العنوان السودان دولة مستهدفة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1989
مشاهدات 158
نشر في العدد 947
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 26-ديسمبر-1989
-
بلادنا مستهدفة وهناك أسباب غير معلنة لهذا الاستهداف أكثر أهمية
من الشعارات المرفوعة.
-
الطاقة والنقل تشكلان البنية التحتية لبناء اقتصاد معافى وقادر
على التطور والنماء.
- الواقع السوداني يتطلب حلولًا تلائم المرحلة وتأخذ في الحسبان
الوضعية الثقافية وأخلاقيات الفكر السائد.
العقيد المهندس صلاح الدين محمد أحمد كرار عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ
الوطني في السودان ورئيس اللجنة الاقتصادية العُليا.. قام والوفد المرافق له خلال
الأسبوع المنصرم بزيارة خاصة لدولة الكويت، والتقى خلالها بالإخوة السودانيين
المقيمين بالكويت كما التقى بعدد من رجال الأعمال الكويتيين والعرب بالإضافة
للمقابلات الرسمية.
والعقيد صلاح الدين كرار مفاوض بارع ومتحدث لبق، ولا غرو فهو بجانب ثقافته
العسكرية الرصينة يحمل درجة الماجستير في الاقتصاد، ولذا فعندما يتحدث في قضايا
الاقتصاد السوداني فإنه يتكلم من موقع الخبير المدرك والباحث المتخصص.
وأثناء لقاءاته سنحت للمجلة فرصة اللقاء به، تناول فيها كثيرًا من النقاط
التي تشغل مساحة الهم السوداني، وكان لقاء إيضاحات مشبع بالتطلع المتفائل لصناعة
الغد المأمول، وقد كانت للقضايا الاقتصادية قصب السبق -كما يقولون- باعتبار الدور
الرئاسي الذي قام به الرجل في المؤتمر الوطني لإنقاذ الاقتصاد.
وبخصوص المؤتمر الوطني للإنقاذ الاقتصادي قال العقيد كرار:
المؤتمر الاقتصادي هو تعبير عن إحساس الثورة بضرورة إشراك أهل الخبرة
والوطنيين وأصحاب الاختصاص في وضع الحلول الإستراتيجية، وهو أسلوب اتبعته الثورة
مع مشكلة الجنوب، حيث تم مؤتمر الحوار الوطني والذي حقق أهدافا أشاد بها كل منصف
على المستوى الإقليمي والدولي، وأما مؤتمر الاقتصاد الوطني فقد شهد اهتمامًا
بالغًا من قِبَل الوطنيين في السودان وبمختلف مشاربهم الثقافية والفنية، ولعل ما
شهدناه من حرص لدى المؤتمرين يرجع للنجاح الذي لقيه مؤتمر الحوار الوطني وتوفير
أجواء الحرية للمؤتمرين والجدية في التوصل إلى تشخيص علمي للمشكلة الاقتصادية وقد
استمر المؤتمر لمدة ثلاثة أسابيع وبلغ عدد أعضائه أكثر من ألف عضو من أهل الاختصاص
ورجال الأعمال وكبار الإداريين والنقابيين وقادة العمل الوطني، وكان الكل يعمل في
نكران ذات وإخلاص منقطع النظير وخرج المؤتمر بتوصيات عملية أخذت في الحسبان الوضع
الاقتصادي القائم وإمكانية إصلاحه، وهذا هو الهدف الرئيس للمؤتمر، فهناك كثير من
المؤتمرات عقدت في فترات سابقة للثورة، إلا إنها كانت تتسم بالتنظير وتقديم الحلول
الجاهزة والتجارب الدولية دونما تعويل على الاختلافات الجذرية بين تلك القرارات
والحلول والحياة البيئية في السودان، وبالطبع فقد خاطب المؤتمر في جلسة الافتتاح
رئيس مجلس قيادة الثورة الفريق عمر البشير، وكان خطابه دعوة للتأطير والتوجه
الموضوعي في صياغة الحلول مما كان له أكبر الأثر في تواصل أجواء الحرية والبحث
الصادق في المؤتمر، وكان لتوجهات الرئيس أكبر الأثر في عملية الحلول، والمؤتمر
احتوى على ثلاث لجان رئيسة: لجنة الموجهات والسياسات وهذه اللجنة أُنيط بها وضع
الإطار النظري والفلسفة المرجعية لطرح الحلول، وهوية تلك الفلسفة هل تتخذ نهجًا
اشتراكيًا أم رأسماليًا وهو ما تم الاتفاق عليه، ونحن نعتقد أن الواقع السوداني
يتطلب حلولًا تلائم المرحلة وتأخذ في الحسبان الوضعية الثقافية وأخلاقيات الفكر
السائد وتهتدي بالطبع بالمفاهيم المبدئية للعقيدة الإسلامية، نظرًا لما لتلك
المفاهيم من حضور وسعي لإبراز مفرداتها في الحياة العامة.. والنظام الاشتراكي
بتخطيطه الاقتصادي الجامد لا يصلح عندنا بتلك الفرضية القاسية، كما أن النظام
الرأسمالي يطلق العنان للعمل الاقتصادي دونما موجهات ضابطة وهو ما لا يتناسب
والحياة السودانية، وعليه فإن المنطلق الاقتصادي نراه من خلال القيم والخصوصية
السودانية بمعنى الالتزام بالنهج النافع لتحقيق أهدافنا في التنمية المتوازنة
والعادلة دون التقيد الحرفي بالنظريات والتجارب المطروحة في كثير من دول العالم..
وهو ما يتيح للسودان بالتعبير عن نوعية التوجه الاقتصادي في درجة معافاة أكبر مع
تجنب لمنزلقات الجمود الناتج عن تلك النظريات.. وهذه اللجنة كانت برئاسة د. إبراهيم عبيدالله.
وأما اللجنة الثانية فهي لجنة الموازنة، وهي برئاسة وزير المالية الأسبق
إبراهيم منعم منصور، ولجنة الموازنة تعنى بمعالجة أسباب الخلل المتعلق بالميزانية،
حيث إن الميزانية تعتبر المقياس المؤشر على صحة الاقتصاد، وقد كشفت دراسات تلك
اللجنة عن الإشكالات المرتبطة بالدعم وتقويم القطاع العام. فالدعم مثلًا يشكل
عبئًا ثقيلًا أرهق الموازنة ويستنزف قدرًا كبيرًا من الدخل القومي قد يصل إلى 46%.. وفي جانب القطاع العام فإن الميزانية المخصصة لتسيير مؤسسات
القطاع العام تشكل هي الأخرى الفجوة بين المنصرفات والمدخول.. إذ إن مؤسسات القطاع
العام غير منتجة وغير قادرة لتحقيق أرباح أو معالجة مشكلاتها الخاصة مما استدعى
تكوين لجان فنية لتحديد مستقبل تلك المؤسسات من حيث الاستمرار.. واللجنة الثالثة
هي لجنة التنمية وقضايا الإنتاج.. وإذا كانت الموازنة مؤشرًا حقيقيًا لمستوى
الاقتصاد، فإن التنمية قتل المخرج الرئيس من مأزق الإخفاق والتخلف الاقتصادي.. وقد
اهتمت تلك اللجنة بالقضايا الرئيسة في التنمية، وقدمت لجانها الفرعية الأطروحات في
الطاقة والنقل والأمن الغذائي وتعمير جنوب السودان.. وهذه تقريبًا أهم مناحي
التطوير في العملية التنموية، فالطاقة والنقل تشكلان البنية التحتية لبناء اقتصاد
معافى وقادر على التطور والنماء، كما أن الأمن الغذائي يعد هو الآخر مدخلًا
ومنتجًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي وسَد الفجوة الغذائية التي تستنزف قدرًا من الدخل
القومي، وحتى لا تبقى إرادتنا مرهونة للآخرين بسبب القمح أو غيره. وأما ما يتصل
بتعمير الجنوب فهو أمر يهم أهل الجنوب حيث أصبح حاليًا منطقة طاردة مما جعل نزوح
أهله واقعًا موضوعيًا، ولهذا لا بد من تعميره حتى يُعاد توطين أهله فيه.
وفيما يتصل بالإمكانية المعدة لتحقيق توصيات المؤتمر وتحويلها إلى حيز
الواقع العملي، لاسيما وإنها تتعلق بعدة وزارات ومؤسسات قال العقيد كرار: لقد
أفردنا لذلك لجنة أطلقنا عليها لجنة التوصيف والتصنيف.. فالتوصيف هو تحديد الخطوات
المطلوب تنفيذها حيال تلك التوصية، والتصنيف يعني أن كل توصية تصنف للجهة التي
يناط بها التنفيذ من حيث التبعية الفنية التخصصية.. وهذا المسلك يضمن لنا تحديد
المسؤولية مع تحديد دقيق للمهمة المدرجة في التوصية، وفي النهاية هناك مكتب متابعة
تابع للجنة الاقتصادية العُليا، مما يضمن أن التوصيات ستجد طريقها إلى التنفيذ ومن
ثم تؤتي أُكلها إن شاء الله.
وفيما يتصل بقضية توفير أجواء صالحة للاستثمار في السودان وإزالة العوائق
أمام المستثمرين تفضل العقيد كرار قائلًا:
إن من أوائل الاهتمامات التي أخذت الثورة على عاتقها هو فتح مجالات
الاستثمار أمام المستثمرين، وقد لاحظنا أن هناك عوائق وشوائب اتصلت في المرحلة
السابقة بالعملية الاستثمارية، مما أورثها سلبيات طاردة، مما جعل كثيرًا من
المستثمرين يتجنبون الاستثمار في السودان وقد عملنا منذ البداية وما زلنا نعمل على
إزالة تلك السلبيات والشوائب، فإن الثورة الآن بصدد وضع قانون للاستثمار يضمن حقوق
المستثمر، وقد وضعت اللجنة المختصة توصيات وخلصت المسودة للقانون بتجنب السلبيات
في القانون السابق ففي السابق كان المستثمر يتعامل مع عدة جهات، وربما كانت هناك
تصورات متباينة بينها مما يؤثر على سرعة الإنجاز وسلامته، ونحن الآن وضعنا هيئة
للاستثمار تشتمل على المتطلبات التنفيذية المتعلقة بالمستثمرين، وهي هيئة عُليا لا
تتبع لوزارة المالية كما كان سابقًا، وإنما تتبع لسُلطة مجلس الوزراء أو مجلس قيادة
الثورة، بحيث تضمن استقلالية القرار وعدم التأثر بالتداول المتعدد في الوزارات
المختصة، وسوف تطرح مسودة قانون الاستثمار في القريب العاجل للمناقشة من قِبَل
المستثمرين المحليين بحيث نتلافى جوانب القصور فيه ونتعرف عن كثب على تطلعاتهم ومن
جانب آخر فإن هناك مسعى لعقد مؤتمر للمستثمرين العرب في فبراير القادم وسندعو له
الغرف التجارية العربية وصناديق التمويل العربية ورجال الأعمال والمال وينّصب
اهتمام المؤتمر على ثلاث مهام رئيسة: المهمة الأولى هي طرح مسودة قانون الاستثمار
كما تتم عملية تنويرية عن مناخ الاستثمار في السودان والتوجهات الجديدة لثورة في
هذا المجال، وإنها بدأت تحل مشاكل الاستثمار المُعلقة في الفترة السابقة فبعض
المستثمرين لهم أرباح مُعلقة وبدأنا في تسليمهم لها أو بعضها، ونحن لا نقول بأننا
قد أزلنا المشكلات السابقة ولكنا بدأنا في إيجاد الحلول لها. والأمر الثالث هو
أننا سنقدم للإخوة المستثمرين إمكانات للاستثمار في السودان ونوعية الاستثمار
ومجالاته وكل ما يتعلق بكل نوعية.
وعن العلاقات العربية - السودانية قال العقيد الكرار:
إننا نملك علاقات جيدة جدًا، ولا أعتقد أن السودان كانت له علاقات بمثل هذا
المستوى الذي يتمتع به الآن.. ولا أدعي بأن هذه الصورة الأمثل ولكن أعتقد أنها
أرفع درجات التعامل التي مرت بها العلاقات السودانية - العربية وليس هذا فحسب،
وإنما نحن نتمتع بعلاقات طيبة مع الدول الإفريقية قاطبة، وحتى الدول التي تحتضن
حركة التمرد الآن كينيا وأوغندا وإثيوبيا، فهي تحترم السودان، ومن جانبنا فنحن
نلتمس لهم العذر فقرار احتضانهم للحركة ليس لهم فيه خيار إذ إنه قرار الدول الكبرى
والمؤسسات الكنسية ولا قبل لهم بمعاداة كل تلك القوى.. وعلى كل فلنا علاقات طيبة
ونسعى دومًا لتطويرها من أجل تحقيق المصالح العُليا. وفيما يختص بالمعارضة داخل البلاد
وخارجها فقد تفضل العقيد كرار قائلًا:
إن المعارضة الماثلة في الساحة السياسية والتي يقودها خارج البلاد مبارك
الفاضل المهدي فهو الشخص الوحيد الذي يتحرك لتأليف معارضين جُدد بعد جون قرنق،
ومبارك الفاضل شخص يفتقر لمواصفات القيادة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، فهو لا
يمتلك الجاذبية كما إنه بلا وزن، فقد ذهب إلى جون قرنق فطرده ورفض مقابلته وكما
قلت في أوقات سابقة يكفينا فخرًا أن يكون قائد معارضة ثورة الإنقاذ الوطني هو
مبارك الفاضل الذي تعرف المحافل الدولية والمحلية شخصيته وأدواره، والتي لا أريد
أن أتحدث عنها في هذا المقام.
أما في داخل البلاد فإن المعارضة مجرد حركات معزولة يقودها الحزب الشيوعي
وهي حركات في النهاية تسعى لدعم جون قرنق، والشعب يعرف مغزى تلك الحركات ولا تفوت
على ذكاء الشعب، كما أن القوات المسلحة تدرك أعداءها وتعرف حركاتهم، والثورة لم
ولن تسمح بالعبث بمقدرات البلاد، ولن تفرط في أمن السودان، والثورة قوية بتلاحم
الشعب وقواته المسلحة من أجل صياغة الغد المشرق بإذن الله.
وعن التساؤل بخصوص الاستهداف الخارجي للسودان من قِبَل الدول الأجنبية
والمبررات التي تجعل الدول الغربية والشرقية تتناصر لعدم حركة التمرد قال العقيد
صلاح الدين كرار: إن مسألة استهداف السودان مسألة معقدة ومتشابكة وفي مثال بسيط
لنترك الثورة جانبًا قبل الثورة كان في السودان نظام يسمونه حكم ديمقراطي
«ليبرالي» وشرعي بالرغم من تلك المسميات.
وهل يعقل إن هذا جاء عفويًا هكذا دونما تبرير، وهو في النهاية يصنف مقدار
حجم السودان في الإستراتيجية الدولية حجمه الاقتصادي والسياسي والأمني، وربما فيه
أشياء نحن لا نراها حاليًا، وأما الآخرون فهم على عِلم بها لما لهم من وسائل تقنية
دقيقة قادرة على كشف المستبطن من الأشياء، وربما رأوا في السودان مخزونًا ضخمًا من
البترول ولحساب هم قدروه يريدون ألا يخرج هذا البترول إلا في بدايات القرن القادم
كما يقول البعض وتكون عندها لضرورة ماسة بنضوب البترول من كثير من دول الإنتاج
الحالية.. وربما من أجل الموقع الإستراتيجي للسودان أو من أجل الإمكانات الهائلة
الزراعية أو غيرها كل هذه عناصر تجعل السودان دولة مستهدفة، وحتى قضية الجنوب ليست
من أجل المسيحية أو خوفًا على تعرض بعض الأعراق للانقراض، ولكن هناك أسبابا غير
مُعلنة أكثر أهمية من الشعارات المرفوعة، خاصة إذا ما نظرنا لهذا التكالب والتنادي
الدولي وتلاقي القوى العظمي بمختلف تصوراتها وتناقض أهدافها على إغراق السودان في
دوامة التمزق الإقليمي، إن لهذه القوى المتضاربة أهداًفا ومشارف تضع يدها جميعًا
في يد التمرد، فالكنيسة العالمية وإسرائيل والشيوعية الدولية والغرب الرأسمالي
كلهم يسعى جاهدًا لاحتضان المتمردين وتلبية احتياجاتهم المادية والإعلامية
والسياسية والعسكرية.. ولا أعتقد أن هذا يقف فقط في حدود عدم التمرد في جنوب
السودان، وإنما له أهداف أخرى هي في خاتمة المطاف تحد من عافية السودان وانطلاقته
وحجزه في مربع التمزق والانهيارات.. وبالطبع نحن لا نستسلم لمخطط الهيمنة الدولية
والاستهداف المتكالب، ولكننا نحن نقاوم أساليب الإستراتيجيات وتطلعاتها نعلم أن
الله I
فوق
تدبيرهم ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل
عمران: 54) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل