; السلطويات الخمس للحداثة العربية | مجلة المجتمع

العنوان السلطويات الخمس للحداثة العربية

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011

مشاهدات 81

نشر في العدد 1976

نشر في الصفحة 40

السبت 05-نوفمبر-2011

دراسات

  • «النظم الحاكمة » و «النخب المثقفة » و «العسكر » و «رأس المال الطفيلي » و «المدينة ».. سلطويات تمسك بخناق مجتمعاتنا منذ أكثر من نصف قرن
  • فعاليات «الربيع العربي » يجب أن تستمر حتى تنجح قوى التغيير في تقويض أركان هذه السلطويات
  • من حق «الأغلبية الصامتة » أن تتخوف من أولئك «المتعلمنين ..» وتحذر من أن يكرروا الفشل والاستبداد اللذين أسهموا في وقوعهما بتحالفهم مع الحكام المستبدين

يدرك شباب الثورات العربية في تونس ومصر وسورية واليمن وليبيا وغيرها أن مهمة التغيير التي تصدوا لها ليست يسيرة، ولكنهم يؤمنون أيضاً أنها ليست مستحيلة، وأن بالإمكان التفوق على هذه الأنظمة المستبدة التي «شاخت » وأكلتها دابة الأرض، بعد أن زاد عمرها عن متوسط أعمار أغلبية شباب «الربيع العربي ،» الذي فاض به الكيل، فقرر الاحتشاد في الميادين والساحات المفتوحة في العواصم والمدن إلى أن ينجز مهمات التحول الديمقراطي بطريقة سلمية.

ويدرك هؤلاء الشباب أيضاً أن سقوط رأس أي نظام من هذه الأنظمة الاستبدادية وإن كان عملاً ينشرح له الفؤاد، إلا أنه لا ينال به غاية أمنيته؛ حتى ولو كان رأس المستبد بحجم وإجرام الهالك «القذافي».

خمس سلطويات

وما نود أن نلفت النظر إليه هنا هو أن ثمة خمس سلطويات تمسك بخناق مجتمعاتنا منذ أكثر من نصف قرن، وأن فعاليات «الربيع العربي » يجب أن تستمر إلى أن تنجح قوى التغيير في تقويض أركان السلطويات الخمس، وهي:

1- سلطوية «النظم الحاكمة »، وهي بحد ذاتها لا تشكل «نخبة» بالمعنى العلمي لمفهوم النخبة، وسواء جاءت هذه «النظم» بالوراثة في النظم الملكية، أو بالانقلابات العسكرية في النظم الثورية، أو بالاستفتاءات أو الانتخابات المزيفة في النظم التي ترفع شعار «الديمقراطية»؛ فإن جوهر ممارستها للسلطة واحد وهو «الاستئثار»، وقد وجدت هذه النخب السياسية الحاكمة باستمرار دعماً من «البيروقراطية» المدنية وفق «برادايم» يقضي بانصياعها للأوامر الآتية باستمرار من أعلى لأسفل.. وعوضاً عن أن تقوم البيروقراطية بدورها «التحديثي» في ترشيد أداء الجهاز الحكومي، وتعظيم المصلحة العامة، تحولت تحت قيادة النخب «المتعلمنة» في أغلبها إلى ميدان للمحسوبية والرشى والفساد والإهمال ومن ثم باتت عنواناً على «الفشل».

دور تسلطي

2- سلطوية «النخب المثقفة»، وهذه النخب في أغلبها تلقت تعليماً عصرياً، وفي أرقى المدارس والمعاهد الغربية في كثير من الأحيان، أي أنهم لم ينقصهم شيء فيما يتعلق معرفة قيم الحداثة وأصولها النظرية، ولم يعوزهم الاطلاع على مؤسساتها ومنافعها، كما لم ينقصهم الاستمتاع ببعض ثمرات هذه المؤسسات ونتائجها الإيجابية، وأغلبيتهم مكنتهم «السلطة الاستبدادية» من الإمساك بمفاصل الدولة، وبخاصة في مجالات التعليم، والثقافة، والإعلام الرسمي، فضلاً عن مؤسسات نشر الفنون والآداب، وكل ما يؤثر في تكوين وتوجيه الوجدان العام في المجتمع.

ومع كل هذا، لم تقم هذه النخبة إلا بدور تسلطي، ولم تتحول إلى ممارسة دور تنويري للرأي العام، وكان السبب الرئيس في انفصالهم عن هذا «السواد الأعظم » هو أنهم تبنوا فكراً «وافداً »، وسعوا لفرضه بقوة «الدولة »؛ كل من خالل تسليط صلاحيات منصبه البيروقراطي في فرض رؤيته الخاصة، وإقصاء أصحاب الرؤى الأخرى حتى من الوظائف البسيطة في مؤسسات التربية والتعليم، كما حدث في مصر مرات لا تحصى بإقصاء آلاف المدرسين وتحويلهم لوظائف إدارية بحجة أنهم «متطرفون» ينقلون تطرفهم للأجيال الجديدة! وكان سؤالنا دوماً عندما يحدث شيء من ذلك هو: لماذا يؤثر هؤلاء المتطرفون ولا تؤثرون أنتم في الأجيال الجديدة؟ ولماذا لا تطبقون معهم مبادئ وقيم الحداثة مثل: الحوار، واحترام القانون، وحقوق الإنسان، وسماع الرأي الآخر؟

توجهات حداثية

3- السلطوية «العسكرية»، وهذا النمط مارسته النخب العسكرية بعيداً عن الأنظار - في أغلب الحالات - وفي وضح النهار في حالات أخرى عندما كانت تقوم المؤسسة العسكرية بالانقلاب على الوضع القائم، الأمر الذي تكرر عشرات المرات في مختلف البلدان العربية منذ أول انقلاب عسكري قام به «بكر صدقي» في العراق في الثلاثينيات من القرن الماضي، إلى آخر موجة انقلابية نهاية الستينيات وبداية السبعينيات في كل من ليبيا والسودان وسورية.

وكانت «مؤسسات الحداثة السياسية» الهشة، هي أولى ضحايا تلك الانقلابات في كل مرة إلغاء الدستور، حل الأحزاب، تعطيل البرلمان، مصادرة الصحافة.. إلخ، ثم سرعان ما يسترد «رئيس مجلس قيادة الثورة» من تلك المؤسسات ما يشاء منها، وما يراه نافعاً في تثبيت أقدامه في الحكم إلى مالا نهاية، وتصادف أن جميع قادة الانقلابات

العسكرية العربية كانوا من أصحاب التوجهات «الحداثية» العصرية، ولم يكونوا من ذوي التوجهات الإسلامية اللهم إلا لمرة واحدة في السودان سرعان ما أحاطتها المؤامرات من الداخل والخارج.

وليس أدل على قسوة «السلطوية العسكرية» وكراهيتها «للسواد الأعظم» من الحالة الجزائرية التي انقلب فيها قادة الجيش على الإرادة الشعبية في أول انتخابات حرة سنة 1991 م، وفضلوا إغراق البلاد في بحر من الدماء مدة عشر سنوات، على أن تخوض البلاد التجربة إلى نهايتها وتتحمل نتيجة اختياراتها الحرة مهما كانت.

أنظمة قمعية

4- سلطوية «رأس المال الطفيلي » واحتكار القلة، وقد نما هذا النمط من رأس المال في ظل أنظمة القمع والاستئثار بالسلطة، وقاد مؤسسات القطاع الخاص نخبة من خريجي «النظام القمعي»؛ فأصحابه إما مسؤولون سابقون بالحكومة، أو من كبار ضباط الجيش والأجهزة الأمنية بعد انتهاء خدمتهم الرسمية، أو من أصهار وأتباع وحواشي الأسر الحاكمة، وأغلبهم من ذوي التوجهات «الحداثية » ومن عشاق نمط الحياة الغربية، والوله بمتابعة آخر صيحاتها، وأغلب مشروعاتهم لا تخدم «السواد الأعظم »، وإنما هي لخدمة «النخب» التي ينتمون إليها، أو للقيام بمشروعات استهلاكية تسهم في تدمير قيم العفة والاقتصاد عن «السواد الأعظم».. وفي جميع الحالات، فإن روابط جماعات رأس المال الطفيلي مشدودة للخارج أكثر من اتصالها بالداخل، وأغلب مكاسبها التي تمتصها من دماء «السواد الأعظم» تسرع بتحويلها للبنوك الأجنبية وتحرم الاقتصاد الوطني منها.

نظرة دونية

5- سلطوية «المدينة » على ما عداها من المراكز والمناطق الريفية والبدوية في مختلف بلداننا العربية، ورغم أن قاطني الأرياف والبوادي يزيدون على ثلاثة أرباع سكان أي بلد عربي، فإن حظهم من الثروة القومية والوظائف العليا لا يتكافأ مع نسبتهم العددية ولا مع دورهم الكبير في تزويد سوق العمل والإنتاج بالنسبة الأكبر من اليد العاملة، وبحكم نشوء النخب المتغربة، ووجود مركز السلطة السياسية وأغلبية مؤسسات «الحداثة السياسية » في المدينة/ العاصمة والمدن الكبرى؛ سادت ثقافة لدى «السواد الأعظم » مفادها أن «العاصمة » هي سيدة المدن، وأن المدن هي سيدة القرى والأرياف؛ وعليه فقد سادت نظرة «دونية » إلى أبناء الريف والمراكز الحضرية الصغيرة والبوادي، باعتبار أنه لم يتحصل على قدر كاف من «الحداثة »، حتى ولو أثبت أنه أكثر ذكاءً وفطنة من أبناء المدن.

وتبني المقارنات بني طبائع الاجتماع السياسي لأهل «المدن »، و «أهل الريف» أن الأغلبية أو «السواد الأعظم » من الجانبين «متدينة »، ومحافظة في سلوكها الاجتماعي؛ بحكم وحدة المنشأ الاجتماعي لكليهما، وبحكم حركات الهجرة الواسعة من الريف إلى المدن سعياً وراء فرص عمل أفضل، أو للحاق ب «حداثة المدينة»، بعد أن نسي الممسكون بأزمة القرار أن ينقلوها إلى الأرياف في إطار سياسات التنمية غير المتوازنة التي انتهجتها سلطات «الدولة الحديثة».

وفي جميع الأحوال ظلت «المدينة» هي مستقر المجموعات النخبوية الأربع: الأسر الحاكمة، والنخب المثقفة/ المتغربة، والقيادات العسكرية، وكبار رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال.. ومن ثم اكتسبت المدينة «سلطوية » إضافية على حساب القرى والمناطق الريفية.

لحظة نادرة

تلك هي «السلطوية » خماسية القوة التي أفرزتها الحداثة السياسية المزيفة في بلادنا، وما يبشر بالخروج من أسرها وكسر أغلالها هو أن الشباب الذين أسهموا في صناعة «الربيع العربي» قد أتوا من جميع أنحاء المدن والبلدات والقرى والنجوع والبوادي، وليسوا «ظاهرة مدينية» فقط، وفي تقديرنا أن المهمة الأولى للثائرين العرب هي أن يمسكوا بهذه اللحظة النادرة في تاريخ الاجتماع السياسي العربي، وأن يجعلوها بداية حقيقة لعودة «السواد الأعظم » إلى حلبة «المجال العام».

ومن حق «الأغلبية الصامتة»، أو «السواد الأعظم» أن يتخوف من أولئك «المتعلمنين» وأن يحذر من أن يكرروا الفشل والاستبداد والهزائم والمظالم والعذابات التي أسهموا في وقوعها بتحالفهم مع الحكام المستبدين خلال المراحل السابقة من عُمر «التحديث» في بلادنا.

الرابط المختصر :