; السودان .. المؤامرة الدولية والإنقاذ المطلوب | مجلة المجتمع

العنوان السودان .. المؤامرة الدولية والإنقاذ المطلوب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1990

مشاهدات 71

نشر في العدد 957

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 06-مارس-1990

 

 

ما زالت التطورات الدولية ومتغيراتها تُفرز المزيد من الأحداث على الصعيدين العربي والعالمي. غير أن مؤشرات تلك الأحداث تنمُّ عن تكريس الجهود الدولية لصياغة عالم تستأثر فيه القوى الاستعمارية الكبرى بالهيمنة وبسط السلطان. وفي ذات الوقت، تكتمل فيه خطوات المخطط الاستعماري لإزاحة الدول الإسلامية وتهميش دورها الحضاري والثقافي. ويبدو هذا جليًا بالرغم من التزييف الإعلامي الواسع ومساعيه الخادعة في تزيين الوجه القبيح للتآمر الدولي ضد العالم الإسلامي والعالم الثالث. وبما أن المؤامرة على الحضارة الإسلامية ليست وليدة اللحظة الحاضرة، فإن أساليب الغرب الصليبي والصهيونية الدولية قد بلغت في التآمر شأوًا بالغًا، وهو ما يجعل حضورها يعتمد التنوع والكثافة بالقدر الذي يصنفها بالشكل الأخطبوطي.

وكل هذا والعالم الإسلامي لا يكاد يُحرك ساكنًا، وهنا تكمن الخطورة، لا سيما وأن الهجمة الاستعمارية الحالية ليست كسوابقها من حيث القدرة والحجم. ففي الماضي، كانت أطماع الدول الكبرى تقتصر على تكوين مراكز نفوذ في بعض مناطق العالم الاستراتيجية، أما الآن فإن أحوال الدمج في المصالح التي أفرزتها مقررات اتفاق زعماء روسيا وأمريكا جعلت الأطماع تتحول إلى بسط نفوذ أكبر بعد أن اتحد مخطط التقسيم الدولي لصالحهما. وهكذا تنعكس سلبيات الوفاق الدولي علينا. ومن المؤسف أن يبقى العالم الإسلامي في حالة نزوعه اللامبالي وكأن المسألة لا تعنيه، وهي حالة تستدعي الاستغراب خاصة بعد أن تجلت بوادر المخطط الاستعماري في اللجاجة القائمة حول مشكلة فلسطين والاستفزاز المباشر لمشاعر العرب والمسلمين بتهجير 1,000,000 يهودي روسي إلى أرض فلسطين المحتلة. وهي جريمة كبرى بكل المقاييس الدولية. وما يحدث لفلسطين المحتلة ينطبق ولو جزئيًا على السودان، حيث تتضح مساعي المخطط الاستعماري في تكثيف قضية جنوب السودان التي بدأت كمشكل داخلي إقليمي محدود، ولكن بفضل التدخل الأجنبي سرعان ما تحولت إلى مشكلة ضمن الأطر التدويلية، واستنفرت الدوائر الغربية شتاتًا دوليًا متنافر المشارب وربطت بين مصالحها وقضية زعزعة الأمن في جنوب السودان، فاستجابت الكنيسة العالمية والصهيونية الدولية بأطماعها الاستراتيجية والتوسعية، كما تولت الولايات المتحدة رعايتها بالإضافة لاستقطاب الدول الماركسية في وقت سابق، بالإضافة لكوبا التي ما زالت تلعب دورًا في تدريب المتمردين وإمدادهم بالمرتزقة.

والولايات المتحدة أيضًا تقوم بدور مزدوج بجانب مجهوداتها ضمن أطر الاستنزاف العسكري والسياسي للسودان. ويتضح عظم السعي الأمريكي في الرحلات المكوكية للمتنفذين "ميكي لاند وأعوانه" بجانب الدور المندثر بعدم الرسمية الذي يقوم به جيمي كارتر. وقد عملت الولايات المتحدة بتركيز متضافر لتنفيذ سياستها في محاصرة جهود الحكومة السودانية من أجل توفير السلام وحل المشكلة وفقًا للسيادة القانونية للدولة، حيث سعت الإدارة الأمريكية إلى دول الجوار ومارست ضغوطها على البعض منها كما شجعت تلك التي تلتقي مصالحها مع سياسة التفتيت الموجهة ضد السودان، ونشطت في هذا إثيوبيا بعد أن ارتمت في أحضان "إسرائيل"، وكان ثمرة ذلك الارتماء منح دولة العدو الصهيوني جزيرة "هدليك" في جنوب البحر الأحمر. وإثيوبيا تمارس دور الإيواء للمتمردين الجنوبيين كما تقوم بأعمال إعلامية وفقًا لتوزيع الأدوار المتفق عليها في المؤامرة ضد السودان. أما كينيا فتتولى تنظيم العلائق الخارجية باعتبار وجود الكُنْس فيها حيث يتخذ مجلس الكنائس العالمي مقره الإفريقي هناك، إضافة إلى أن المنظمات الطوعية الدولية تكثف وجودها هناك. وهكذا تلعب دول الجوار الإفريقي دورها المنظم في إشعال الفتنة ضد السودان نكاية بمساعيه الجادة في المحافظة على ذاتيته العربية والإسلامية.

إن هذا التكالب وتضافر الجهود في جنوب السودان ليس لنصرة فئة وقع عليها الظلم -كما يُزعم- إنها لا صلة لها بإنقاذ المسيحيين من "براثن التغول!" العربي الإسلامي، كما يحلو للإعلام الغربي أن يصور ذلك. وإلا لكانت هجرة الجنوبيين إلى الخارج وإلى معسكرات جون قرنق، وليس إلى الشمال حيث العرب المسلمون. ولكن تلك الجهود اتخذت من إشكالية جنوب السودان ذريعة "منطقية!" لإحكام الهيمنة على مقدرات القرار السوداني باعتبار أن القرار السوداني ذو أهمية بالغة في نشر الثقافة العربية والإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء ("المركز الإسلامي الإفريقي – منظمة الدعوة الإسلامية وغيرهما"). كما أن الزعزعة الأمنية في الجنوب تؤمن فصل التواصل العربي الإسلامي مع بقية القارة، وهو هدف تأمل الكنائس العالمية ومجالسها في تحقيقه حتى إذا لم يتم فصل الجنوب عن الشمال.

إن السودان في مشكلته مع التمرد مستهدف لذاته، كما أنه أيضًا مستهدف لموقعه الاستراتيجي، ابتداء باستشرافه على منابع ومجرى النيل حيث يتشكل النهر عند حدوده مباشرة، وانتهاء بتداخله في مثلث القرن الأفريقي. ولهذا نجد دولة العدو الصهيوني تحرص على حضورها العسكري والسياسي في جنوب السودان وتبذل إمكانياتها رخيصة لتأمين التقدم العسكري لجون قرنق تطلعًا لترسيخ أقدامها عند منابع النيل ومجراه مما يؤثر مباشرة على أمن مصر والسودان معًا. ومن جانب آخر، فإن الوجود الصهيوني في منطقة القرن الإفريقي يهدد الأمن العربي عامة وأمن دول البحر الأحمر والخليج بصفة خاصة، بالإضافة إلى تهديده لتصدير النفط عبر البحر الأحمر.

إن الوجود الصهيوني والصليبي في منطقة البحر الأحمر سيجعل أمريكا تُشدد بالضغط مُصرة على استنزاف الثروة النفطية، وقد بدت بوادر ذلك حاليًا واضحة للعيان.

إن قضية السودان هي قضية الوجود الحيوي للتمازج العربي الإسلامي في أفريقيا، ولهذا تبدو المؤامرة ضد السودان شديدة التعقيد، وهي لا تقتصر على الفتنة المدمرة في جنوبه، وإنما تمتد في التأثير على أوضاعه الاقتصادية والسياسية. وفي هذا السياق، تبرز المضايقات التي تلقاها الحكومة السودانية من قبل المؤسسات المالية الدولية -صندوق النقد الدولي والبنك الدولي- وإشاعة التقارير الخادعة عن مستقبل الاقتصاد السوداني، حتى وصلت الوقاحة بتلك المؤسسات الدولية إلى الضغط على بعض الدول العربية وصناديقها المالية حتى لا تتعامل مع السودان، على الرغم من الجدية التي أبدتها الحكومة السودانية الحالية في معالجة التشوهات الهيكلية في الاقتصاد السوداني، ويبدو ذلك في تسديد بعض أقساط ديونها على المؤسسات المالية بالإضافة إلى قرارات ضبط الإنفاق وزيادة الإنتاج.

وهنا يجدر بنا أن نذكر البنوك والمؤسسات المالية العربية والإسلامية بالواجب المناط بها في تأدية دورها تجاه الاستهداف الصليبي الأمريكي لدولة السودان، وهو دور تمليه واجبات العقيدة ووحدة الانتماء، كما تمليه دواعي تحصين الجبهة الجنوبية للأمة حتى لا يتسع الخرق ويصبح الأمن القومي العربي والإسلامي بيد الأعداء. ولعل الدول العربية والإسلامية تدرك هذا فتجند إمكانياتها من أجل الحفاظ على وحدة السودان وذاتيته الثقافية والحضارية وحتى لا يغدو السودان فلسطين جديدة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

163

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

136

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8