; السودان: توحيد الصف الوطني لمجابهة الجولة الأخيرة والحاسمة للمفاوضات | مجلة المجتمع

العنوان السودان: توحيد الصف الوطني لمجابهة الجولة الأخيرة والحاسمة للمفاوضات

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003

مشاهدات 48

نشر في العدد 1564

نشر في الصفحة 21

السبت 16-أغسطس-2003

هيأت وثيقة «ناكورو» التي رفضتها كل القوى الوطنية الحادبة على مصلحة السودان ووحدته أرضًا وشعبًا، هيأت المناخ للمصالحة والإجماع الوطني الذي صار مطلبًا شعبيًا رسميًا مُلحًا. إزاء هذه الرغبة فإن ملف الاجماع الوطني سيكون تحت إشراف رئاسة الجمهورية لأن الرئيس البشير مقبول عند الجميـع  وهو يتطلع إلى الوصول بالجميع إلى صيغة مقبولة لاسيما أن كل القوى الوطنية راغبة في خروج البلاد من الأزمة التي أوجدتها وثيقة ناكورو، ووضح جليًا لدى الجميع انحياز الوسطاء من الإيجاد إلى جانب حركة التمرد. 

بات جميع السودانيين حكومة وشعبًا لا يثقون في الجنرال الكيني لازارس سمبويا بعد تبنيه وثيقة ناكورو التي وصفها الجانب السوداني بأنها تؤسس لنظام طائفي غير فاعل لتشوه صورة الحكم وتحرم السودان من الانطلاق عبر نظام سياسي إيجابي يتخذ فيه القرار بصورة سليمة.

تحركات الجنرال الكيني سابقًا وحاليًا تدعو للريبة والشك، وهذه الشكوك حول الرجل أو حتى الإيجاد ليست وليدة اليوم بعد الوثيقة الجائرة التي قدمت للحكومة وقوبلت بالرفض والتف حول الموقف الحكومي حتى غلاة الرافضين للإنقاذ وتوجهاته مثل سيد أحمد الحسين نائب الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض. 

لقد بدأت الشكوك منذ اللحظة التي قبلت فيها حكومة الرئيس البشير وساطة الإيجاد عام ١٩٩٥م بحسن نية للوصول إلى سلام دائم ينهي الحرب التي يقودها جون جارانج منذ عام ١٩٨٣م قادها آخرون قبله منذ عام ١٩٩٥م. 

بدأت دول الإيجاد مبادرتها بالوساطة عام ١٩٩٥م، بإعلان المبادئ الذي ينص على بندين: 

 ١– دولة سودانية علمانية موحدة تلغى فيها الشريعة ويفصل الدين عن السياسة.

٢-في حالة رفض المقترح الأول يعطى للجنوب حق تقرير المصير.

البند الأول: يعني تفكيك النظام الإسلامي القائم تدريجيًا، والعودة بالبلاد إلى عهود التيه والعلمانية وتسليم السلطة كاملة إلى حركة التمرد.

أما البند الثاني فيرمي إلى بتر جزء عزيز من أرض الوطن السوداني تقام عليه دولة صليبية موالية لدولة اليهود في فلسطين وتتحكم في منابع النيل  بالبحيرات وهذا التحكم حلم يهودي لخنق مصر بالذات مائيًا.

الحكومة حينها ترددت كثيرًا في قبول وساطة الإيجاد لأن كل دول الإيجاد مسيحية، وغالب زعمائها منحازون لجون جارانج كحاكمي أوغندا وإرتيريا، ثم قبلتها عام ١٩٩٦م كأساس للتفاوض. وفشلت الإيجاد كل هذه الأعوام في مساعيها والآن قدمت وثيقة ناكورو المنكورة بعد أن ألقت أمريكا وحلفاؤها الغربيون بثقلهم في الشأن السوداني وأجاز الكونجرس الأمريكي قانون «سلام السودان». 

الشكوك التي حاصرت مبادرة الإيجاد من كل أهل السودان شكوك موضوعية لأنها أخفقت تمامًا في إقناع السودانيين بأنها محايدة تريد الخير لكل أهل السودان، لقد عجزت تمامًا عن الحيدة والنزاهة ولم تتمكن من تقديم الحلول التي تحفظ للأغلبية حقوقها وتُبقي على وحدة السودان. الإيجاد إن تبنت هذه الوثيقة التي قدمت دون علم بعض دولها مثل إثيوبيا وجيبوتي فهي ستصبح طرفًا في المشكلة ومن كان طرفًا لا يصبح مؤهلًا للوساطة كما يقول د. غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني للسلام.

  • مستقبل السلام

يبدو أن مستقبل السلام في السودان کمستقبل السلام في فلسطين مادام الراعي مباشرة أو عن طريق الوكلاء واحدًا.

المصادر السودانية غير متفائلة بشأن مستقبل مفاوضات السلام، فالتحركات المريبة التي يقوم بها الجنرال لازارس سمبويا الذي يرأس سكرتارية الإيجاد للتحضير للجولة الحالية للمفاوضات لا يدعو إلا للتشاؤم. 

تفاؤل الحكومة ليس في محله لأن الوثيقة التي قدمت في ناكورو ورفضت أعدت سلفًا بموافقة تلك الدول والشركاء، لاسيما وقد شكك كبير مفاوضي الحكومة د. غازي صلاح الدين في معالجة المشكلة التي خلفتها الوثيقة عبر مقترحات أمريكية حيث أعلن أنه تلقى رسالة من السيناتور – الأمريكي القس دان فورث وليس فيها شيء جديد. ويعتقد أن هدف الإيجاد كان جر الحكومة للجولة الحالية من المفاوضات التي ربما تكون نهائية وإغراء الحكومة بإدخال تعديلات طفيفة لا تغير جوهر الوثيقة وممارسة ضغوط كثيفة عليها لإجبارها على قبول الوثيقة المقدمة. 

 الحكومة وحدها لن تتمكن من مواجهة هذه الضغوط وعليها أن تواصل جهودها في توحيد الصف الإسلامي والوطني المجابهة وثيقة غير مقبولة لأن  الإيجاد وأمريكا وبريطانيا يريدون الإيقاع بالحكومة، فإما أن تقبل بما يقدم من اتفاق سلام يعطي جارانج كل الحقوق وإما أن ترفض لتحميلها مسؤولية إفشال مساعي السلام، وتطبيق قانون السلام الأمريكي بتمويل جارانج ومليشياته بملايين الدولارات «ثلاثمائة مليون دولار كدفعة أولى» مما يضع السودان في دائرة الاستهداف الخارجي المباشر. 

  • لماذا ملف السلام في يد القائم بالأعمال؟

في مقابل تحركات الحكومة لتجميع الصف الوطني على كلمة سواء لمجابهة جولة السلام المقبلة نشطت الإدارة الأمريكية من جانبها لتجاوز عقبة مفاوضات السلام التي تعثرت خطواتها بعد رفض حكومة السودان لوثيقة الإيجاد، وهذه التحركات رصدها المراقبون وقالوا إنها تتمثل في المحاور الآتية لخدمة حملة بوش الانتخابية لتجديد رئاسته العام القادم.

  1. تغيير المبعوث الأمريكي وتسليم ملف السلام لجفري ملنجوت القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية، وقد كثف المبعوث الجديد اتصالاته ولقاءاته مع القوى السياسية بالداخل.
  2. تعيين خبراء في الجيش الأمريكي لتولي ملف الترتيبات الأمنية والعسكرية باعتبارها كبرى عقبات التفاوض.
  3. الاتصالات المكثفة التي أجريت بين الخرطوم وواشنطن وكينيا لتخطي العقبات التي تواجه عملية السلام في السودان. 

والسؤال: لماذا ترغب أمريكا في حسم قضية السلام في السودان بهذه السرعة رغم علمها أن هذه الحرب عمرها نصف قرن وأن محاولات إحلال السلام عمرها نفس عمر الحرب؟ 

الرئيس الأمريكي بوش يسعى لإعادة انتخابه لفترة ثانية، لذلك فهو في سباق مع الزمن لتحقيق إنجاز تاريخي يحسب  لصالحه مما جعله يغير المبعوث دانفورث الذي للخرطوم عليه مأخذ كثيرة لأنه يتحرك كقس بروتستانتي متحالف مع اليمين المسيحي الصهيوني، هذا التحالف الذي لا يبغي خيرًا للعرب والمسلمين والذي يمارس ضغوطًا على الحكومة السودانية لصالح جون جارانج. 

ولكن يبقى السؤال الصعب: هل ستسفر جهود السلام الأمريكي عن سلام حقيقي مقبول من الجميع أم هو سلام كسلام خريطة الطريق الفلسطينية؟

الأيام القادمة ستكشف عن الإجابة وسنرى حين ينجلي غبار المفاوضات أفرس تحته أم حمار. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

143

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

113

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8