; السودان: السيادة المجروحة في اتفاقية الميرغني - قرنق | مجلة المجتمع

العنوان السودان: السيادة المجروحة في اتفاقية الميرغني - قرنق

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1988

مشاهدات 61

نشر في العدد 893

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 29-نوفمبر-1988

  • طوائف اليسار السوداني هللت لمبادرة الميرغني أملًا في لعب ورقة المجرم قرنق ضمن المعركة السياسية مما يساعد على معارضة مشروع الأسلمة المتبني من قبل الحكومة.
  • اتفاقية الميرغني – قرنق هي تعهد من لا يملك لمن لا يستحق.
  • الميرغني: أين مصالح الحزب في الاتفاقية.
  • قرنق: لا يملك زمام أمره.

وقع زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي في السودان محمد عثمان الميرغني في 17 نوفمبر الجاري باديس أبابا بيانًا عرف «باتفاق السلام» مع قائد التمرد في الجنوب السوداني جون قرنق، ينص على ضرورة تكاتف الجهود من أجل انعقاد المؤتمر القومي الدستوري في مدة أقصاها 31 ديسمبر المقبل، باعتبار أن الضرورة الوطنية توجب على كافة القوى السياسية العمل الدؤوب والمخلص لتهيئة المناخ القيام المؤتمر، ويرى الطرفان «حركة المتمردين والحزب الاتحادي» بأن أهم القضايا المهيئة لانعقاد المؤتمر تتلخص في الآتي: 

1 - بما أن الموقف الثابت للحركة «حركة التمرد» هو إلغاء قوانين سبتمبر 1983م «القوانين الإسلامية» واستبدالها بقوانين 1974م، إلا أنها في هذه المرحلة وانطلاقًا من حرصها على قيام المؤتمر الدستوري، تتفق مع الحزب الاتحادي الديمقراطي على تجميد مواد الحدود وكافة المواد ذات الصلة المضمنة في قوانين سبتمبر 1983م، وألا تصدر أية قوانين تحتوي على مثل تلك المواد، وذلك إلى حين قيام المؤتمر القومي الدستوري والفصل نهائيًّا في مسألة القوانين.

2 - إلغاء كل الاتفاقيات العسكرية المبرمة بين السودان والدول الأجنبية والتي تؤثر على السيادة الوطنية.

3 - رفع حالة الطوارئ.

4 - وقف إطلاق النار.

وقد ناشد الطرفان كافة القوى السياسية السودانية ضرورة الالتزام الفوري بهذا الجهد «البيان» الوطني من أجل السلام والاستقرار في السودان. وما أن أذيع نص البيان حتى توالت آثاره في الخرطوم بين كافة الأحزاب والفعاليات السياسية، كما أبدت بعض الدوائر الخارجية ترحيبها بالاتفاق.

توقيت

جاء توقيع البيان مع عودة الجمعية التأسيسية للانعقاد بعد انتهاء إجازة الخريف، وعودة الجمعية تعني فتح باب القراءة الثالثة للقانون الجنائي لسنة 1988م. والمشتمل على مواد الحدود الشرعية ومتابعة أعمال لجنة التشريع في هذا الصدد. وقد حاولت قيادة الاتحادي الديمقراطي في فترة الإجازة الثانية للقانون الجنائي أن تعرقل خطوات إجازة القانون بشتى السبل، إلا أنها لم توفق في إثارة مبررات كافية لمنع سير القانون، وبتوقيع اتفاقية السلام ينفتح الطريق واسعًا أمام قيادة الاتحادي الديمقراطي وتكتلاته العلمانية لمضاعفة الجهود في «تجميد» مواد الحدود الشرعية، وسط أجواء تفيض بالفتنة، وتنضح بالتآمر الخبيث، مراهنة على خيار السلام في الجنوب مقابل الحدود الشرعية.. وقد رضى حزب الميرغنية بالاتفاق مع حركة التمرد على «تجميد» الحدود الشرعية، ضاربًا بتعهداته المبدئية والتاريخية عرض الحائط. فالاتفاق يتضمن ثلاث نقاط من بنوده الأربعة، تتناقض تمامًا مع التوجهات المعلنة للحزب. بدءًا بالبند الأول الذي ينص على «تجميد» الحدود الشرعية.. والتي تعهد الحزب بها ضمن برنامجه السياسي الانتخابي، كما أن العديد من نواب الحزب في الجمعية وصلوا لمقاعد البرلمان بعد أن أعطوا ميثاقًا مغلظًا بالعمل على تحكيم كتاب الله. ويتعارض البند الثاني مع توجهات الحزب القومية وارتباطه الوثيق بمصر؛ حيث إن إلغاء الاتفاقيات العسكرية المبرمة يعني في المقام الأول مصر وليبيا؛ حيث إن السودان لا تربطه أي اتفاقية عسكرية مع أية دولة خارجية عدا مصر وليبيا... أما رفع حالة الطواريء فهو دليل واضح على تبييت نية التآمر لدى قيادة المتمردين، فرفع حالة الطوارىء في الجنوب يعني تعزيز مواقع القتال في جانب التمرد، وبالتالي غياب القوة العسكرية للجيش السوداني.

فالاتفاق لا ينص إلا على بند إيجابي واحدًا، ألا وهو وقف إطلاق النار، وهو مشروط بنفاذ ما سبقه من بنود. كما أنه يتوقف على الاستجابة القومية لانعقاد المؤتمر الدستوري، ويكاد وقف إطلاق النار يفتقد إيجابيته لورود هذين الشطرين ضمن صياغته، ويبقى التوقيت هو سيد الاتفاق بلا منازع في «تجميده» للموقف المحرج الذي يلقاء حزب الميرغنية من خلال موقفه العاجز تجاه القانون الجنائي الإسلامي. كما أن بادرة المحادثات مع قرنق يتوقع «الاتحاديون» لها أن تحدث ردود فعل سلبية وإيجابية عديدة، وربما تصب كثير من إيجابياتها لصالح الحزب في صناديق الانتخابات القادمة. لهذا كان البعد الزمني مزدوج الصلة باتفاقية «الميرغني - قرنق».

اتفاق من لا يملك

قبل أن تعلن قيادة حزب الاتحادي الديمقراطي لمشروع المفاوضات مع قيادة المتمردين ،كان رئيس الوزراء الصادق المهدي قد اعتذر عن لقاء رتب بواسطة الرئيس اليوغندي يوري موسيفيني، وقد برر المهدي عدم لقائه مع الخارج جون قرنق، بأن هذا الأخير ليست له مواثيق، ولا يحترم المعاهدات... وبالرغم من هذا لم يتسرب القنوط إلى قادة الميرغنية. بل سافر الميرغني بعد أن رتبت بعض العناصر الموالية له حادثة إطلاق النار على منزله، إيهامًا للرأي العام بأن الميرغني رجل المرحلة.. وأن هناك عداوات من بعض الفعاليات السياسية لا تريد السلام. وبالرغم من أساليب الإثارة السياسية التي أراد الاتحاديون إضفاءها على خطوة مفاوضاتهم مع قائد التمرد إلا أن الاتفاق بين الطرفين لا يعدو الوصف بأنه اتفاق من لا يملك لمن لا يستحق، فالميرغني ليس جهة اختصاص دستورية؛ حتى يبرم اتفاقًا يتجاهل ويتخطى المؤسسات الدستورية، ويتجاوز شرعيتها بإلزامها اتفاقية تتعارض دستوريًّا مع حضورها. فالجمعية التأسيسية مطلوب منها التنازل إجباريًّا عن سلطتها التشريعية وإرسال قوانين الحدود الشرعية إلى مؤتمر وهمي يطلق عليه «المؤتمر القومي الدستوري»، وليت الطلب جاء من أغلبية شعبية ملتزمة بأهداف الدولة ومواثيقها ودستورها، ولكنه جاء من حفنة خارجة على السيادة والدستور، رهنت نفسها طيلة السنوات الخمس الماضية لأطماع الغرب وإمبريالية كوبا والدول الشرقية، إضافة لمخططات إسرائيل وأثيوبيا وكينيا وزائير.. وعندما يعطي زعيم الميرغنية صفقة يده لمجرم الحرب جون قرنق، فإنه يتجاهل تاريخًا مديدًا من الغدر والخيانة، مثَّله قرنق ضمن مسلسل المفاوضات التي استهلت «باتفاقية کوكادام 1985م» وتبعتها مفاوضات هراري عام 1986م، ولقاء الصادق في أديس أبابا 1986م، ولقاءات لندن مع الجبهة الإسلامية 1987م وغيرها، وكانت النتيجة واحدة هي الفشل والغدر... والعلة في ذلك تكمن في أن الخارج فرنق لا يملك زمام أمره، وهو مسير لدوائر متناقضة الأهداف ومتعارضة المصالح، وحتى في طاق التكوين الداخلي الجماعات التمرد، فإن الصراع والتنازع سمة حاكمة لكل مواقف المتمردين وزعيمهم قرنق، ويكفي أن ندلل على الغدر في اتفاقيات قرنق بأنه قد أطلق صاروخًا على طائرة وزير الدفاع في واو فأصابها، واتفاقيته مع الميرغني لم يجف حبرها بعد..

إشارات خلفية

أن قضية الحرب والسلام في الجنوب السوداني ليسيت مشكلة الحكومة المركزية في الخرطوم فحسب، وإنما هي موضع اهتمام أطراف أخرى يهمها استقرار السودان، وفي مقدمة الدول التي تهتم بمشكلة الجنوب تأتي مصر؛ حيث إن الاستقرار في جنوب السودان، يعني لها تأمين منابع النيل، كما يعني أيضًا تنفيذ بعض المشاريع التي تتصل بالإمداد بالماء كمشروع قناة جونقلي الذي سوف يوفر أكثر من 4 مليار سنويًّا للسودان ومصر بعد إنجازه... واهتمام مصر بقضايا السودان ليس جديدًا، فالسودان ومصر في الاستراتيجية الأمنية يكمل بعضهما بعضًا، ولهذا فإن جهود الدبلوماسية المصرية في احتواء مشكلة جنوب السودان كانت وما زالت تتكاثف من أجل السلام... ومن جانب آخر فإن الرابطة المبدئية تصل حزب الاتحاد الديمقراطي بمصر بصورة ثابتة، ولذا فإن الوساطة المصرية عندما وصلت لبوادر إنجاح مساعيها رأت أن تدعم موقف الميرغنية ضمن تحقيق السلام في جنوب السودان، ومن هنا كانت مبادرة الميرغني... وفي غير ذلك فإن حزب الميرغنية خلافًا لكل الفعاليات السياسية السودانية كان بعيدًا جدًّا عن مشكلة الجنوب، ولم يبد في كل الفترة الماضية أي مشاريع تحض على نوعية حل المشكلة، كما أنه لم يتقدم إلى المتمردين في أي مفاوضات سابقة، لا سيما وأن قرنق كان دائمًا يتجافى والتوجه نحو العروبة عامة ومصر بصفة أساسية.. وبهذا فإن نجاح المفاوضات يعني فتح قنوات وإقامة ثقة بين الجنوبيين وحزب الميرغنية، كما أن النجاح يوفر وجودًا قوميًّا وموقفًا جيدًا في عموم السودان، وينعكس هذا بالتالي على العلاقات السودانية المصرية.

اتفاق مضاد

ما أن أعلن الميرغني عن نية حزبه في إقامة مفاوضات مع حركة المتمردين، حتى تعالت صيحات اليسار السوداني داعيةً بالمباركة والتوفيق للمبادرة الكريمة... وأحزاب اليسار السوداني في ذلك تنطلق من موضع ضياع الذات الذي فرضته عليها الأغلبية البرلمانية في تبنيها لحتمية التحاكم للإسلام، فالمبادرة ستصل ما انقطع بين أحزاب اليسار السوداني والعميل المتمرد جون قرنق؛ خاصة في المجال التكتيكي الوقتي، فحركة التمرد لم تعد فصيلًا ديمقراطيًّا بعد أن ارتكبت جرائم، ترتفع إلى درجة الخيانة العظمى، بدءًا بمنع الإمدادات التموينية للمدنيين الجنوبيين، ومرورًا بالتآمر على وحدة السودان وأمنه بالتعاون مع إسرائيل وكوبا وأثيوبيا، وانتهاءً بضرب وقتل المدنيين... ولكن الحاجة إلى صوت قرنق الأجش تحتمه المرحلة، فأحزاب اليسار التي استضعفتها الأغلبية المسلمة في الشمال تريد دعمًا مبررًا، بعد أن أجبرت هذه الأحزاب على إدانة قرنق.... وجاءت مبادرة الميرغنية في توقيتها تمامًا... ولهذا فإن الدعم الذي وجدته المبادرة بالرغم من شروطها المجحفة.. ووضعها غير الدستوري كان كبيرًا من أحزاب اليسار، وفرصتها الأكبر هي بعودة فصيل قرنق ضمن الفعاليات العاملة في الساحة السياسية... غير أن الصادق المهدي فطن إلى عودة التلاعب بورقة الجنوب، فأصدر قرارًا يمنع بموجبه أي لقاء مع جون قرنق بعد مفاوضات الميرغنية.. ولذلك فإن فرحة اليسار اقتصرت على مفاوضات الميرغني، وتركت المستقبل أملًا بأن تمتد المفاوضات إلى موعد الانتخابات القادمة في أبريل 1990م بإذن الله.

السلام والجنوب

أن مشكلة الجنوب قد حلت في اتفاقية أديس أبابا عام 1972م، وإن كانت لنا عدة تحفظات على ذلك الحل، إلا أنه اتخذ طريقه إلى النفاذ كحل أمن المواطن السوداني في جنوب وشمال القطر.. وأما مشكلة التمرد فهي مشكلة أخرى غير مشكلة الجنوب. وهي ما يمكن أن يطلق عليها مشكلة الخروج على السيادة الوطنية... وبهذا فإن تكييف اللقاء مع قرنق لا يتعد كونه مفاوضات مع خارج على القانون، وأي تنازل من قبل المتفاوض يعد انتهاكًا للقانون السائد، فجون قرنق خارج على السيادة الوطنية، ولولا طوائف اليسار التقليدية لما عومل قرنق خارج هذا الإطار... لا سيما والدلائل أكبر من أن تذكر، بدءًا بالوجود الجنوبي المكثف في الدوائر السياسية والشرعية، وانتهاءً بالحرب الموجهة من قبل قرنق على الجنوبيين في كل أصقاع الجنوب.

ومن هنا فإن المبادرة تعد خطوة تراجعية، لا سيما وأن السودان لو أقدم على حل كل مشكلة للخارجين على القانون، فإن المشكلة سوف تخضع لقانون التسلسل؛ أي كلما عالجنا مشكلة قرنق ظهر لنا قرنق آخر، خاصة وأن الظروف المحيطة قادرة على خلق مثل تلك الإشكالات... فالسلام بالجنوب رهن السيادة الوطنية وبالحوار بين الأطراف المتكافئة، وليس للخارجين أي صفة سوى الضبط القانوني، علمًا بأن قرنق يرقى في كل مواقفه إلى صفة الخارجي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

159

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

134

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8