العنوان السلام الصهيوني والهوان العربي
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر السبت 18-مايو-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1501
نشر في الصفحة 40
السبت 18-مايو-2002
أثبت الواقع أن اتفاق أوسلو دشن مرحلة تكريس الوجود الصهيوني في فلسطين.. وكشف النقاب عن تنازل أنظمة عربية ومنظمة التحرير عن قرارات الأمم المتحدة التي تقرر بعض حقوق الشعب الفلسطيني.
استطاع اليهود ضمان استمرار مخططهم للسيطرة على فلسطين من خلال التمكين للأنظمة الثورية العسكرية في الحكم.. كيف حدث ذلك؟
اشتعلت الانتفاضة الأولى يوم 1987/12/8م عندما انحرفت شاحنة صهيونية إلى الاتجاه المضاد عند حاجز إيريز على حدود قطاع غزة مع الأرض المحتلة منذ عام ١٩٤٨، مما أدى إلى استشهاد أربعة فلسطينيين وجرح تسعة.
وقد اشتركت جميع طوائف الشعب في تلك الانتفاضة واتسعت مظاهر الغضب ومقاومة الاحتلال، وعجز الصهاينة عن معرفة قادة الانتفاضة إذ لم يكونوا من منظمة التحرير التي حطمت بنيتها العسكرية مرتين مرة في حربها ضد الحكومة الأردنية والمرة الثانية عندما لم تستفد منظمة التحرير من تلك التجربة، ودخلت إلى العاصمة اللبنانية لتتحكم فيها بعد العاصمة الأردنية ثم خرجت منها بعد أن فقدت ما بقي لها من الأسلحة.
ولما لم يكن للمنظمة دور في الانتفاضة لجأ الصهاينة إلى بعض القيادات العربية للتفاوض معها لوقف الانتفاضة أو الانسحاب من غزة وإعادتها إلى الحكومة المصرية وإعادة مدن أخرى إلى الأردن.
ولم تستثمر المنظمة الانتفاضة في الضغط على الاحتلال للانسحاب، بل سارعت في الرضوخ الإرادة المحتل في فرض المفاوضات المباشرة وإبعاد الجامعة العربية والأمم المتحدة.
وترتب على هذا أن تنازلت المنظمة عن رصيدها العربي والإسلامي وبدأت المفاوضات السرية مع الاحتلال.
وسبق ذلك اتصالات سرية مع الأمريكان وكان من شروط الحوار أن يعلن عرفات يوم 1988/12/15 الاعتراف بالكيان الصهيوني ولقد كان انهيار الاتحاد السوفيتي واحتلال صدام الكويت من أهم عوامل انفراد أمريكا بأوراق القضية في يدها، فيما سارع الاحتلال لجني ثمار ذلك.
فتحت أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة التي وصلها- خصوصاً من الاتحاد السوفيتي- خلال الفترة من ۱۹۸۹- ١٩٩٥ ما يزيد على ٦٣٠ ألف يهودي، الكثيرون منهم من الكفاءات العلمية والعسكرية العالية مما زاد من خطورة الكيان الصهيوني وقوته ومشروعه في المنطقة.
ونجحت الولايات المتحدة في جر البلاد العربية إلى مؤتمر السلام في مدريد في أكتوبر ۱۹۹۱م.
ثم كانت المفاجأة إعلان اتفاق أوسلو وكشف النقاب عن مفاوضات سرية كانت تجري بين الطرفين منذ يناير ۱۹۹۳م من وراء ظهر الوفد الفلسطيني الرسمي المفاوض برئاسة حيدر عبد الشافي ومن دون علم معظم قادة المنظمة، وقد وقع الاتفاق بالأحرف الأولى في 19 أغسطس ١٩٩٣م في أوسلو بالنرويج، وتم التوقيع عليه رسمياً في واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي كلينتون وحضور ياسر عرفات وإسحاق رابين وكشف الواقع أن هذا الاتفاق هو مرحلة التكريس للوجود الصهيوني، لأنه اتسم بالمرحلية إذ تضمن حكماً ذاتياً في قطاع غزة وأريحا أولاً وخلال شهرين من دخول الاتفاق حيز التنفيذ يتوصل الطرفان لاتفاقية حول انسحاب الاحتلال من غزة وأريحا تشمل نقلاً محدوداً للصلاحيات للفلسطينيين في مجالات التعليم والثقافة والصحة والشؤون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة، أي أنهم يديرون شؤونهم تحت السلطة الصهيونية. وبعد تسعة أشهر من تطبيق الحكم الذاتي تجري انتخابات مباشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة لانتخاب مجلس فلسطيني للحكم الذاتي فقط وتقوم قوات الاحتلال قبيل الانتخابات بالانسحاب من المناطق المأهولة بالسكان وإعادة الانتشار في الضفة لحماية الصهاينة من أي عمل فدائي، كما يتم تشكيل سلطة فلسطينية انتقالية ذاتية «المجلس المنتخب تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة لتقر اتفاق أوسلو حتى يأخذ شرعية وليتم التنازل عن الميثاق الوطني الفلسطيني.
ونص الاتفاق على أن صلاحيات السلطة الفلسطينية لا تشمل الأمن الخارجي، والمستوطنات في الضفة والقطاع، والعلاقات الخارجية ولا القدس.
وأن تستمر المرحلة الانتقالية من الحكم الذاتي خمس سنوات وللاحتلال حق النقض «الفيتو» على أي تشريعات تصدرها السلطة الفلسطينية خلال المرحلة الانتقالية. ثم تجري المفاوضات على الوضع النهائي بين الطرفين بعد عامين من بدء الحكم الذاتي، للانتهاء من القضايا المعلقة مثل مستقبل القدس والمستوطنات وعودة اللاجئين. ونص الاتفاق على أن ما لا تتم تسويته بالتفاوض يمكن أن يتفق على تسويته من خلال آلية توفيق يتم الاتفاق عليها بين الطرفين. ونظراً لأن المحتل لا يقبل بدولة فلسطينية ولو شكلية لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق على تفصيلات المرحلة الأولى «غزة- أريحا» وانقضت المهلة المحددة لانتهاء انسحاب قوات الاحتلال قبل أن تبدأ هذه القوات أصلاً بأي انسحاب.
ثم إنه بعد التنازل الفلسطيني توصل الجانبان التوقيع اتفاق القاهرة «أوسلو ١» في 1994/5/4م الذي فصل المرحلة الأولى من الاتفاق والجدولة الزمنية للانسحاب من قطاع غزة وأريحا والترتيبات الأمنية المتعلقة بذلك وبدأ دخول الشرطة الفلسطينية قطاع غزة في 18/5/1994م، وأدى أعضاء سلطة الحكم الذاتي اليمين الدستورية أمام ياسر عرفات في أريحا يوم 5 يوليو ١٩٩٤م، وكان الهدف من ذلك حماية الصهاينة من أي مقاومة للاحتلال، لهذا تم انسحاب قوات الاحتلال من المناطق المأهولة بالسكان وإعادة انتشارها في الضفة الغربية، أما إجراء الانتخابات الفلسطينية في الضفة والقطاع فقد تأخر حوالي سنة ونصف السنة، حيث سعي الاحتلال لفرض شروطه وتفسيراته الخاصة وربط إمكانية التقدم في المفاوضات بمدى تمكن السلطة الفلسطينية من تحقيق الأمن للصهاينة، أو بمدى تمكن السلطة من سحق المعارضة وخصوصاً التيار الإسلامي وعلى رأسه حركتا حماس والجهاد.
لهذا لم يتم التوصل لتنفيذ اتفاق المرحلة الثانية من أوسلو إلا بعد نجاح السلطة إلى حد بعيد في تنفيذ المهمة. وتم التوصل للاتفاق في طابا بمصر «أوسلو ٢» وتم توقيعه في 1995/9/2م في واشنطن حيث اتفق على نقل صلاحيات الحكم الذاتي إلى بعض أجزاء الضفة الغربية بالذات المدن والقرى الفلسطينية أي المناطق المأهولة وهي لا تزيد بأي حال على 3٠% من مساحة الضفة.
وأبقيت أجزاء من مدينة الخليل تحت الاحتلال. أما جميع القرى الفلسطينية فالإشراف الأمني عليها مشترك بين الجانبين والمناطق الباقية والمستوطنات تخضع للإشراف الصهيوني فقط. وخلاصة ذلك أن الحكم الذاتي الفلسطيني كان يشرف على جزر متناثرة في بحر من الاحتلال، ولا يمكن أن يؤدي إلى دولة مستقلة.
صراع وجود لا حدود:
القراءة المنصفة للتاريخ الحديث تكشف أن كثيراً من الزعامات العربية ظلت تلتزم بوصايا بريطانيا وتوجيهاتها حتى بعد أن ثبت للجميع خيانة بريطانيا للعرب بوعدهم باستقلال بلادهم نظير تحالفهم مع بريطانيا في حربها ضد الخلافة العثمانية.
وبعد أن جنى العرب ثمرة خطيئتهم هذه بتقسيم بلادهم بين بريطانيا وفرنسا وبتسليم فلسطين لليهود إذا بهم يصرون على تصديق بريطانيا فيما أشارت عليهم به من عدم إعلان قيام الدولة الفلسطينية حتى بعد أن أعلن اليهود قيام دولتهم على المساحة التي حددها قرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة. وما كان الفلسطينيون في حاجة إلى قرار من الأمم المتحدة بدولة لهم لأن بلادهم كانت تحت الانتداب البريطاني، وبمجرد انتهاء هذا الانتداب في 1948/8/15م، كانت يجب أن يتسلم الفلسطينيون زمام السلطة في بلادهم، ولكن بريطانيا زينت لهم ألا يفعلوا ذلك ورأت أن تدخل جيوشهم فلسطين لطرد اليهود المغتصبين، والتزم العرب بهذا التوجيه الإنجليزي الذي جعل قائد الجيوش العربية هو الجنرال الإنجليزي جلوب» وهم يعلمون أن الإنجليز هم الذين أعطوا وعداً بأن تكون فلسطين وطناً لليهود فكانت النتيجة أن هزمت العصابات الصهيونية جميع الجيوش العربية، ذلك أن هذه الجيوش لم تكن حرة في إدارة المعركة بل كانت تتلقى تعليمات المعركة من قيادتها السياسية والتي كانت تحت التوجيه الإنجليزي والفرنسي بسبب احتلال فرنسا وبريطانيا لبلادهم وتقسيمها بين هاتين الدولتين منذ اتفاق سيكس بيكو ١٩١٦م ولا أدل على أن الجيوش في الميدان لم تكن تملك قيادة نفسها من أنه بعد أن أصبحت على مسافة ٦ كيلو مترات من تل أبيب العاصمة المعلنة لإسرائيل قبلت هذه الجيوش وقف الحرب التزاماً بالهدنة في 1948/6/8م التي كانت لصالح الكيان الصهيوني فقد سمحت بوصول المساعدات العسكرية والمتطوعين للصهاينة، وها هو التاريخ يعيد نفسه، فبعد أن هزم الجيش المصري الصهاينة في حرب ۱۹۷۳م واضطر العدو القبول الانسحاب من الأراضي المصرية التي احتلها عام ١٩٦٧م طبقاً لما عرف باتفاق كامب ديفيد، قاد صدام حسين الحكومات العربية لإعلان الحرب على السادات ومقاطعته، مدعياً أن الجيش العراقي وحده يستطيع تحرير الأراضي العربية المحتلة في يوم أو نصف يوم بكفاته وقوته الفريدة وامتلاكه الأسلحة الكيميائية التي تبيد الجيش الإسرائيلي في ساعة من النهار.
ولكن الجيش العراقي لم يدخل حرباً مع الصهاينة بل دخل في حرب مع إيران، وبعد أن هزم في هذه الحرب سارع في الدخول في حرب أخرى بعد أن احتل الجيش العراقي الكويت ورفض الانسحاب منها.
ولم تأخذ قيادة المنظمة درساً عندما تحالفت من قبل مع جمال عبد الناصر الإسقاط حكم الملك حسين واحتلال الأردن بدعوى أن السبيل لتحرير فلسطين إنما يمر بعمان أولاً وهذا ما كررته مراراً إذاعة صوت فلسطين من القاهرة.
لم تتعظ قيادة المنظمة من الدروس المترتبة على تصرفها هذا والذي أدى إلى خروجها وجنودها نهائياً من الأردن وتمركزها في لبنان ثم تكرر الخطأ باحتلالها العاصمة اللبنانية ودخولها في مواجهة مع اللبنانيين، فكانت النتيجة أن طردت المنظمة وجنودها من لبنان ولم يبق لهم إلا الوجود الإعلامي في تونس.
وهاهم العرب والمنظمة في اتفاق أوسلو يصدقون الوعود الأمريكية كما صدقوا الوعود الإنجليزية من قبل فتنازلوا عن قرار الأمم المتحدة الصادر في 1975/11/10م باعتبار الصهيونية عنصرية.
ثم تنازلوا عن قرار الأمم المتحدة رقم 1947/181 بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية لها ٥٦ من فلسطين ودولة فلسطينية لها باقي فلسطين «٤٤% من الأرض» وذلك باتفاق أوسلو فبعد أن كانوا يرفضون هذا القرار ويطالبون بفلسطين كلها قبلوا إبعاد الأمم المتحدة عن التسوية للقضية ليكون التفاوض هو السبيل الوحيد لحصولهم على حقوقهم، مع علمهم أن الصهاينة قد سيطروا على ٩٤% من الأرض وأعلنت أن القدس عاصمة أبدية لهم بدعم أمريكي.
والتنازل هنا هو قبول إبعاد الأمم المتحدة وقبول التفاوض على الحقوق الثابتة والإقرار بأن التفاوض هو السبيل الوحيد في اتفاق أوسلو الذي وقعت عليه منظمة التحرير الفلسطينية.
وبهذا تكون قد تنازلت عن قرارات الأمم المتحدة التي تحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني ومنها القرار ٢٥٠ الصادر في 1968/4/27م بعدم السماح لإسرائيل بعمل عرض عسكري في القدس لأنها أرض فلسطينية محتلة، والقرار ٢٥٢ في 1968/5/21م ببطلان قرار إسرائيل باتخاذ القدس عاصمة موحدة لها، والقرار رقم ٢٦٧ في 1969/7/2 والقرار ۲۹۸ في 1971/9/25م باستنكار التغيير الذي تحدثه إسرائيل في القدس، والقرار رقم ٤٤٦ الصادر في 1979/3/22م بإزالة المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والالتزام بمعاهدة جنيف والقرار رقم ٤٥٢ في 1979/7/20م بوقف بناء المستعمرات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والقرار رقم ٤٦٥ في 1980/3/1م باستنكار إقامة المستعمرات وحث الدول الأعضاء في المنظمة بعدم مساعدة إسرائيل في برنامجها الاستيطاني.
فالمنظمة ومعها من ساندها من العرب تنازلوا عن قرار مقاطعة الكيان الصهيوني وعن قرارات الأمم المتحدة باعتبار إسرائيل دولة إرهابية عنصرية وقرارات الأمم المتحدة بالحقوق الفلسطينية المشروعة مقابل الوعود المعسولة في اتفاق أوسلو.