العنوان السودان.. الثورة.. وحديث الانقلاب
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1990
مشاهدات 77
نشر في العدد 962
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 10-أبريل-1990
- التجمع الديمقراطي المعارض لا يملك أسباب التغيير وليس له مؤهلات
لتقديم الجديد للسودان.
أعلن في الخرطوم في مطلع الأسبوع
الأسبق عن كشف محاولة تخريبية استهدفت تقويض نظام الحكم القائم وزعزعة الأمن
والعودة بالبلاد إلى حالة الفوضى السائدة قبل قيام ثورة الإنقاذ الوطني في ٣٠
يونيو ۱۹۸۹.. وأكدت مصادر سودانية مسؤولة بأن المحاولة الانقلابية خرجت من نطاق
التخطيط الابتدائي إلى دائرة التنفيذ بعد أن شرعت عناصرها في تحديد المسؤوليات
فيما بينها وتوزيع الأدوار وتعيين ساعة الصفر للتحرك، مما اقتضى محاصرة المخطط
التخريبي في مرحلته تلك حتى لا تمتد مساعي المتآمرين إلى بلبلة الأوضاع الأمنية
دونما جدوى وقد تم -بناء على حالة التلبس- اعتقال أركان المؤامرة بما فيهم عمر نور
الدائم وزير سابق وقيادي بارز في حزب الأمة المنحل وعبدالرحمن فرح مستشار الأمن
السابق للصادق المهدي، ولواء م. مهدي بابو نمر نائب رئيس الأركان السابق وآخرون.. وقد
أوضحت الحكومة أن المحاولة جاءت من بعض عناصر حزب الأمة والحزب الشيوعي وأحزاب
أخرى.. هذا ولعل الفشل الذي منيت به محاولة «العصيان المدني» التي حمل وزرها شيوعيو
الأطباء والإخفاق المتكرر في تحريك الاتحادات الطلابية التي أكدت بيعتها للاتجاه
الإسلامي، عرض أوهام المتآمرين لتذروها الرياح وتفرس بحصرم الالتفاف الجماهيري حول
الثورة مما دفع بها لإعادة شكل المؤامرة على نحو آخر طمعًا في استغلال بعض العناصر
الحزبية والتسلل من ثم إلى قوات الشعب المسلحة، غير أن الطريق الذي انتهجته قوى
التآمر لتأليب الجيش حالفه الفشل أيضًا.. وعلى العموم فإن مساعي أولئك النفر
لن تفلح أبدًا فضلًا عن أن كيدها كان ضعيفًا.. ذلك لأنها وليدة جهالات وأوهام
مركوزة في تصورات علية القوم وهي التي تجعل سهم المعارضة طائشًا لا يعرف هدفه
وتدفعه خيالاته إلى تحقيق العظائم من الأمور دونما جهد واع.. وهذا التخبط هو الذي
دفع مبارك الفاضل المهدي -وزير داخلية الصادق المهدي- أن يوقع اتفاقية تحالف مع
العميل جون قرنق وهي نفسها التي جعلت بعض عناصر حزب الأمة مجرد مطايا لأهداف الحزب
الشيوعي المنحل بل الأسوأ من هذا أن الشيوعيين يستغلون تلك العناصر من أجل تأليب
مزيد من عناصر الأحزاب المنحلة.
من أنتم؟
في نوفمبر الماضي تجمعت فلول الحزب
الشيوعي السوداني المندحر –في يوليو الآخر– وأعدت عدتها من أجل إسقاط ثورة الإنقاذ
الوطني وفق مخطط يعتمد على ثلاثة محاور هي خلق حالة من الفوضى عن طريق سلسلة من
الإضرابات تنتظم العاصمة وبعض المدن الأخرى.. أبرزها قيام إضرابات لفئات
الأطباء، والصيادلة، والبيطريين، وموظفي مشروع الجزيرة، وموظفي وعمال المصارف
وهكذا... والمحور الثاني افتعال الضجة في الجامعات وإخراج الطلاب في مظاهرات
مستغلين بعض الأزمات التموينية وأخيرًا تحريك محور التآمر الأكبر بقيادة الخارجي
جون قرنق دي مابيور والمهيأ حينها لإعلان دولة أماتونغ الديمقراطية الشعبية
الاشتراكية في جنوب البلاد، بيد أن المكر السيئ حاق بأهله.. ففشلت إضرابات الأطباء
والصيادلة منذ يومها الأول ورفضت بقية الفئات الانسياق في طريق النصر الموهوم، ولم
ينجح تجمع طلاب التحالف في إخراج مظاهرة ذات بال، بل خرجت مظاهرة قوامها ۷۰ طالبًا وتفرقت
من تلقاء نفسها لما أحست بأنها فريسة خدعة إعلامية ماكرة.. وأما «فارس التحرير
المنتظر!» جون قرنق فقد هزمه جيش الشعب المغوار في الكرمك فانكب على وجهه
زاحفًا في أحضان إثيوبيا و«إسرائيل»، وهكذا كان كيد الشيطان ضعيفًا.. وهو في خاتمة
الأمر فشل ساقته أسباب موضوعية تجافت عنها قوى المعارضة بعدم إدراكها المنطقية
قوانين الله في الخلق وسننه في الحياة.. ومنذ تلك اللحظة ثبتت في أذهان المعارضة
أن تحالفها المسمى بالتجمع الوطني الديمقراطي لن يفلح في استثارة الشعب وإنما
نجاحه يكمن في تحريك القوات المسلحة.. وهي نتيجة أفرزتها حالة الإحباط القاتلة
والتي فشلت صفحة الأشقاء الوفدية في لملمتها.
ألمثل هذا تكأكأتم؟!
ربما يتساءل الناس هل السودان في
حاجة لانقلاب جديد؟ وهو تساؤل مشروع، ويمكن أن يضم إليه سؤالًا آخر أكثر تحديدًا
وهو: ما الذي جد في جعبة الأحزاب التقليدية وتسعى حاليًا لتقديمه من أجل الوطن؟!
ونرد بكل موضوعية: إن جديد الأحزاب التي تكونت تحت عنوان «التجمع الوطني
الديمقراطي» هو تحالفها مع المتمرد العميل جون قرنق.. وهو اتفاق لترويج بضائع
الأحزاب والتمرد البائرة بعد أن قصم جيش الثورة المقدام ظهر المتمرد ونحاه من
الأرض التي احتلها أيام الوهن والانكسار المعروفة بأيام حكومات الصادق الخمس.. في
الأثر «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين».. غير أن الطائفية تريد السودان أن يلدغ من
جحرها مرات ومرات وهي لا تملك عرضًا مغريًا حتى تطل بوجهها قبل أن تنقضي عدة
الطلاق، وقبل أن يمر من الوقت ما ينسي آثار تشوهاتها على وجه السودان، وفي هذا
قائمة طويلة مزدحمة بالعجز والإخفاقات ويكفي فشلها المتكرر في تحسين الوضع
الاقتصادي حيث بلغت فاتورة العجز في الميزان التجاري 7 مليارات جنيه، وكانت البلاد
مرهونة القرار صادرة في تبعية مذلة القناصل الدول الأجنبية وتمددت قوى التمرد
لتحتل الأرض بمساحة تضاهي ألمانيا بعد أن فقد الجيش السوداني ظهيره في العدة
والعتاد ولم يتم إنجاز يذكر طيلة سنوات الديمقراطية الطائفية، وفي المقابل صار
السودان في حالة ضعف أهلته لافتقاد حب وتقدير أقرب الأصدقاء إليه فقد عجزت حكومات
الصادق عن إنجاز أدنى مكسب جماهيري وانتهت آماله بافتقاد السودان علاقاته الطبيعية
مع كافة الدول العربية وكذلك دول الجوار الإفريقي بل إن حالة الحرب كانت تخيم على
امتداد حدود الدولة من تشاد وإفريقيا الوسطى وزائير وإثيوبيا وبعد كل هذا يريد
طلاب السلطة العودة إلى الحكم.
طريق مغلق
إن ثورة الإنقاذ الوطني ليست
انقلابًا عسكريًا نفذته حفنة من عشاق المغامرة وطلاب السلطة وإنما هي ثورة بحق
فجرتها القوات المسلحة بعد أن انفجر الشارع السوداني في مظاهرات هادرة تطالب
التغيير وتدين لعبة الكراسي التي أتقنتها حكومات السيدين وهي بذلك لم تتعد نطاق
أخذ المبادرة في وقت بلغ فيه ضعف الحكومة مبلغًا جعل المواطنين لا يعتمدون عليها
في أمنهم ولا في قوتهم وبدأ التململ في القوات المسلحة وتفشت ظاهرة الإضرابات على
نطاق الدولة بل خيل لحكومة الصادق بأن «حشر» النقابات في الحكومة ربما أسكت ضميرها
غير أن الوضع لم يحقق ما تصبو إليه الجماهير، وجاءت يونيو الغراء لتضع السودان
ولأول مرة على الطريق الصحيح من أجل الاستقلال والتنمية والعزة وانتهجت من أجل ذلك
سبل الشورى والديمقراطية الحقة وعقدت المؤتمرات المختلفة حول قضايا الوطن الرئيسية
ومشاكله المعقدة، مؤتمر الحوار الوطني من أجل السلام، مؤتمر الإنقاذ الاقتصادي،
مؤتمر الإعلام، مؤتمر النازحين، مؤتمر الاستثمار، مؤتمر التعليم العالي، وقد جنت
ثمار تلك المؤتمرات التي حددت صورة المشكلة وناقشت طرق الحل وأصدرت توصياتها وهكذا
كانت المشاركة الجماهيرية في القرار.. وأضحت الدولة لأول مرة في تاريخها تعمل في
جميع تلك المناحي وفقًا لفلسفة علمية محددة في الاقتصاد، الجنوب، الإعلام،
الاستثمار، الدبلوماسية... إلخ.
ولأول مرة كذلك تمتلك الدولة قرارها
في تحديد أولوياتها وفقًا لمصالحها العليا دونما تردد أو تخوف من الأمريكان
ومؤسساتهم التابعة تحت مظلة الأمم المتحدة، فكان قرار الاكتفاء الذاتي من السكر
والألبان وجزئيًا القمح حيث تحقق الاكتفاء بنسبة ٧٠٪ علمًا بأن الثورة لم تبلغ ٦
أشهر عندما اتخذت تلك القرارات ونفذتها.. وبالرغم من معارضة الولايات المتحدة التي
نفذت تهديدها بقطع المعونة الاقتصادية (٥٠ مليون دولار)، وبالرغم من تهديدات صندوق
النقد الدولي الذي رفض زراعة القمح في السودان بحجة أن الأولويات الاقتصادية تدعو
إلى زراعة سلع تجارية أكثر من السلع الغذائية.. وهي حجة إبليسية من أجل رهن القرار
السوداني في أمنه الغذائي.. والثورة وهي تفعل ذلك في عمر قياسي من عمرها المديد
بإذن الله تدرك أن بقاءها رهن بتفجير طاقات الإبداع والإنتاج في الجماهير وأن ذلك
هو الضمان الأوفى في سد الطريق أمام الطائفية وأذنابها الذين ضيعوا استقلال البلاد
طيلة ٣٤ سنة، وقد استجاب الشعب السوداني للتحدي فتصدى يبني الجامعات ويعبد الطرق
وينتج القمح ويرفع معدلات الإنتاج في السكر والقطن والنسيج والغزل وفي إنتاج
الزيوت (سمسم، عباد الشمس، فول سوداني)، وفي الثروة السمكية والحيوانية وانطلق
الطلاب في جامعاتهم ومعاهدهم للدراسة والعمل الصيفي المفيد وهكذا تعيد الثورة بناء
الإنسان السوداني بالعقيدة والعمل والاتفاق وهو ما لا تدركه فلول الأحزاب المسماة
«بالتجمع الوطني الديمقراطي».