العنوان السلام في البوسنة والهرسك: نصف عام من اتفاق وهمي
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1996
مشاهدات 90
نشر في العدد 1203
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 11-يونيو-1996
الشق المدني من الإتفاق لم ير النور بعد.. فاللاجئون لم يعودوا.. وليست هناك خطة عملية لإعادتهم أو حتى إعادة تعمير منازلهم المهدمة
تبدو الصورة باهتة تمامًا مع انقضاء نصف المدة التي قررها اتفاق دايتون لإنهاء الحرب في البلاد وإحلال السلام، فباستثناء توقف المعارك وعودة الخدمات المدنية دون المستوى الطبيعي في مجالات المياه والكهرباء والغذاء، فإن الأحوال الآن كما كانت عليه يوم توقيع الاتفاق في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر الماضي، وربما أسوأ، خصوصًا وأن آلة الإعلام العالمي والتي لعبت دورًا هامًّا في الأحداث قد ولت ظهرها للبوسنة، فيما حماس المجتمع الدولي وصرامته التي أبداها في بداية تطبيق الاتفاق راحت تخبو شيئًا فشيئًا.
أما الشق المدني من الاتفاق فإن نصوصه لم تر النور بعد، فاللاجئون لم يعودوا إلى بلادهم، وليست هناك أية خطط عملية منظمة لإعادتهم سواء من الخارج، أو للسماح للمتواجدين -فهم داخل البوسنة- للعودة إلى مناطقهم، أو حتى لإعادة تعمير منازلهم المهدمة.
والأخطر أن اللجنة الدولية الموكل إليها الإعداد للانتخابات وإدارتها لا تولي قضية اللاجئين أهمية كبيرة كشرط لإتمام العملية الانتخابية المقررة في سبتمبر القادم، وكما هو معروف فإن عدد اللاجئين يتجاوز المليوني مواطن غالبيتهم العظمى من المسلمين، ومن ثم فإنه يمكننا أن نتصور نتيجة انتخابات سيتغيب عنها نصف عدد السكان، وبالتالي نصف عدد المسلمين، وهي الانتخابات المسؤولة عن تشكيل النظام السياسي للبلاد في المرحلة المقبلة من خلال أدواته المعروفة من برلمان وحكومة.
وإذا كانت هناك تعهدات دولية بتمكين اللاجئين في أوروبا من المشاركة في الانتخابات، فإنه لا يمكن الوثوق أيضًا لا بنتائجها ولا بدقتها، على صعيد آخر فإن الجهود والتهديدات الأمريكية الأخيرة لم تنجح في حث رئيس صربيا سلوبودان ميلوسوفيتش على اتخاذ إجراءات حاسمة لإلقاء القبض على مجرمي الحرب رادوفان كاراذيتش، وقائد قواته راتكو ملاديتش.
والرئيس الصربي يخاف في ذلك من المعارضة الداخلية في بلاده إذا هو قدم تسهيلات في هذا الإطار، خصوصًا وأن المتهم رادوفان كاراذيتش -زعيم صرب البوسنة- كان يسير على هدْي الرئيس الصربي ووفق الخطوط التي حددها له طوال سنوات الحرب.
أما مسؤولو قوات حلف شمال الأطلسي في البوسنة فإنهم لا يبدون حماسًا لاتخاذ أي إجراء فعلي لإلقاء القبض على كاراذيتش، وملاديتش، أو حتى التقييد من حريتهما.
وكما هو معروف فإن قوات حلف شمال الأطلسي تنتشر في كل مناطق البوسنة سواء الخاضعة للمسلمين أو للصرب أو للكروات، غير أن الزعيمين الصربيين يتحركان كيفما شاءا، ويعقدانالمؤتمرات ويشاركان في إدارة دفة الحكم في الكيان الصربي الانفصالي في البوسنة.
وفي الأيام الأخيرة بدأ الحديث يتحول من إلقاء القبض عليهما إلى المطالبة بتنحيتهما عن مواقعهما القيادية وعدم المشاركة في الانتخابات القادمة، مما يشير إلى تنازل المجتمع الدولي بهذا الشأن.
واللطيف في الأمر -إذا صح التعبير- أن رموز ما يطلق عليه التيار المعتدل الصربي والذين سيخلفون كاراذيتش يتحدثون عن عزمهم تنظيم استفتاء عام في البلاد «يقصدون في الأراضي البوسنية الخاضعة لهم» بعد إتمام الانتخابات المقررة في سبتمبر القادم، لإقرار انفصال الجزءالصربي من البوسنة تمهيدًا للانضمام إلىصربيا، وهو الخطر الذي حارب المسلمون ضدهطوال ما يقرب من أربع سنوات، ودفعوا من أجلالتغلب عليه مائتي ألف شهيد.
أما حركة المواطنين فما زالت -على غير ما نص عليه اتفاق دايتون- مقيدة، فلا يستطيع -المسلمون تحديدًا- الانتقال من منطقة إلى أخرى، وعلى شاشات التلفاز شاهد العالم كله صورة حية لاعتداءات من مواطنين صرب على مواطنين مسلمين أرادوا فقط زيارة قبور موتاهم، وديارهم في المناطق التي طردوا منها، ووقفت قوات الإيفور كشاهد زور ترقب الأحداث دون أي تدخل، وهي الأحداث التي أدت إلى مقتل وجرح خمسة عشر مواطنًا مسلمًا.
حتى في الشطر الخاضع للكروات، فإن المسلمين معرضين للاعتداء أو لإلقاء القبض عليهم من قبل حلفائهم الكروات، وهو الذي يفتح بالضرورة ملف الفيدرالية بأكمله.
تحالف مع وقف التنفيذ
إذا أردنا الحديث عن مصير الفيدرالية فيجب أن ننجح في رسم صورة حقيقية للواقعالحالي وطبيعة العلاقة بين المسلمينوالكروات، وفي هذا الإطار يجب الاعتراف بأنهناك تناقضًا لأبعد حد بين التصريحاتالعلنية لقيادات الطرفين، وما يصدر منقرارات واتفاقات بينهما وبين ما يجري علىأرض الواقع.
والحقيقة المؤلمة أن الفيدرالية لا تعدو أن تكون سرابًا لا حقيقة له، فالطرفان ليست لديهما أية إرادة سياسية في إقامة تحالف حقيقي بينهما.
الكروات خضعوا للضغوط الأمريكية بشأن إقامة دولة فيدرالية مع المسلمين بعد النجاحات العسكرية التي حققها الجيش البوسني ضدهم، وخسارتهم لأرض شاسعة في وسط البوسنة، والمسلمون خضعوا أيضًا للضغوط الأمريكية ذاتها، لأن المجاعة التي كانوا يعانون منها بفعل الحصار الصربي والكرواتي عليهم وصلت إلى أقصاها.
ولن أنسى أنني كنت يومًا في خندق للمسلمين في محيط مدينة فييتز عندما كان المسلمون يحاولون دخولها، وسأل أحد الجنود المسلمين زميله فيما القصف المتبادل كان في أعنف درجة، سأله: هل لديك أي شيء يؤكل ولو قطعة بسكويت؟ فضحك الآخر ساخرًا، وقال له: لم أتناول شيئًا منذ أربع وعشرين ساعة.
اضطر المسلمون والكروات إذًا للخضوع لهذه الفيدرالية، لكن حلم كروات البوسنة بالانفصال بأكبر سماحة ممكنة من البوسنة والانضمام إلى كرواتيا، هذا الحلم مازال يحكم تصرفاتهم وسلوك قياداتهم، بينما المسلمون يرفضون أن يتقاسموا الحكم مناصفة مع الكروات الذين يمثلون سبعة عشر بالمائة من السكان فيما المسلمون يزيدون عن النصف.
أما الولايات المتحدة الأمريكية راعية الفيدرالية، وحاضنة المشروع السلمي، فإنها حريصة على إنجاح مهمتها، ولو من خلال جرعات مكثفة تحول دون انهيار جسدٍ وُلِد مفتقدًا أسباب البقاء، ومن ثم فإنه لا مانع من المزيد من المؤتمرات والقرارات التي ستلحق بما سبق إصداره من قرارات، في الوقت الذي يوقن فيه الطرفان، المسلمون والكروات، أن حربًا ضارية سوف تنشب بينهما عليهما الاستعداد لها من الآن، وهذا بالضبط ما يفعلانه خلف عدسات الكاميرات.
سيادة منقوصة
ومن الملاحظ أيضًا أن قوات الإيفور تتعامل في البوسنة مع السلطات المحلية كقوات احتلال، فالأرض بأكملها مفتوحة أمامها، تتصرف وتسلك كما تشاء باستثناء القبض على مجرمي الحرب، وعندما يكون المرء في البوسنة بوسعه أن يلحظ ذلك بسهولة، أبسطها أن سيارات الإيفور لا تعبأ لإشارات المرور، ولا لتعليمات رجال الشرطة البوسنية ونظامهم، والأهم أن المنسق المدني كارل بيك مشغول هذه الأيام بالاستعداد لإنشاء جهاز تلفزيوني خاص يقوم بتغطية جميع أنحاء البوسنة، ليس للحكومة البوسنية أية سلطة عليه بدعوى أن هذا الجهاز الإعلامي سيكون محايدًا، وسيدعو إلى وحدة الشعوب الثلاثة على الطريقة الأوروبية بالطبع، ويتردد أنه تم رصد ٢٥ مليون دولار للمشروع.
ويمكن للقارئ أن يتصور كم مشكلة يمكن أن يحلها هذا المبلغ، خصوصًا لآلاف الشباب الذين تم تسريحهم من الجيش، ويبحثون الآن عن أية وظائف أو فرص عمل، ويمكن تصور كم عائلة لاجئة يمكن لهذا المبلغ إعادة تعمير بيتها الذي خربته الحرب، وهي مناسبة للإشارة مجددًا إلى الخراب الشامل الذي أصاب الاقتصاد البوسني، والذي ما زال بدوره في انتظار المساعدات الموعودة من الفاعليات الدولية، في الوقت الذي هجم فيه على سراييفو المستثمرون الكروات لإنشاء مشروعاتاستهلاكية، ويبدو أنهم هكذا فهموا الفيدرالية.
أما على الصعيد العسكري وبحسب تصريح قائد الجيش البوسني الجنرال راسم ديلتش، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تفِ حتى الآن بوعودها بتسليح وتدريب الجيش البوسني ليصبح قادرًا على حفظ وحدة البلاد مع قوات الإيفور، طبقًا لما نص عليه اتفاق دايتون.
ومازال القائد البوسني يجوب البلاد الإسلامية في حملة لجمع رأسمالٍ يكون قادرًا على إمداد قواته بالسلاح الحديث.
هكذا تبدو الأمور في البوسنة بعد مرور حوالي ستة أشهر على بداية تطبيق اتفاقدايتون للسلام.
ومما لا شك فيه أن ثمة مكاسب حققها المسلمون خلال الحرب من الصعب خسارتها مجددًا، أهمها اكتشافهم لهُويتهم، وتدريب وبناء كوادر في المجالات السياسية والعسكرية، لكن ذلك لا يمنع من القول إن الخطر ما زال يهدد الوجود الإسلامي في البوسنة.. وبشدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل