; السودان: الأزمة أكبر من الحكومة | مجلة المجتمع

العنوان السودان: الأزمة أكبر من الحكومة

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1989

مشاهدات 73

نشر في العدد 909

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 21-مارس-1989

قدم الصادق المهدي استقالة حكومته الثالثة إلى مجلس رأس الدولة في مطلع الأسبوع الماضي... استجابة للبيان الذي وقعته أغلبية الأحزاب السياسية والنقابات المهنية... وبذلك يبدأ العد التنازلي للأزمة السياسية التي عايشتها الخرطوم طيلة الأسابيع الثلاثة الماضية.. -وفي أعقاب المذكرة المطلبية للقوات المسلحة السودانية- وبقبول استقالة الحكومة تبدأ مهمة المهدي الجديدة والمتمثلة في تكوين حكومة «إنقاذ وطني» تضم الأحزاب والفعاليات السياسية والنقابية، سعيًا لتحقيق أكبر قدر ممكن من تمثيل الجبهة الداخلية... وفي غضون ذلك ما زالت الجبهة الإسلامية القومية تصر على موقفها من الاشتراك في حكومة المهدي الجديدة وتعزو الجبهة موقفها هذا لإغفال البيان المعد كميثاق للحكومة الجديدة لمبدأ الالتزام بتطبيق القوانين الإسلامية وهو ذات السبب الذي رفضت الجبهة بموجبه التوقيع على البيان... 

ومن جانب آخر فإن الأنباء الواردة من الخرطوم نصت على حرص المهدي على إشراك الجبهة الإسلامية في حكومة الإنقاذ الوطني وهو حرص يدعمه التقارب الفكري والبرامجي بين حزبي الأمة والجبهة بالإضافة إلى التفاهم السياسي المتنامي بينهما في الفترة الأخيرة.. كما يدعمه أيضًا الحضور الفاعل للجبهة في الساحة السياسية وحيازتها المتميزة لثقة المثقفين وسكان المدن... وبالرغم من أن الانفراج خفف من حالة التوتر السائدة في أجواء الخرطوم «الدافئة» إلا أن «غيومًا داكنة» ما زالت تغص بها الآفاق السياسية. وأقلها هو التنافر المحتشد في التركيبة السياسية الجديدة للحكومة «أحزاب، فعاليات، نقابات» وما ينتج عنه من إفرازات. فالأزمة في جذرها العمودي ليست مشكلة نقص في تجمع الفعاليات أو أنها قضية انعدام التلاقح في المشاريع والبرامج بقدر ما أنها أزمة تراكم الإرث الملعون الذي خلفته عهود الدكتاتورية السابقة -في الإنسان والطاقات- كما أنها أزمة تداخل الأوراق وشتاتها مما يصعب معه تحديد الثوابت والمتغيرات وترتيب الأولويات موضوعيًا وفقًا لتقنين الصالح العام وهو ما يمكن أن تتصالح عليه باسم «أزمة نظام».

  • ديمقراطية الأزمة:

إن مما لا يعرفه كثير من الناس عن أبعاد الأزمة السياسية في الخرطوم يتصل بالإطار الدستوري للديمقراطية.. وهي نقطة ضعف الديمقراطية في السودان على مر العصور... فمنذ الاستقلال والديمقراطية كانت دائمًا تتفاعل في حدود دستور موقت وكثيرًا ما تجد السلطة التنفيذية أنها تتحاكم إلى مواد جد محدودة مما لا يفي بالانطلاق السياسي إلى آفاقه المرجوة كما أن التنازع يشتد حول الأساس الدستوري لكثير من القرارات والسياسات الحاكمة وهنا يقع المحذور ويأتي الانقلاب العسكري، وحصل ذلك في كلتا المرتين اللتين أسقطت فيهما الديمقراطية بواسطة العسكر... والأزمة الدستورية هي التي خولت للقوات المسلحة أن تقدم مذكرتها المطلبية. كما أنها- الأزمة الدستورية- المسؤول المباشر عن التنازع بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية مما تبدو فيه السلطة التشريعية وكأنها في وضع هامشي.

والجمعية التأسيسية التي يناط بها أمر الخروج من تلك الأزمة تبدد جل اجتماعاتها في حل الإشكالات القانونية الوقتية وفي ظل الأزمة الدستورية فرخت مشكلة جنوب السودان ونمت أجنحتها السياسية والعسكرية.. فالسودان الديمقراطي هو البلد الوحيد في العالم الذي يسمح بقيام الأحزاب الجهوية- أحزاب شمالية وأخرى جنوبية وهو ما يهدد وحدة البلاد بشكل عملي وبالطبع فإن وجود دستور دائم يحدد أساسيات العمل السياسي ويضبط النشاط ويثبت المبادئ الرئيسية وكما أن إجازة الدستور الدائم تحسم الجدل القائم حول الهوية ونوعية العلائق العربية الأفريقية.

ولقد فطن للمشكلة الدستورية قديمًا ومن طرائف ما تناقلته مضابط البرلمان السوداني أن حسن الطاهر زروق عضو الجمعية التشريعية الأولى في سنة ١٩٥٣ رفض الموافقة على إجازة الدستور المؤقت والذي وقت له حينها لمدة ٦ أشهر، باعتبار أن فترة الأشهر الست في تقديره طويلة ولذا لا بد من إجازة دستور دائم... وما علم العضو بأن السودان سيحكم بذلك الدستور المؤقت طيلة عهود الديمقراطية... وإذا أمنا على إفرازات الأزمة الدستورية فإن أحد وجوه تلك الأزمة هو عدم الاستقرار السياسي وانفضاض الحكومات وإعادة تشكيلها بالمواثيق والبرامج المؤقتة.. والمساعي التي بذلت لإجازة الدستور الإسلامي في عام ٦٨، والمساعي القائمة حاليًا لإجازة القوانين الإسلامية كانت تضع في حساباتها مشكلة افتقاد الثوابت في العمل السياسي ولعل هذا هو قدر الديمقراطية حتى تتمكن من إجازة دستور إسلامي يكف عن تقولات الأطماع الخارجية.

  • أزمة الأحزاب:

أزمة العمل السياسي في السودان وثيقة الصلة بالكيانات والفعاليات السياسية. فالأحزاب السياسية نشأت كإفراز طائفي إقليمي في مجملها باستثناء الجبهة الإسلامية القومية والأحزاب العقائدية الصغيرة. بالرغم من تطور العمل الحزبي من نشأته تلك إلا أنه ظل وفيًا لبعض جوانبها والحزبان الكبيران -الأمة والاتحادي- ارتبطا بالقيادة الدينية التقليدية وإن كان هناك بعض التمايز فهو محسوب لقيادة حزب الأمة التي تعبر عن جماعة الأنصار ذات التكوين الجهادي بخلاف الحزب الاتحادي ذي التوجهات الوسيطة التي تسمح لكثير من الانسياق العلماني... وهذه الأحزاب تفتقد المصداقية السياسية لالتزاماتها. وفي كثير من الأحيان. فهي لا تحمل برامج محددة وخطط علمية لمعالجة المشكل السياسي. وفي هذا المجال يذكر الاتحادي الديمقراطي الذي لم يكون مكتبًا واحدًا وفقًا للعملية الديمقراطية وإنما كل أجهزته ما زالت تخضع للتعيين المباشر.. 

وأزمة الأحزاب السياسية بالإضافة إلى أنها لا تمتلك مناهج سياسية محددة فهي كذلك تفتقد حاليًا السيطرة على التزام أعضائها وهو نتاج طبيعي لغياب الشورى في صفوفها وافتقادها للأطر الحديثة في تكوين القيادة بعد خروج قادتها على «أوامر» القيادة الدينية التي كانت في السابق وأما بالنسبة للأحزاب السياسية الأخرى باستثناء الجبهة الإسلامية القومية فهي أحزاب بلا مستقبل فالحزب الشيوعي السوداني فقد رصيده العمالي والشبابي بازدهار الصحوة والوعي الإسلامي ومثله في ذلك حزب البعث الناصري وأشباهه إلا أن هذه الأشباه تجد قدرها عند العلمانيين فالوثيقة التي وقعت في القصر قبل أسبوعين وقع عليها ٣٠ حزبًا علمًا بأن الأحزاب الشمالية التي مثلت في الجمعية التأسيسية «البرلمان» فقط ٥ أحزاب وبقية الأحزاب هي من نوع «لم ينجح أحد» وهذا جزء هام من الأزمة السياسة في السودان..

  • الإنقاذ:

تعهد الصادق المهدي بتكوين حكومة موسعة تضم كافة الأحزاب والفعاليات السياسية والنقابات التي وقعت بيان القصر الجمهوري وهي حكومة يناط بها إنقاذ الوضع السياسي وربما الاقتصادي في غضون عام وفقًا للدستور المؤقت الذي ينص على إجراء الانتخابات العامة في الربع الأول من العام القادم... وأنباء الخرطوم تؤكد أن موقف الجبهة الإسلامية هو رفض المشاركة في الحكومة الجديدة بعد أن امتنعت الأحزاب السياسية الموافقة على تعديل البيان السياسي... والجبهة في ذلك تحقق مصداقيتها السياسية تجاه المبدأ الذي التزمت به وتعهدت للجماهير المسلمة بأن لا تحيد عنه فتطبيق الشريعة الإسلامية ليس خيارًا قابلًا للتنازلات السياسية وإنما هو واجب عقدي يحتمه الالتزام الإيماني.. 

وحكومة الإنقاذ الوطني بفقدانها لصوت الجبهة الإسلامية وامتناعها عن الالتزام الإسلامي لن تحقق شيئًا يذكر ربما تجد بعض الدعم الخارجي حتى تتمكن من الالتفاف حول مشكلة الجنوب ومن ثم تحجيم المشكلة إلا أن الأوضاع في السودان أكبر من أن تعالج في فترة عام... ومن جانب آخر فإن الصادق المهدي سيجد نفسه غارقًا في تناقض التشكيل السياسي لحكومته سواء على النطاق الداخلي أو على مستوى العلاقات السياسية خاصة فيما يتعلق بمنهج احتواء مشكلة الجنوب ذات الارتباطات الدولية المعقدة وهو إشكال قائم حاليًا كما أنه سوف يزداد مستقبلًا بعد أن تتحقق أطماع المتمردين في إملاء شروطهم على الحكومة... وأخطر ما يمكن أن ينتج من جراء ذلك النهج هو الإحساس بغياب التكافؤ بين الحكومة والمتمردين وحلفائهم في الغرب الصليبي وبذلك يفسح المجال للإستراتيجيات الدولية بأن تنال قسطًا من أحلامها.

إن التجربة السودانية السابقة على قصر أمدها نالت إعجاب كثير من الصادقين خاصة بما يتعلق بمساعي استقلالية القرار السياسي وجهود تحقيق الاكتفاء الذاتي والسودان مؤهل لذلك طبيعيًا وسياسيًا ومن مراقبة الأوضاع السياسية في الفترة السابقة لم يكن هناك خوف كبير على التجربة الديمقراطية وإنما الخوف ينطلق في أن تفقد القيادة السياسية توازنها وتستجيب لإرجاف العلمانيين فتحاول أن تحل بعض مشاكلها على حساب المبدأ الإسلامي... خاصة وأن الدعوة لإقامة نهج الله هي مطلب الأغلبية من الشعب السوداني المسلم... فهل يستطيع الصادق المهدي أن يحفظ التوازن الإسلامي بعد أن غابت الجبهة من حكومته؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

159

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

131

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8