العنوان السودان.. انتخابات الولاة.. رغبة في تجديد الدماء.. وربما عدم رضا عن الأداء
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
مشاهدات 51
نشر في العدد 1265
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
- تجميد نشاط المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي بعد انتخاب أمينه المساعد واليًا لشمال كردفان.
عاشت الولايات السودانية الشمالية خمسة عشر يومًا حيوية، حيث تم انتخاب الولاة الجدد عن طريق الاقتراع السري بواسطة المجالس النيابية الولائية كما حدث من قبل لوللاية الخرطوم، ووفقًا للمرسوم الثالث عشر فإن رئيس الجمهورية يقدم للمجلس ثلاثة مرشحين معتمدين لديه، ليختار المجلس النيابي للولاية، أحدهم عن طريق الاقتراع قضاة من العاصمة المركزية لضمان حيدة الانتخابات، تمت عملية الترشيح في سرية تامة وسلمت قائمة الترشيحات لكل ولاية للقضاة في ظرف مختوم بالشمع الأحمر، ولم يسمح بفتح المظاريف إلا بعد انعقاد المجلس بنصابه القانوني.
في مساء الخميس قبل الماضي أعلنت نتائج الفرز في كل ولايات الشمال، وقد أفرزت النتائج المعلنة ظواهر ملفتة للنظر، أولها: أن الانتخابات أتت بأحد عشر واليًا جيدًا لأول مرة وأن الذين أعيد انتخابهم من الولاة القدامى أربعة فقط، تم ترشيحهم في غير ولاياتهم السابقة، وأن اثنين من الولاة السابقين ترشحًا في الولايتين اللتين كانا فيهما ولكنهما أخفقا.
الملاحظة الثانية: هي أن واحدًا من الفائزين هو من أبناء الولاية رغم وجود مرشحين في كل ولاية من غير أبنائها، ولكن المجالس فضلت أن تختار من ينتمون إلى الولاية على غيرهم على عكس ما كان سابقًا حيث إن الاختيار كان لرئيس الجمهورية ولم يفز إلا مرشح واحد من خارج الولاية وهو الدكتور إبراهيم عبيد الله، الذي صار واليًا للقضارف وهو من أبناء الولاية الشمالية، ويرى بعض المراقبين أن فوز أحد عشر واليًا جديدًا من خلفيات مختلفة ظاهرة صحية تؤكد أن دوام الحال من المحال، تأكيدًا للقاعدة الحكيمة «لو دامت لغيرك ما وصلت إليك» فيبذل الوالي جهدًا لخدمة الولاية، فوق ذلك فاختيار ولاة جدد لأول مرة تعطي الفرصة لتجربة قيادات وعقول وعزائم جديدة مما تكسب التجربة الشورية الإسلامية زادًا إضافيًا.
أكبر المفاجآت لدى الجميع هو فوز القيادي الإسلامي البارز إبراهيم محمد السنوسي، مساعد الأمين العام للؤتمر الشعبي العربي الإسلامي «أمينه العام د. حسن عبد الله الترابي»، لقد أصبح السنوسي واليًا لولاية شمال كردفان في غرب السودان وهو ابن الولاية ولكن مركزه القيادي حتم عليه أن يكون موجودًا بصفة دائمة في العاصمة مع جولاته الواسعة في العالم الخارجي، لكونه المساعد للأمين العام للمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي وبحكم قربه اللصيق بالدكتور حسن الترابي، فماذا يعني فوز الرجل الثاني في قيادة المؤتمر؟
تأسس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في عام 1991م بحضور معظم الحركات الإسلامية وعيادات أحزاب عربية ووطنية وقومية من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، واختيرت العاصمة السودانية مقرًا للمؤتمر بعد انتخاب الدكتور الترابي أمينًا عامًّا له، وبالرغم من أن السودان كدولة لا علاقة لها بالمؤتمر وتعتبره هيئة شعبية غير رسمية تخص الشعوب العربية والإسلامية، إلا أن وجود الترابي على رأس المؤتمر أثار هاجسًا خصوصًا لدى أكثر الأنظمة الحاكمة، وكذلك لدى دول الغرب، ومع تزايد الهجوم على السودان وإثارة علامات الاستفهام حول المؤتمر على المستويين الإقليمي والعالمي، ارتفعت أصوات في الخرطوم أيضًا تتساءل عن الفوائد التي يجنيها السودان بوجود المؤتمر على أرضه، وعدد البعض السلبيات التي أفرزها ذلك الوجود على العلاقات الدولية للبلاد، ويوم انتخاب الترابي رئيسًا للمجلس الوطني «البرلمان» فرح هؤلاء المشفقون لابتعاد الرجل الأول عن المؤتمر وتركه الأمور للرجل الثاني الشيخ السنوسي وعد ذلك مؤشرًا لبداية حوار مع الجميع، بما فيه الولايات المتحدة دون حسابات أو تحفظات خاصة، وأن المؤتمر صام عن الانعقاد مدة تزيد على الثلاث سنوات، مما عد من باب حسن النية تجاه المتحفظين على دور المؤتمر الأممي والعقدي.
فوز الشيخ إبراهيم السنوسي أعاد للمراقبين حق التكهن بمصير المؤتمر، واعتبروا إبتعاده عن المؤتمر كسابقة القيادي الأول مؤشرًا واضحًا للتخلي عن دور المؤتمر، وبادرة جديدة لحسن النية للحوار المرتقب أو الدائر حاليًا مع القوى العالمية، وإضافة حقيقة لجهود السيد مهدي إبراهيم، سفير السودان في واشنط في حواره مع أمريكا.
الطريقة التي تم بها انتخاب الولاة أثارت تساؤلات واستفهامات، فمن الناحية الشرعية معروف أن لرئيس الدولة المبايع أو المنتخب الحق في اخيتار الوالي لأنه يحل محل الرئيس في النظر في مصالح الأمة في تلك الولاية، ويقوم مقامه ويمثله وفي نهاية الأمر فإن رئيس الدولة مسؤول عن الوالي وتصرفاته.
اقتضى التطور السياسي في السودان كقطر شاسع واسع مترامي الأطراف أن يقسم السودان إلى ولايات، حيث قسم الجنوب إلى عشر ولايات والشمال إلى ست عشر ولاية يقوم في كل ولاية وال يباشر شؤونها، وبما أن الفقه الإسلامي يساير دائمًا التطور فقد رؤي مواكبة لهذا التطور ومسايرة لروح الشورى وبسطها لدى الناس أن يختار رئيس الدولة ثلاثة أشخاص كمرشحين لهم الكفاءة والأهلية فيختار أهل الولاية- في الحالة الحاضرة المجلس التشريعي- أحدهم ليعتمده الرئيس رسميًّا.
واعتبرت هذه التجربة خطوة إيجابية في إطار ترسيخ الشورى بالسودان وتعتبر التجربة نفسها قابلة للتطور لصيغة أكثر جماهيرية تسمح بمشاركة أوسع، وربما التطور المستقبلي لهذه التجربة هو العكس، أي أن يختار المجلس ثلاثة مرشحين من أبناء الولاية ليختار رئيس الدولة واحدًا منهم.
اختيار الولاة من أبناء الولاية لأول مرة في تاريخ ثورة الإنقاذ أثار مخاوف البعض من أن تؤدي هذه التجربة إلى تكريس القبلية التي لا يحبذها الإسلام، ويثير المتخوفون أن يصار الأمر إلى «ولاية استيلاء» بدلًا من ولاية استكفاء فيؤدي إلى استقلال كل وال بولايته كما حدث في التاريخ الإسلامي من قبل، ولكن المدافعين عن التجربة لا يرون مجالًا للتخوف أصلًا.
التغيير الوزاري المرتقب
بعد انتخاب الولاة شغرت بعض مقاعد المجلس الوطني إذ أن الدستور ينص على سقوط عضوية من ينتخب أو يعين في منصب دستوري وستجرى الانتخابات لاحقًا لشغل المقاعد الشاغرة، مجالس العاصمة السودانية العاشقة حتى حد الوله للسياسة، بدأت تعيد مجددًا الحديث عن التغيير الوزاري المرتقب وكان المتوقع أن يحدث تغيير كبير في الوزارة الاتحادية بعد أن صدرت صحف اليوم الذي أجريت فيه الانتخابات بتوقعات ترشيح سبعة وزراء كبار كولاة، ولكل عند فتح المظاريف خاب جل التوقعات بما فيها توقع ترشيح امرأة شمالية لتكون أول امرأة مسلمة يتم ترشيحها لمثل هذا المنصب.
وعاد الحديث حول دمج وزارة شؤون الرئاسة وشؤون القصر، وديوان الحكم الاتحادي في وزارة واحدة تتبع القصر، وترشح التكهنات الاستاذ علي عثمان محمد طه- وزير الخارجية الحالي، لهذا المنصب الكبير، أما وزارة الخارجية فيرشح المراقبون لها د. علي الحاج محمد- وزير الحكم الاتحادي والمفاوض المقتدر لحركات التمرد، وأحد فرسان اتفاقية الخرطوم للسلام، كما أن اللواء مهند عبد الرحيم محمد حسين سيبقى في منصب سيادي ويرشح المراقبون اثنين من قيادات الاتحاديين «جناح الهندي» للوزارة، وكذلك يرشحون «أورك طون» القيادي الجنوبي البارز لوزارة ذات أهمية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل