; السودان.. أسئلة المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان السودان.. أسئلة المستقبل

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002

مشاهدات 75

نشر في العدد 1514

نشر في الصفحة 30

السبت 17-أغسطس-2002

  • لا تزال التجربة السودانية في الحكم الإسلامي توالي دروسها لكل الحركات الإسلامية، ومنها أن خبرة الحكم ومعاناته تختلف تمامًا عن مرحلة الدعوة وبناء الرجال

فاجأ الوفدان المجتمعان في منتجع «مشاكوس» الكيني في ٢٠/٧/٢٠٠٢م السودانيين والدول المجاورة والمراقبين بتوقيع اتفاق إطار بين الحكومة السودانية ووفد الحركة الشعبية لتحرير السودان «حركة جارانج»، وكانت المفاوضات التي تمت برعاية عملية «إيجاد» للسلام. والتي استبعدت منها مصر وليبيا. كانت تفشل ككل الجولات السابقة لولا الضغوط الدولية والإقليمية حتى كان الاختراق في اللحظات الأخيرة. وأول ما يلفت الانتباه أن الاتفاق جاء وليد الضغوط الدولية والإقليمية وشكل مفاجأة لمصر التي مازالت تتوجس منه خيفة، ووصفته دوائر صحفية بانه يشكل «أوسلو ثانية» لمصر.

السودان بالنسبة لمصر قضية أمن قومي. فشريان الحياة «النيل»، يتدفق إلى مصر عبر السودان، ويشكل الجنوب أحد أهم المناطق التي تتحكم في مياه النيل، ولا ترغب مصر أبدًا في رؤية دولة جنوبية جديدة لا تلزمها الاتفاقية التي توزع مياه النيل بين البلدين (۱۹۲۹) أو تلك التي تنظم العلاقة بين دول حوض وادي النيل، بل لا ترغب مصر في مجرد إثارة الجدل من جديد حول تلك الاتفاقيات فضلًا عن أن مجرد تقسيم السودان يثير المخاوف حول تقسيم مصر نفسها، خاصة إذا جاء في إطار «إعادة ترتيب المنطقة»، في ظل السياسة الأمريكية الجديدة التي تتبنى خطط شارون الصهيونية وترى أن تحقيق الأمن الصهيوني، يأتي في المقدمة دائمًا. ومعروف أن الخطط الصهيونية ترمي دائمًا إلى «بلقنة المنطقة» وتنفيذ الأسلوب الذي تم اتباعه في تقسيم منطقة البلقان إلى دويلات تمثل الأقليات العرقية في هذا السياق يأتي في المقدمة تقسيم العراق إلى ٣ دويلات ولا تدري مصر هل يأتي الدور عليها خاصة في إطار صفقات كبرى حول توريث السلطة!

كانت «أوسلو الأولى»، في فلسطين تهديدًا حقيقيًا لأمن مصر القومي جاها من ا الشمال الشرقي ولم تحط به علما، وها هي اتفاقية «مشاكوس» تمثل أوسلو الثانية من الجنوب الذي يشكل خطرًا أكبر.

مما يثير المخاوف والقلق أن الاتفاق تم برعاية وضغوط أمريكا التي أرسلت السيناتور السابق القس دانفورث قبل شهور، وأن الدولة الوليدة في الجنوب - سواء أكانت خلال المرحلة الانتقالية التي لم تتضح معالمها بدقة-أم إذا تم اختيار «الانفصال» عندما يتم الاستفتاء حول تقرير المصير وهو احتمال قائم في ظل أزمة الثقة وفي ظل الضغوط المتزايدة - هذه الدولة ستكون مصدرًا للقلق لوقوعها تحت الحماية الأمريكية وستمثل إسرائيل الثانية في الجنوب، وكذلك لازدياد احتمالات عدم الاستقرار الداخلي عندما تتوقف الحرب الأهلية وتأتي استحقاقات السلام وبناء الدولة في عالم قبلي، لم يعرف الاستقرار منذ استقلال السودان.

لقد تقدمت مصر وليبيا بمبادرة للمصالحة السودانية موازية لمبادرة دول الإيجاد، ولكنها لم تحظ بالقبول الدولي، ورغم ما بذلته الدولتان من جهد إلا أن اتفاق الإطار الأخير تم من وراء ظهرهما، ولعل الحساسية الموجودة تجاه نظام الحكم في السودان لتوجهه الإسلامي، وحالة الاحتقان بسبب الاعتداء الذي تم على موكب الرئيس المصري في أديس أبابا عام ١٩٩٥م. واتهمت أجهزة المخابرات السودانية بالتورط فيه. قد منعا مصر من بذل جهد أكبر في الشأن السوداني.

 والآن ها هي مصر تجني ثمار سياسة الإهمال والتجاهل لما يتم في جنوب الوادي، وهي سياسة مستمرة منذ قرن من الزمان ويجب مراجعتها، بل على القوى السياسية كلها أن تبدي قدرًا من المراجعة لموقفها من السودان.

إذا كانت المخاوف والهواجس تشغل بال المصريين فإن الآمال حول المستقبل بدأت تنتعش في صدور السودانيين، لقد أنهكتهم الحرب الأهلية المستمرة منذ عقود، وفشلت كل الاتفاقيات السابقة من عهد عبود وحتى الصادق المهدي في إنهاء الحرب وتحقيق السلام.

والسؤال الملح الآن: هل يصمد هذا الاتفاق وينجح في تحقيق الأمن والسلام للسودان؟ هناك بوادر تفاؤل سببها الغطاء الأمريكي والإنهاك الذي وصل إليه طرفا الحرب الأهلية لكن هناك تساؤلات حول مواقف بقية الأطراف الشمالية والجنوبية خاصة التجمع الديمقراطي المعارض الذي يتزعمه «الميرغني» -وقد نجحت اتفاقية الإطار الأخير في تفكيك هذا التجمع-وتأخر وصول العقيد «جارانج» إلى أسمرة لحضور اجتماعات التجمع بسبب انشغاله في إعادة ترتيب بيته الداخلي. ويعتقد البعض أنه قد يحدث تململ داخل صفوف الحركة الشعبية نفسها، لأن أسئلة واستحقاقات السلام قد تفجر الأوضاع داخل الحركة كما داخل الفرقاء الجنوبيين الآخرين الذين تم استبعادهم كذلك وبعضهم سبق له عقد اتفاقات سلام مع الخرطوم لم تصمد طويلًا فانسحبوا إلى الغابة من جديد. 

ولا أعتقد أن مصر، أو ليبيا «التي رحبت بالاتفاق وقال زعيمها: هل نكون سودانيين أكثر من السودانيين؟» تملكان أوراقًا «خاصة مصر التي مازالت تبدي المخاوف» تستطيعان بها عرقلة الاتفاق، خاصة أن لدى كل بلد ما يشغله ويكبل يديه ويعوقه عن معارضة الإرادة الأمريكية.

 يرى الدكتور حسن الترابي «الحياة 1/8» أن نجاح الاتفاق يرتبط أساسًا بتحقيق الديمقراطية في الشمال وإعادة الانتخابات البرلمانية وتحقيق الشورى السليمة، كما أن غرس الثقة في نفوس الجنوبيين خلال الفترة الانتقالية «6سنوات» أو إعادة توزيع الثروة سيكون له دور كبير في الإبقاء على السودان الموحد وعدم حدوث الانفصال.

ويتخوف البعض من أن يكون الاتفاق مجرد مناورة لالتقاط الأنفاس في عالم ما بعد 11 سبتمبر، وبغض النظر عن الشكوك في قدرة النخبة الحاكمة على إنقاذ الاتفاق، فإن كل الاتفاقات السابقة لم تلق حظًا جيدًا من التنفيذ، ويعتمد المتفائلون على العوامل الجديدة التي سبقت الإشارة إليها للتعويل على إمكان تنفيذ اتفاق مشاكوس هذه المرة، علمًا بأن الأيام المقبلة ستشهد بدايات التباشير، فها هو جارانج يحاول استعادة ثقة حلفائه الشماليين في اجتماع أسمرة، وها هي محاولات لوقف إطلاق النار الذي اندلع من جديد. وها هي زيارات المسؤولين السودانيين إلى القاهرة وطرابلس وبقية العواصم تتوالى لكسب مؤيدين للاتفاق أو لتحييد المعارضين وطمأنة المتخوفين وبالطبع ستبذل أمريكا ودول أوروبا ودول الإيجاد الجهود لاستكمال المسيرة الطويلة نحو تحقيق السلام في جنوب الوادي. 

لا تزال التجربة السودانية في الحكم الإسلامي توالي دروسها لكل الحركات الإسلامية. ومن أهم تلك الدروس أن خبرة الحكم ومعاناته تختلف تمامًا عن مرحلة الدعوة وبناء الرجال وتعتمد في الوقت نفسه على قدرة الحركة الإسلامية على إدراك الواقع المتغير حولها وإمكان دراسة كل الملفات بدقة ووعي الإعداد الحلول المناسبة للمشكلات العالقة.

لقد واجهت الإنقاذ في السودان-ولا تزال. ملفات صعبة وعسيرة، وإن كانت نجحت في الاحتفاظ بالحكم حتى الآن فإنها أخفقت في تقديم النموذج الإسلامي المنشود، وكان ثمن الاحتفاظ بالحكم انقسامًا داخليًا في صفوف الحركة الإسلامية، واستبعادًا للقوى السياسية الأخرى المهمة في شمال الوادي، وحربًا دامية في الجنوب تحاول الآن إطفاءها، على حساب قضايا كانت تمثل ثوابت لا يمكن التنازل عنها، وعلاقات دولية مضطربة استطاعت مؤخرًا ترميمها على حساب التضحية بآخرين.

 إن درس السلام في جنوب السودان إن تحقق لن يكون آخر الدروس وعلى كل المفكرين والعاملين للإسلام أن يدرسوا بعناية التجربة السودانية والتجربة الإيرانية، والتحولات التي تتم داخل البلدين الكبيرين، في عالم تتشابك فيه العلاقات الدولية وتتعاظم فيه مصالح القوى الكبرى وتضغط على الدول الضعيفة لتنفيذ مخططاتها، في وقت لا تتساند فيه معظم الدول الإسلامية، بل تتنافر وتفرقها الخلافات الشخصية والمطامع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

159

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

131

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8