحّب بالرؤية «الإسرائيلية».
لدينا إذن رؤيتان تبدوان متوافقتين مع اختلاف في بعض التفاصيل ومحاذير من الطرفين، ورؤية عربية تجاوزتها الأحداث ورفض عربي واستنجاد بواشنطن.. فما هي فرص السلام الحائر في فلسطين في هذه اللوحة السوريالية؟
إن البداية الحقيقية هي وحدة الأطراف الفلسطينية، وموقف عربي محدد إزاء الإصرار على المشروع الصهيوني، وأوراق عربية مساندة حتى لا يتهم العرب بالتواطؤ لتصفية القضية، أو السكوت عليها، أو الانسحاب أمام الهجمة «الإسرائيلية»، أو على أضعف الفروض ألا يكونوا كالأيتام على مأدبة اللئام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل