العنوان السودان.. سباق التنمية والعمران مع حرب التهديد والحصار
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2007
مشاهدات 79
نشر في العدد 1761
نشر في الصفحة 14
السبت 21-يوليو-2007
■ ترتيبات حركة جارنج بدعم من الغرب تتجه نحو انفصال الجنوب وانتزاع حقوق جديدة في الشمال.
■ البشير: لم نوافق على قرار مجلس الأمن 1706 لأنه يسلم البلاد لاستعمار حقيقي.. وردنا على كل من التقيناهم من الغرب أن محاربتكم أفضل وأكرم وأوفر لنا من القبول بهذا القرار.
■ تحسن ملحوظ في الطرق والمواصلات والاتصالات والعمران لكن منظومة الضرائب والرسوم التي تطول كل شيء تثقل كاهل الناس.
■ أمريكا لم تكن سعيدة بتوقيع اتفاق أبوجا وعزلت نائب وزير خارجيتها لأنه رعى الاتفاق بدلا من عرقلته.
■ الدور العربي الفاعل يكاد يكون غائبا.. وتعقيدات الروتين عقبة أمام تدفق الاستثمار.
■ الملف مازال في حاجة إلى وقفات.. لكن بعد العودة من السفر ان شاء الله.
فارق كبير بين المشهد عام ۱۹۹۷م والمشهد عام ۲۰۰۷م للوهلة الأولى من التحليق فوق مطار الخرطوم لا نكاد نشعر أن شيئا تغير... فمبنى المطار والمنطقة المحيطة به هو هو.. لم يتغير شيء.. حتى الأسوار كما هي.. لكن ما أن تنطلق إلى شوارع الخرطوم بأطرافها النائية تفاجأ بنقلة معقولة في حركة السير... شوارع جديدة مرصوفة بعد أن كانت ضيقة مليئة بالحفر.. جسور على أعلى مستوى أشرف على بنائها شركات معمار تركية، ضخت الحياة في الحركة بين أوصال العاصمة الشاسعة خاصة بين الخرطوم والخرطوم بحري الذي يفصل بينهما نهر النيل الأزرق، وبعد أن كان جسراً حديدياً متهالكاً ذا اتجاه واحد يربط بينهما، صار هناك اثنان من الجسور الضخمة، أحدها تم افتتاحه والآخر على وشك الافتتاح.
حركة المعمار تشهد نهضة وحراكاً ملحوظاً، إذ بدأت تطل على مجرى النيل بفرعيه معالم عمارات وفنادق شامخة وهناك إعداد المشروع ضخم في منطقة المقرن الشاسعة والساحرة، حيث يقترن النيل الأزرق بالنيل الأبيض، مكوناً نهر النيل.... وكما بدا التغير على مستوى العمران والبنيان، فقد بدا أيضاً على حركة الحياة التحسن في المواصلات، قابله تحسن في الاتصالات، فقد أحدث الموبايل، نقلة كبيرة في اتصالات السودان بالعالم الآخر، واختفت حالة العذاب في الاتصالات بالخارج، كما اختفت طوابير الحصول على بنزين السيارات والخبز والسكر وغيرها ... تحسن معقول لكن المشكلة الأكبر أن حياة الناس مازالت صعبة ترهقها الضرائب والرسوم المفروضة على كل شيء حتى على تلك السيدة المعدمة التي جلست أرضاً تصنع أكواباً من الشاي للعمال محاولة كسب رزقها. وهنا تبرز المعادلة الصعبة.. بلد متخم بالثروات من كل لون ونوع، لكنه مازال في دائرة الفقر.. هكذا أراد الاستعمار القديم الذي تواكب في الأزمنة الغابرة.. وهكذا يسعى الاستعمار الحديث بكل ما أوتي من ضغوط وقوة وتهديدات وحصار، ليظل هذا البلد مخزناً كبيراً لكل الثروات دون أن تمتد إليها أيادي أهله «المكبلة»، ولا يجرؤ أحد من الأقارب العرب أو في العالم الإسلامي أن يمد يده بالمساعدة لفك هذه القيود ... وإلا.
ثروات في السماء تهب في مواسم عدة خاصة هذه الأيام على شكل أمطار غزيرة تزيد من ثروة السودان المائية الضخمة، لكن هذه الأمطار تتحول إلى نقمة محدثة فيضانات مدمرة لكل من تجده في طريقها، ولو تم فك أيدي السودان، ومدت إليه يد المساعدة بالتكنولوجيا الحديثة لتمكن من بناء سدود وتمكن أهله من الاستفادة من هذه النعمة نعمة المطر التي يقيم الناس في بلاد أخرى صلاة الاستسقاء لنزولها وصلاة الشكر بعد نزولها. وفي السودان. كما هو معروف نهرا النيل الأزرق، والنيل الأبيض اللذان يكونان نهر النيل العظيم، لكن هناك عشرات الأنهار الأخرى تنبع داخله، وتصب في أراضيه، وهي منتشرة من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه وزيادة في النعمة، فقد أعلن العالم المصري فاروق الباز في الخرطوم في دراسة جديدة عن اكتشاف بحيرة هائلة من المياه الجوفية في دارفور.. وهناك ۲۲ مليون فدان صالحة للزراعة.. أعدها الإنجليز قديماً خلال فترة الاستعمار لتكون مزرعة للقطن الذي كان يتم تصديره لبريطانيا كمادة خام.. وهناك مئات الملايين من الأفدنة الأخرى صالحة للزراعة في أكبر بلد عربي.. إذ تبلغ مساحته حوالي ٢,٥ مليون كم ٢، قدر مساحة مصر مرتين ونصف وقدر مساحة ألمانيا ثماني مرات. وهناك ١٥٠ مليون رأس ماشية، وثروة خشبية هائلة من أجود أنواع الخشب، وهناك أكبر منجم للنحاس الخام في دارفور، وهناك اليورانيوم، ومناجم الذهب، وهناك النفط الذي تنبئ الاكتشافات الحديثة بوجوده في طول السودان وعرضه، ويتولى الصينيون عمليات التنقيب والإنتاج بنجاح وبصورة كلية... لكن في المقابل هناك الضغوط والحصار والتهديد بالحرب لمنع هذا البلد من الحراك وهناك إدارة ظهر من الشقيق العربي تفادياً للمشكلات مع الأمريكان، وهناك محاولة للمقاومة من أهل السودان، ولكنها مازالت ضعيفة لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بتناحر المعارضة، ومنها ما يتعلق بالشخصية السودانية التي مازالت في حاجة إلى تنشيط والخروج من سباتها والانطلاق نحو حماية الوطن. وقد ذكر لي البرفيسور أحمد علي الإمام مستشار الرئيس لشؤون التأصيل أن دراسة أمريكية حديثة تم الحصول عليها أثبتت أن السودان مرشح ليكون أخصب وأهم بلاد الأرض، ولهذا يعدون العدة لافتراسه. هكذا البلد مزدحم بالثروات لكنه يحتاج إلى تكنولوجيا العصر، ويحتاج إلى ميزانية ضخمة لاستثمار هذه الثروات والاستفادة بها.. يحتاج إلى شق المزيد من شبكات الطرق. يحتاج إلى مصانع لتحويل الثروات الخام إلى مواد مصنعة يستعين بها ويصدرها.. يحتاج إلى عمليات تنقيب واكتشاف كبير للثروات المعدنية والنفطية لا تقدر عليها إلا الآلة الحديثة التي تمتلكها الشركات العالمية الكبرى يحتاج إلى توسيع مجاري الأنهار وبناء السدود وشبكة واسعة من الري المنظم، وكلها تحتاج إلى التكنولوجيا والآلات الحديثة... والذي يمتلك معظم تلك الآلة الحديثة هو الغرب الذي يفرض الحصار، ويرفض أن تمتد يد هذا البلد إلى تلك الثروات لتبقى كما هي مواد خام يسهل نقلها إلى هناك بعد حرمان أهلها منها!! وهكذا تعامل الاستعمار قديماً مع إفريقيا ومع السودان، حرص على أن تظل القارة مستودعاً للمواد الخام والثروات والبشر، أشبه بخزانة يتم استغلالها أسوأ استغلال الصالح الرجل الأبيض في الغرب!! لقاءات عديدة دارت مع كبار المسؤولين السودانيين في مقدمتهم الرئيس عمر البشير، ثم مستشاريه البرفيسور أحمد علي الإمام مستشار الرئيس لشؤون التأصيل، ود. مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الشؤون الخارجية، ود. حجازي صلاح الدين مستشار الشؤون السياسية وعدد من كبار الصحفيين هناك. ثم لقاء مع الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد المراقب العام للإخوان المسلمين، الذي يملأ الساحة حركة ومشاركة في معظم الفعاليات، رغم تخطيه الثمانين من عمره «مواليد ١٩٢٥م»، كما جرت لقاءات مع شخصيات مستقلة، إضافة إلى رجل الشارع السوداني، وذلك هو الأهم... الأمر الذي وفر لي حصيلة مهمة من المعلومات والمواقف والبيانات، يحق للقارئ الاطلاع عليها، خاصة ما يتعلق بملف دارفور، وملف الجنوب الذي بقي عاماً ونصف العام على استفتائه، وفق اتفاقية السلام للبقاء ضمن السودان الموحد أو ينفصل.
فيما يتعلق بملف دارفور صب الرئيس البشير كل حديثه حوله شارحاً المسألة بتركيز منذ البداية حتى اليوم... مع الرئيس تناول الرئيس في شرحه آخر المشاكسات الأمريكية مع السودان لتليين موقفه من أجل قبول القوات الأجنبية تحت علم الأمم المتحدة في دارفور، وبين جوانب من الضغوط والتهديدات المتواصلة بغية السيطرة على هذا الإقليم المهم تحت أي علم أو أي مسمى تحدث عن خطورة الإعلام وقدرته السحرية في تشكيل الرأي العام وفق ما يريد، قائلا كان يقال قديما إن الناس على دين ملوكهم، ونحن نقول اليوم إن الناس على دين إعلامهم يوجههم حيث شاء فالحرب الإعلامية التي شبت في الولايات المتحدة لمناصرة بوش قبل غزو العراق أدت إلى ارتفاع شعبية بوش إلى أكثر من ٧٠، وصورته على أنه قام بعمل كبير جدا للحفاظ على الأمن القومي للولايات المتحدة.
والسودان اليوم يتعرض لحملة إعلامية لتشويهه، وللأسف ينطلق وراءها بعض أبواق الإعلام العربي مرددا المعلومات الخاطئة نفسها عن السودان دون أن يدري، فالإعلام الأمريكي صنع قرية أن عدد القتلى في دارفور بلغ مانتي ألف قتيل وبعض قنوات الإعلام العربي تردد المعلومة نفسها، مع أن عدد القتلى الناتج عن النزاع هناك لا يزيد بأي حال على عشرة آلاف.. ونحن لا نقول إن لم يسقط ضحايا وإنما نقول: إن الإعلام الغربي هول وضخم من الموضوع. وروى الرئيس خلفيات الصدام في دارفور مؤكداً أن التمرد حصل ضد الدولة هناك، وقد فتحت الدولة كل الفرص للحوار السياسي، لكن النشاط ضد حركة المواطنين والمواقع والمؤسسات الحكومية تواصل، ومع ذلك كنا تدفع في اتجاه الحوار، وتدفع بالقيادات من أبناء دارفور للحوار لاحتواء الموقف، تجنبا للحرب العسكرية، إلى أن تم الهجوم على حاضنة الولاية في الفاشر، فما كان من الدولة إلا أن حركت قواتها المسلحة مضطرة.. فهذه حرب مفروضة علينا، ولابد من سقوط ضحايا لكنه ليس بالتهويل الذي يروج له الإعلام الغربي. وأكد البشير أن الأهم في تلك القضية هو أن العالم الإسلامي معرض لهجمة غربية شاملة مصاحبة للهجمة العسكرية والاقتصادية هدفها تفتيت العالم الإسلامي سواء من داخل الدول بدعاوى متفرقة ولا أقول هنا إننا ميرؤون كحكام من كل شيء. الكمال لله سبحانه وتعالى، ولكن هناك أشياء كثيرة ليست في صالح المواطنين.. لا حريتهم ولا تحقيق الديمقراطية، وإنما هي محاولات الزعزعة وإضعاف الدول الإسلامية، وهو ما يصب في مصلحة المشروع الصهيوني الصليبي وهو مرتبط ارتباطا وثيقا بإضعاف العالم الإسلامي تحقيقا لأمن إسرائيل.. ولذلك يتم إشغال الدول الإسلامية بمشكلات داخلية أو مشکلات فيما بينهما. وما يجري في العراق خير شاهد حيث تستغل أجهزة المخابرات أجواء المقاومة في إشعال الفتنة الطائفية، ونحن في السودان دعاة سلام. وأكدنا على ذلك من خلال توقيعنا على اتفاقيات سلام، ومع ذلك يقال إننا نحرض الناس على حمل السلاح... ومهما صغرت المشكلة أو كبرت يبقى الحوار لحل المشكلات هو الأسلم والأوفر من الحل العسكري. في جنوب السودان وقعنا اتفاق سلام بعد حرب دامت ٢٣ سنة ووقعنا اتفاق أبوجا للسلام في دارفور، وشارك معنا في توقيع هذه الاتفاقية كل الجهات والتنظيمات والدول التي تدعي الآن أن حكومة السودان لم تعمل للسلام في الوقت الذي أعلنوا جميعا يوم توقيع الاتفاقية أن كل طرف لا يوقع سيعاقب، لكن الذي عوقب هي الحكومة السودانية التي وقعت بينما الذين رفضوا التوقيع وجدوا الدعم والمساندة والتأييد، حتى أن نائب وزير الخارجية الأمريكي الذي كان يقود المجموعة الأمريكية والأوروبية حتى أوصلنا لاتفاق، أبوجا، تم عزله، لأنه لم يكن المطلوب أمريكيا توقيع اتفاق سلام، وإنما كان المطلوب استمرار المشكلة وتفاقمها وتحميل الحكومة السودانية كل المسؤولية!
القوات الأممية:
وعن الضغوط الدائرة لإدخال القوات الأجنبية إلى دارفور، قال الرئيس البشير، إن الاتفاقية الأمنية تحدثت صراحة أن الدور الأمني في مراقبة الأوضاع الأمنية في دارفور يكون للاتحاد الإفريقي... إلى أن صدر القرار (١٧٠٦) من مجلس الأمن وهو قرار خطير جدا ووجدنا بعد دراسة هذا القرار أن المواجهة مع الأمم المتحدة ومجلس أمنها والمجتمع الدولي أفضل لنا كثيراً جداً من قبول هذا القرار، لأن الهدف منه تسليم دارفور لقوات الأمم المتحدة وأن ممثل الأمين العام المقترح في دارفور سيكون بنفس مواصفات وصلاحيات وسلطات، بريمر عقب احتلال القوات الأمريكية والبريطانية للعراق.. أي سيكون الحاكم الفعلي لدارفور لأن ترتيبات الأمن والقضاء والشرطة وحماية المدنيين، وحقوق الإنسان وحماية الحدود السودانية، ستكون من سلطاته، ولهذا كان قرارنا رفض هذا القرار الأممي بصورة واضحة جدا. وقال الرئيس في لهجة واضحة لقد قلنا بكل وضوح لكل من التقينا بهم من المسؤولين الغربيين والأمريكيين، إن محاربتكم أفضل وأرحم وأكرم وأرخص لنا.. لأن هذا استعمار حقيقي للبلد لا يمكن أن نسلم به ولا نقابله إلا بالمقاومة... والمقاومة إما أن تفشل أو تنجح وتكون في النهاية أدينا ما علينا، والحمد لله في النهاية توقفوا وجاءت خطة الأمين العام ذات المراحل الثلاث.
الاتفاق مع الأمم المتحدة:
وكانت لنا ملاحظات عليها تفاوضنا عليها بالاشتراك مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وتمكنا من الوصول إلى اتفاق برعاية كريمة لخادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، في اجتماع مع الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس منظمة الاتحاد الإفريقي، وقد تمكنا في هذا الاجتماع من حذف كل ما اعترضنا عليه، ووقعنا اتفاقاً مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، لكن هذا الاتفاق الذي تم كان مفاجأة وصفعة لصانعي القرار في واشنطن، وقد عبروا بوضوح أن هذا الاتفاق أجهض المحاولات والخطط لاستصدار قرار جديد من الأمم المتحدة ضد السودان مغايرا لهذا الاتفاق والاتفاق الذي تم في السودان وقد حاولت الولايات المتحدة وبريطانيا تغيير بنود هذا الاتفاق الذي يحفظ للسودان وحدة أراضيه وسيادته عليها وعدم التدخل الأجنبي فيها.
وقال البشير: إن تقدير تمويل القوات الإفريقية في دارفور بلغ ملياري دولار سنويا. وأنا أؤكد أنهم لو أعطونا ربيع هذا المبلغ لعمل مشروعات في دارفور لما كانت هناك مشكلة في دارفور من الأصل. وحول طبيعة المشكلات في دارفور قال البشير، إن الصراع في دارفور ليس مربوطا بعرق، وأضاف إن أحدث تقرير أصدرته الأمم المتحدة ووقع عليه الأمين العام للأمم المتحدة يؤكد أن المشكلة بينية بسبب الجفاف والتصحر، فالصراع موجود في مناطق محدودة حول الموارد بين الرعاة، والمزارعين من جهة، أو بين الرعاة وبعضهم البعض، وأن هناك معارك كثيرة، احتدمت في الإقليم، وأطرافها كلها عربية أو ما يسمى بالقبائل العربية، ومعظمها بين الرعاة حول الموارد كما ذكرت.
جنوب السودان:
في ملف الجنوب.. وفي اللقاء مع د. مصطفى عثمان إسماعيل ود. غازي صلاح الدين ومع علي تميم الوزير الجنوبي في الحكومة السودانية وقد كان نصرانيا – وأسلم، ومع الأستاذ كمال إمام أحد أبرز قيادات منظمة دعوة الإسلامية العاملة في الجنوب، صبت حصيلة الحوارات في أن المستهدف في السودان
هو هويته الإسلامية وانتماؤه العربي، وأن المطلوب له أن يكون سوداناً موحداً إفريقياً دون هوية إسلامية أو انتماء عربي ورد ذلك في قائمة حركة جارانج المتمردة التي أسمت نفسها الحركة الشعبية لتحرير السودان، أي تحريره من العرب ونزعه من هويته الإسلامية.
وهكذا أعلن جارائج في مارس ٢٠٠٥م بعد شهرين فقط من توقيع اتفاقية السلام، حيث قال في بروكسل أمام علي عثمان طه نائب رئيس الجمهورية إن الحكومة السودانية الحالية والحكومات السابقة قدمت صورا زائفة للبلاد بأيديولوجياتها العربية والإسلامية الإقصائية .... هذا هو فكر قيادات الجنوب. وقد علقت مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية على اتفاقية السلام مع الجنوب بأنها ستساعد الحركة الشعبية والمتمردين لكي تكون فاعلة في تغيير طبيعة نظام الحكم.. وكل الإجراءات المتخذة خارجياً مع السودان منذ تفجير الحرب اتصب في فصل الجنوب عن السودان ليكون محمية استعمارية تسيطر فيها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إدارة الإقليم، ويكون التحكم في مياه النيل وسد البوابة الجنوبية السودانية أمام المد الإسلامي، بل والانطلاق نحو دق أبواب الشمال السوداني للسيطرة عليه.
واليوم تسير كل الإجراءات نحو الاستقلال بالجنوب تماماً وانتزاع حقوق جديدة في الشمال قدر المستطاع، ولئن كان البعض بدأ يعلن موافقته على انفصال الجنوب حتى يرتاح السودان من هذا الجرح النازف فإنه لو حدث فسيكون زيادة للجرح وستكون كارثة لا تقل عن كارثة الأندلس وزنجبار وستغري القوى الاستعمارية بمزيد من محاولات تفتيت السودان.
على العموم، أعتقد أن ملف الجنوب السوداني ومستقبله يحتاج إلى وقفة مطولة ستكون في مقال قادم إن شاء الله عبر اللقاء مع الوزير الجنوبي علي تميم والأستاذ كمال إمام وهما من أكثر الناس خبرة بهذا الملف.
ويبقى أن نلفت الانتباه هنا إلى أن هناك شبه غياب الدور عربي فاعل وحي داخل هذه الملفات الخطيرة.
إنه دور روتيني سواء على صعيد الاستثمارات العربية أو على صعيد مساعدة السودان إنسانياً، والمطلوب مساعدة فعلية على حل مشكلاته الاقتصادية من جانب، ومواجهة الخطر المحدق عبر التربص الأمريكي من جانب آخر.
على صعيد تدفق الاستثمارات العربية والإسلامية يبقى الجانب الأكبر من المشكلة ملقى على عاتق الحكومة السودانية التي مازال نظامها الاستثماري بقوانينه وآلياته وإجراءاته ملينا بالتعقيدات والروتين الكفيل بعرقلة أي مستثمر، وتلك قضية يجب أن تنظر الحكومة في حلها بأسرع وقت حتى لا تضيع الفرصة.
أما على صعيد الدعم السياسي والاقتصادي والاستراتيجي للسودان في مواجهة الضغوط الغربية فإن هناك تقصيرا عربيا كبيرا تجاه السودان، ولو ترك السودان وحده يواجه خطر فصل الجنوب واستعمار دارفور... و. فإن ذلك سينعكس بصورة طبيعية على المنطقة العربية بأسرها ... وما يجري في العراق خير شاهد...
وفي التحليل الأخير.. مازالت الفرصة قائمة لإسهام عربي وإسلامي أكثر فاعلية.. قبل فوات الأوان!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل