العنوان السودان: الأزمة وحكومة الأطراف المتنافرة
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 911
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-أبريل-1989
خل القوات المسلحة أفقد توازن استراتيجية حزب الأمة وأوعز الأطراف المعارضة بالانقضاض على حكومة الائتلاف الإسلامي بين الأمة والجبهة.
أدت الحكومة السودانية الجديدة برئاسة الصادق المهدي اليمين الدستورية في
مطلع الأسبوع الماضي، بعد مداولات متعسرة استمرت أكثر من ثلاثة أسابيع. وقد جاء
التشكيل الوزاري الجديد خليطًا من الأحزاب السياسية الممثلة في الجمعية التأسيسية
«البرلمان» بالإضافة إلى النقابات المهنية التي حازت على حقيبتين وزارتين كما تولى
وزارة الدفاع اللواء معاش مبارك عثمان رحمة.
وعلى الرغم من دعوة توسيع قاعدة المشاركة السياسية إلا أن التشكيل الجديد لم
يحظ بتحقيق تلك الخاصية وذلك بفقدانه لمشاركة الجبهة الإسلامية القومية ذات الثقل
المتفرد في جانب النخبة المثقفة والحائزة على ثقة الأكثرية من سكان المدن والعاصمة
القومية.. وقد أبدى المهدي حرصًا واضحًا على كسب ثقة الجبهة وقدم في ذلك الشأن
أقوالًا وأفعالًا كان أبرزها الموافقة الإجماعية على مشروع القوانين الإسلامية من
قبل اللجنة التشريعية في البرلمان، كما أنه ألمح في خطابه أمام الجمعية التأسيسية
إلى التزامه على مواصلة الجهد من أجل التأصيل الإسلامي غير أن الجبهة لم تر في ذلك
ما يبرر اشتراكها في الحكومة.
ومن جانب آخر فقد أعاد التشكيل الجديد عنصر اليسار الماركسي إلى دائرة الضوء
على الرغم من ضآلة كسبه داخل الجمعية (3 أعضاء) وتشبثه المتكرر بأحلام المتمردين
وتبني المواقف التخذيلية تجاه وحدة الصف الوطني.. فضلًا عما جنته أطماعه السلطوية
حينما تحالف مع العسكر في 25 مايو وساعد على تقويض الديمقراطية الثانية.
وفي هذا ساق الصادق المهدي تبريرًا يدلل على عظم التآمر الذي تم خلف
الكواليس.. قائلًا: «إن إشراك اليسار داخل الجمعية التأسيسية جاء كعربون على
مصداقية الحكومة تجاه السلام» كأن السلام دون اليسار سيكون يتيمًا بلا أب.
والجدير بالذكر أن اعتراض الجبهة على المشاركة في الحكومة الجديدة جاء
متسقًا مع مواقفها المبدئية تجاه التزامها العقدي لتطبيق الأحكام الإسلامية وتأصيل
الذات المسلمة وفقًا للعقيدة الإسلامية كما أن الجبهة ترفض التعامل مع مشكلة
التمرد عبر الشرائط غير الدستورية التي وقعها معها محمد عثمان الميرغني إضافة إلى
أن الجبهة متمسكة بالشرعية الدستورية التي زكتها الولاية النيابية وتعتبر إدخال
النقابات عملًا مناقضا ومتنافيًا لتلك الشرعية.. كما أن إشراك الحزب الشيوعي على
ضآلته يعد خيانة وطنية لتطلعات الأمة في التحاكم للإسلام.. وبناء على تلك الحيثيات
اختارت الجبهة الإسلامية المعارضة حتى لا تتعرض قناعاتها لتبريرية الانتهاز
والتعلق بالأوهام.
·
صراع وراء الكواليس
من أبرز ما أسفر عنه التشكيل الجديد للحكومة هو تغييب الاتجاه الإسلامي
المنظم وانحسار نسبة ذوي التوجه الإسلامي داخل الأحزاب المشاركة، هذا بالرغم من أن
حزب الأمة يمثل الثقل الإسلامي الوسيط داخل التشكيل.. وفيما يبدو أن الأزمة جعلت
الصادق في مأزق حقيقي تجاه قناعاته من جانب والوضع المرحلي الذي برز فجأة في
الساحة السياسية فالمهدي كان يتطلع في أن تبقى لعبة التوازنات السياسية في خط مواز
لمشروعه الإصلاحي مستفيدًا من قدرات الجبهة الإسلامية في تجاوز الضغوط الوقتية
ومعتمدًا استراتيجية البناء ذات النفس الطويل غير أن الأحداث جاءت من مأمنها.. فالقوات
المسلحة لم تكن طرفًا في لعبة التوازنات السياسية كما أن المهدي متيقن بأن ولاء
القوات المسلحة- القيادة العليا خاصة- للديمقراطية فوق التخرصات.. ومن هنا افتقدت
استراتيجية المهدي توازنها.
وبزرت الأزمة في حجم مخيف مما أوعز للتكتلات المعارضة (الاتحادي الديمقراطي
واليسار) بأن الوقت قد حان لإكمال مشوار الإجهاز على تحالف المهدي- والجبهة الذي
كاد أن يتجاوز نقاط الحصار ويصل إلى إقامة وضع مؤسس في أغلب المجالات الحياتية ليس
واحدها التأصيل الإسلامي فحسب وإنما كذلك في مجال العلائق الخارجية والتنمية
الاقتصادية والنظام الإداري.
وبدخول القوات المسلحة كطرف ضاغط تشوه وجه الديمقراطية الليبرالية وبدت صيغة
الخطاب السياسي محدودة المفردات.. يكاد أن ينفلت- ضابطها الدستور وتغدو صوتًا
عسكريًا يحبذ حوار البندقية.. وعلى الرغم من أن المهدي استطاع أن يمسك بأغلبية
الأوراق لصالحه إلا أنه أنفق ثمنًا باهظًا حتى يصل لتلك النتيجة.. فأمر تفجير
الأزمة استغل بواسطة الأطراف الأجنبية وسفارات الدول الكبرى وإن كانت القوات
المسلحة قد أقدمت على تقديم مذكرتها في صدق وحسن نيات إلا أن التوقيت جاء لصالح
الضغوط الخارجية، بغض النظر عن أن المذكرة تعد تدخلًا سافرًا في الشؤون المدنية
وهو ما لا يقره الدستور ولا الإجماع الشعبي في السودان، وكان استغلال المذكرة
عظيمًا من فئات الأحزاب العلمانية والنقابات وهو ما أوحى للمهدي بأن يقدم تنازلات
كبيرة من أجل السيطرة على زمام الأمر حتى لا تعم الفوضى وتقع البلاد في سلسلة
أزمات أقلها عودة العسكر إلى السلطة.
·
لغز السلام
ما إن برزت إلى السطح طلائع الأزمة السياسية حتى انهالت انتصارات قرنق لتشمل
6 مواقع جديدة وبدأ الإعلام الغربي يشيع بأن قوات التمرد على أبواب جوبا، وظهرت
بوادر الأرجاف عيانا من بعض فئات العلمانية كما أن دعاة التخذيل قالوا إن من أسباب
الإنجاح لعملية السلام إيجاد توازن عسكري بين قوات التمرد والقوات الحكومية حتى
تنتهي المشكلة إلى دائرة لا غالب ولا مغلوب.. وهي لهجة تجاوزت حدود العمالة إلى
إيذاء الذات.. وهؤلاء هم دعاة السلام.
وفي جانب قوات التمرد فإن الموقف لا يخضع لمنطق السلام ولا حتى مجرد
الاستماع إلى دعاته فقد أعمت الانتصارات المؤقتة والمحدودة قوات التمرد عن حقيقتها
كما أن الأطراف الخارجية وجدت فرصتها السانحة لتلعب ورقة قرنق باعتبارها الأكثر
خشونة سعيًا وراء تليين المواقف الحكومة وتمييعها.. والسلام ليس قرارًا يملك قرنق
القدرة المنفردة لصناعته وإنما هو قرار الأطماع الإقليمية (أثيوبيا- كينيا- زائير)،
وهو قرار السياسة الأميركية حليفة المخلوع نميري وصاحبة المصلحة العليا في إزاحة
نظام يتطلع إلى الاستقلال ويجافي الشعبية الدولية وينزع نحو التأصيل الإسلامي.
والولايات المتحدة تدرك الخطر المستقبلي المتمثل في إقامة أنظمة أصيلة في ثقافتها
وانقلابية في علاقتها بالجماهير وهو ما يشكل خطرًا على استراتيجيتها في المنطقة..
ولهذا فإن الولايات المتحدة حرصت دائمًا على إبعاد الجبهة الإسلامية عن الحكم
وطَيِّ لواء الشريعة الإسلامية عن الحاكمية وإن كانت تلك الأحلام لم تحقق برمتها،
فعلى أقل تقدير تجميد القوانين الإسلامية وهو الشعار الذي تبناه العميل قرنق
مؤخرًا.. ويبقى السلام رهنا لموازنة الأصالة في مقابل التبعية وأما فيما يتصل
باتفاقية المرغني- قرنق فهي وثيقة استسلام للمخطط الدولي وتنازل بين عن مبادئ
السيادة للدولة.. ونلاحظ هنا أن المهدي انتفض ضد اتفاقية الميرغني- قرنق في السابق
إلا أنه تقبلها الآن مع بعض التحفظات ويبدو أن قدرة المهدي تظل محدودة مادامت
الضغوط الأجنبية استطاعت أن ترفض بعض إملاءاتها على الساحة السياسية... ولتجني
الخرطوم حرث البحر في المؤتمر الدستوري الموعود.
·
محنة الديمقراطية
من سوء حظ الديمقراطية الثالثة أنها أعقبت نظامًا شموليا متعنتا بوليسيًا له
إفرازاته السياسية والإدارية والاقتصادية وقد انعكست تلك الإفرازات في قنوات
الحياة السياسية بشكل مباشر مما جعل المنظمات السياسية أقرب لممارسات الفترة
الشمولية السابقة.. كما أن الأخلاقيات التي كانت تحكم العمل السياسي في فترات ما
قبل النظام الشمولي قد تحجمت كثيرًا فاسحة المجال للأخلاقيات الانتهازية والوصولية
التي ابتدعها نظام الاتحاد الاشتراكي الشمولي. ويبدو هذا ظاهرًا في جانب النقابات
السياسية كما أنه في بعض التشكيلات السياسية الحزبية. فالنقابات في الفترة
الشمولية كانت موصلًا جيدًا للسلطة فالنقيب عضو بارز في اللجان التنفيذية للحزب
الحاكم وهو سبب كاف لتفلت النقابات حاليًا حينما وجدت نفسها خارج المسرح السياسي
أو قل إنها مجرد رقيب من منازلهم- وليس لها صوت مباشر في إخراج القرار السياسي..
وهنا بدت الديمقراطية عاجزة عن حماية مؤسستها أمام الهجمة الضاغطة للقوى النيابية
وبدخول النقابات للوزارة تنفتح ثغرة «الدفرسوار» في البناء الديمقراطي ومن ثم
تهشمت الجمعية التأسيسية التي تعتبر بالمقياس الدستوري السلطة الشعبية الوحيدة في
المؤسسة السياسية... وقد كان موقف الجبهة الإسلامية محددًا تجاه إشراك النقابات
باعتباره سابقة تنافي حق الجماهير في ممارسة السلطة وفقًا للنهج الذي أجمعت عليه
في مطلع الحياة النيابية.
· التجاذب
والتنافر
إن أزمة الوضع في السودان تتلخص في عظم آثار الفترة العسكرية الماضية التي
لم تكتف بهدم المؤسسات الإنتاجية فحسب وإنما تجاوزتها لهدم أسباب النهوض وضعضعة
الإدارة والإنسان في السودان.. وحينما جاء حكام الديمقراطية الثالثة كانوا يأملون
في إقامة وضع يستوعب حاجات الإنسان وينمي السودان كدولة ذات مقدرات وإمكانيات
هائلة إلا أن ظروفًا دولية معقدة أقعدت تلك الآمال عن انطلاقتها كما أن جموعا غير
قليلة كانت سماعة لأبواق المخططات الدولية، وهنا بدا التجاذب والتنافر كبيرًا في
إمكانية النهوض والانتكاس وهوت حكومات الصادق الأولى والثانية بسبب شدة الجذب إلى
الخارج وتنافر الصادق المهدي مع الخارج خاصة إذا كانت صورة الخارج قد انطبعت
بأختام التبعية وجاءت الحكومة الثالثة تحالفًا بين الصادق والجبهة وكان حدثا شد
انتباه الإعلام الغربي وعلقت جريدة الأوبزرفر اللندنية «بأن الصادق المهدي بات في
ذيل النمر الإسلامي» وأغلب الدوائر الصحفية راحت تستدعي دول الجوار وبعضها علق على
أن العلاقات المصرية- السودانية مرشحة للتدهور كما أنها أجمعت على لغة الحرب التي
ارتفعت فوق نداءات السلام كل ذلك لأن الجبهة الإسلامية ترمز للالتزام الإسلامي
وتحمل مشروعًا حضاريًا تأمل في إنفاذ بعض أركانه.. والتنافر والتجاذب الاستقطابي
هو المرشح حاليًا لتأزيم حكومة الصادق المهدي واستغراقها في لجة التناقضات الطرفية
والطرفية المضادة.. ومن المستبعد، بل يكاد يكون مستحيلًا أن تحقق حكومة التشكيل
الجديد أيًا من الخطوات الجادة في إنقاذ الأوضاع المتأزمة.
غير أن الوضع لن يستمر طويلًا فالانتخابات العامة ستكون بإذن الله في إبريل
1990- إذا كتب الله للديمقراطية التعددية البقاء لذلك الموعد وحماها من شرور
التدخلات والعسكر- ويبقى الوضع في حالة الركود السياسي منتظرًا لإعادة تشكيل القوى
السياسية في انتخابات العام القادم والأمل معقود على تطور الأوضاع لصالح الجماعة
الإسلامية تأييدًا لمصداقيتها تجاه الالتزام العقائدي وثقة بالمشروع الجاد الذي
اتضحت معالمه وحتى يصبح السودان دولة التوحيد، ومناط الحق وتحقيق التنمية والتقدم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل