العنوان السودان الجديد وحوار العروبة والإفريقية
الكاتب حسن مكي
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003
مشاهدات 74
نشر في العدد 1568
نشر في الصفحة 46
السبت 13-سبتمبر-2003
إفريقيا المصغرة وأرض الهجرات به كل السلالات البشرية والأعراق الإفريقية
4 ملايين من الجنوب نزحوا إلى الشمال.. استقر نصفهم في الخرطوم وتوزع الباقي على أنحاء السودان.
ازدواج الجنسية السودانية مع جنسيات الدول المجاورة.. ظاهرة يتفرد بها السودان.
نهر النيل والأحواض المائية العذبة جعلته مقصد الهجرات والأسفار من شتى بقاع القارة؛ إما طلبًا للرزق وهربًا من الجفاف والتصحر، وإما طلبًا للأمن ووقاية من الحروب الطاحنة.
التجمعات القبلية على حدود السودان تمثل روابط طبيعية وعوامل توحيد قوية مع دول الجوار تتحدى الفواصل والحدود السياسية.
نصف قبائل إفريقيا الوسطى سودانية الأصول، وما زالت ديارها ومراعيها موجودة في الأراضي السودانية.. قبيلة «الزغاوة» التي منها حكام تشاد، نصفها موجود في السودان.
عندما جاء الاستعمار الإنجليزي للسودان صنع المناطق المغلقة في الجنوب ونشط فيها التنصير وزرع الثقافة الغربية وخلق روح العداء للشمال، ومن هنا ولدت فكرة التمرد.
من المقولات التي اشتهرت وذاع صيتها أن السودان هو جسر الثقافة العربية الإسلامية لإفريقيا، بيد أن الأصح من ذلك هو أن السودان إفريقيا مصغرة به كل السلالات البشرية والأعراق الإفريقية، ويعود ذلك إلى أن السودان هو أرض الهجرات؛ حيث يهاجر إليه المهاجرون من غرب (۱) إفريقيا تجاه النيل طلبًا لمواصلة الرحيل إلى الحجاز للحج، وكثيرًا ما يطيب لهؤلاء المهاجرين المقام في أرض النيل عند عودتهم من الأراضي المقدسة، حيث فيه سعة من الرزق وتنوع في المناخ يساعد جميع الأجناس على اختيار المناطق التي تلائمها.كما أن موجات الجفاف التي تضرب القارة الإفريقية في شمالها وغربها وشرقها كثيرًا ما تجلب مهاجرين إلى الأحواض المائية العذبة، وتعتبر المجموعات السكانية الإثيوبية من أوضح النماذج لهذه الهجرات.
أما من ناحية الجنوب فتكون الهجرات في العادة طلبًا للأمن والسلام ومطلوبات الحضارة، خصوصًا في وقتنا الراهن الذي شهد قدوم حوالي أربع ملايين جنوبي نحو الشمال، استقر أكثر من نصفهم في الخرطوم وتوزع الآخرون على بقية أنحاء السودان. ويمكن أن نطلق على السودان أرض الملاذ أو أرض الملجأ الواسعة الممتدة غربًا وشرقًا. وقد اعترفت الأمم المتحدة ضمنيًّا بهذا التميز السوداني في استقبال اللاجئين وإيوائهم، عندما عقدت مؤتمرًا يناقش قضايا اللاجئين في العام قبل الماضي بالخرطوم. والظاهرة المتفردة الأخرى التي يتميز بها السودان وقلَّ أن تجد لها نظيرًا في الدول الأخرى، ظاهرة ازدواج الجنسية السودانية مع جنسيات الدول المجاورة.
فالمجموعات السكانية البيجاوية في شرق السودان (۲) لا تعترف كثيرًا بالحدود السياسية بين البلدين، وتتحرك بحرية في مواسم معينة من داخل السودان إلى إريتريا بالعكس، لذلك ذابت مسألة التحديد القاطع للسوداني في تلك المناطق، وكثيرًا ما تجد الأسرة مكونة من أب سوداني وأم إريترية أو الأخ والعم من جنسيتين مختلفتين. ولا يزال هذا الأمر يمثل إشكالية سياسية مهمة لأن هذه القبائل وجدت نفسها مفصولة بحواجز سياسية، خصوصًا إبان النزاعات الحدودية والحروب الصغيرة. وهذا الأمر ينطبق على المجموعات الأخرى كجنوب شرق السودان ما بين السودان وإثيوبيا، حيث نجد تداخلًا كبيرًا ما بين قبائل الأنواك في السودان وبني عمومتها في إثيوبيا وقبائل بني شنقول والأشولي والكاكاو.
وبين السودان وكينيا تقع قبائل «التبوسا والمادي»، ونفس الشيء مع يوغندا وما بين قبائل الزائدي واسعة الانتشار بين السودان وزائير. أما إفريقيا الوسطى فإن نصف قبائلها تقريبًا سودانية خالصة أو منحدرة من أصول سودانية لا تزال ديارها ومراعي أنعامها تقع في السودان، وفي الحدود بين البلدين. وفي جمهورية تشاد يكون الأمر أكثر وضوحًا؛ وذلك لأن القبيلة الحاكمة فيها -وهي قبيلة الزغاوة العريقة- نصفها في السودان ونصفها الآخر في تشاد، وأنت لا تندهش على الإطلاق إذا وجدت أسرًا سودانية خالصة تمت بصلة قرابة قوية للزعماء السياسيين في تشاد، كذلك توجد قبائل مشتركة أخرى مؤثرة مثل القرعان والميدوب اللتين تتميزان بامتلاك قطعان هائلة من الأنعام تتحرك بها تارة نحو السودان وتارة أخرى نحو تشاد تبعًا لوجود الماء والكلأ، ولا تتقيد كثيرًا بالحدود السياسية، ونحمد الله سبحانه وتعالى أن هذه المنطقة من غرب السودان نعمت بفترة طويلة من السلام في السنوات الماضية، دون أن يعكر صفوها توترات سياسية مفتعلة، مما سمح لهذه القبائل بأخذ حريتها في التنقل والحركة وإنماء ثرواتها الحيوانية.
مصر والسودان
أما الحدود بين مصر والسودان فهي مثل غيرها من الحدود الأخرى تجمع بين قبائل عدة لها جذورها المشتركة بين البلدين، خصوصًا تلك المجموعات السكانية التي تعيش على طول ضفاف النيل العظيم في الحدود المشتركة التي تعرف بالقبائل النوبية، حيث قسمها خط ۲۲ درجة شمالًا إلى نصفين، وطبيعي في هذه الحالة أن تجد أسرة واحدة تحمل مجموعة منها الجنسية المصرية وتحمل الأخرى الجنسية السودانية، ويكون التمييز بينهما فقط بوجودهم شمال أو جنوب خط ۲۲ درجة شمال.
وقد أجمع علماء التاريخ والأنثربولوجيا (3) على أن أساس الحضارة الفرعونية القديمة نشأ في هذه المنطقة وتطور قليلًا حتى وصل إلى ما وصل إليه. ومن القبائل الأخرى المشتركة بين البلدين قبائل العبابدة والبشاريين ومن مراكزهم حلايب المتنازع عليها. وتظل حدود السودان مفتوحة حتى إنه يقال إنه بين كل خمسة سودانيين يوجد اثنان جاءت جذورهما نتيجة لهذه التدخلات والهجرات، وبحسب هذه التقديرات إذا كان سكان السودان بضعة وثلاثين مليونًا من السكان فإن هناك أكثر من عشرة ملايين منهم تعود أصولهم للهجرات إلى أرض النيل. وهذا الأمر كانت له فوائده العظيمة، حيث أكسب السودانيين حب الآخر والاعتراف به والتعايش معه، وحتى من يسعى لنيل الجنسية السودانية في أيامنا هذه يكون قد أصبح وبصورة تلقائية سودانيًّا خالصًا حيث يتم استيعاب ثقافته وعاداته بسرعة فائقة، ولا تعدو أن تكون الجنسية التي منحت له تتويجًا للمسار الاجتماعي الذي توطن فيه وانسجم معه.
بيد أن لكل مسار حالة شاذة، فلا تخلو هذه الصورة المثالية من منغصات وعثرات نتيجة للتدخلات الاستعمارية والصراع ما بين العالم الإسلامي من جهة والعالم المسيحي من جهة أخرى، هذا الصراع الذي استمر منذ وقت مبكر يخبو أحيانًا حتى يكاد يتلاشى ويزيد أواره تارة أخرى. ومن أوضح هذه الحالات مناطق سودانية استعصى التفاعل السكاني فيها خصوصًا بين الشمال والجنوب، وبالتالي تشكلت مناطق منغلقة على ذاتها وتشمل جبال النوبة والأنقسنا. كما لا ينبغي أن يغيب دور العوامل الطبيعية في تقليل التواصل فيما بين المجموعات المختلفة حتى داخل الجنوب نفسه، مما جعل مناطق سودانية عبارة عن فسيفساء لغوية وعرقية لا تشترك قبائلها بأكملها في لغة أو ثقافة واحدة، ولا تشترك أيضًا في ديانة أو معبود واحد، على عكس الشمال الذي يشترك 100% من سكانه في الديانة الإسلامية وكثير من العادات والتقاليد.
الوجه القبيح
وعندما جاء الاستعمار إلى السودان بوجهه القبيح في ۱۸۹۹م (٤) اعتبر هذه المناطق مناطق مغلقة وشجع سياسات التنصير وجعلها محصنة بالكنائس والإرساليات وعزز فيها من قدرات الثقافة الغربية، وبالرغم من ذلك ظلت الأغلبية الساحقة من السكان الجنوبيين على وثنيتهم ودياناتهم البدائية المحلية، ولم يرتفع صوت الصراع الإسلامي المسيحي إلا عند الصفوة الجنوبية المشبعة بالثقافة الغربية وهذه لا تشكل أكثر من 3% من سكان جنوب السودان، والذي ساعدها على إيصال صوتها إلى العالم الخارجي امتلاك وسائل الثقافة الحديثة واللغات الأوروبية والدعم والتشجيع الغربيان، حتى بدا للناظر أن هناك صراعًا حقيقيًّا بين المسلمين والمسيحيين في جنوب السودان.
والآن توجد فرصة عظيمة لتجاوز هذا البرنامج بعد أن هاجر ملايين الجنوبيين إلى الشمال طلبًا للأمن والسلام وخوفًا من إرهاب حركة التمرد التي تنشط في الجنوب، ومسألة هجرتهم إلى الشمال في حد ذاتها دليل إضافي على أن لا حواجز حقيقية بين الشمال والجنوب وإلا ما اختاروا الشمال أرض ملجأ ومهرب، وبهجرتهم هذه غيروا وجه العاصمة تمامًا وصارت العاصمة القومية «الخرطوم» عبارة عن سودان مصغر تتعايش فيه كل قبائل ومجتمعات السودان. ولا شك في أن هذا الأمر يمثل فتحًا جديدًا للسودان؛ حيث إن التعايش المشترك في مجال حيوي واحد يسمح لجميع الأطراف بقدرة أكبر على تفهم الآخر وبالتالي تتلاشى العداوات المفتعلة. ويمكن القول إن الجنوبيين حاليًا يمثلون المجموعة السكانية الثانية في الخرطوم من حيث تعداد السكان، ولو افترضنا أن سكان جنوب السودان عشرة أشخاص نجد أن خمسة منهم في الخرطوم وبقية أنحاء السودان الشمالي، وأربعة في الجنوب، وواحدًا في الخارج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل