العنوان السودان- طائرات مادلين وهاري فوق سماء السودان
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1375
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
هل مثلت زيارة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية لإفريقيا استفزازًا للسودان وحده أم للعرب والمسلمين في إفريقيا والعالم أجمع؟
أولبرايت بدأت زيارتها في أدغال إفريقيا بعمل استفزازي للشعور المسلم حيث التقت المتمرد جون جارانج الذي يقاتل من أجل تحرير السودان من العرب والمسلمين لإقامة دولة مسيحية فيه، وفي هذا اللقاء المريب وعدت أولبرايت جارانج بالدعم المادي والمعنوي الكامل وأهمها تزويد حركة التمرد بالصواريخ المضادة للطائرات لاستخدامها ضد الطيران السوداني، مما يشكل خطورة بالغة ويؤدي إلى حظر كامل للطيران في جنوب السودان، وقد حدث أن امتلكت حركة التمرد في الثمانينيات عددًا محدودًا من هذه الصواريخ وأسقطت طائرة مدنية راح ضحيتها عدد كبير من المدنيين في مدينة ملكال الجنوبية، وتوقفت حركة الطيران في المنطقة المدنية أكثر من عقد من الزمان.
إن دعم حركة متمردة على دولة معترف بها بهذا الوضوح والصراحة يعني في العرف الدولي إعلان حرب ضد تلك الدولة وانتهاكًا صريحًا ومتعمدًا للقوانين والأعراف الدولية.
أما العمل الاستفزازي الثاني لأولبرايت فهو مشاركتها في جنازة جوليوس نيريري الرئيس التنزاني السابق ووضعها باقة زهور على قبره، ومصدر الاستفزاز أن نيريري هو الذي قاد مذابح العرب في زنجبار وطرد من بقي حيًّا، وهو الأمر نفسه الذي يعد به جون جارانج للعرب في السودان، ولن تنسى ذاكرة المسلمين أن نيريري هو الذي فتح أرض بلاده لجيوش المعارضة الأوغندية بقيادة الصليبي المتعصب ملتون أوبوتي ومعه المرتزقة لغزو أوغندا من حدوده لقلب نظام عيدي أمين لمجرد أنه مسلم.
زيارة أولبرايت تمهيد لزيارة المبعوث الأمريكي الخاص للسودان هاري جونسون الذي وصل إفريقيا بالفعل وبدأ جولته بأريتريا العدوة اللدود للسودان حيث تحكم الأقلية المسيحية الأغلبية المسلمة.
ورغم أن المبعوث أدلى بتصريحات هادئة تغري بالتعامل معه لتسهيل مهمته فإن خطة أمريكا وأجندتها باتت معروفة وأصبحت مكشوفة بتحركات وتصريحات وزيرة الخارجية في كل بلد تنزل فيه ومن قبلها جماعات الضغط في الكونجرس الأمريكي.
أمريكا معروفة بنعومتها عندما تريد أن تنقض على بلد وتريد به سوءًا أو تلحق به أذی، ومما يجعلنا نتوجس خيفة -وإن كان المؤمنون لا يخشون إلا الله- أنه لأول مرة في تاريخ الكونجرس الأمريكي يتم الإجماع على أمر ضد السودان ويمارس الضغط الجماعي على الرئيس الأمريكي مما جعله يعين المبعوث الخاص للسودان، وهكذا اتفقت الإدارة الأمريكية والكونجرس والخارجية وجماعات الضغط الصهيوني على أمر جامع ضد السودان.
من هو هاري جونسون؟
لكي نفهم خفايا مهمة المبعوث الأمريكي نقرأ البطاقة الشخصية للرجل: إنه من مواليد بويست بالم بولاية فلوريدا عام ۱۹۳۱م، تخرج عام ١٩٥٨م في كلية الحقوق وعمل بالمحاماة وينتمي للحزب الديمقراطي وأصبح عضوًا بمجلس النواب لولاية فلوريدا من عام ١٩٧٤م- ١٩٨٦م وتولى رئاسة المجلس لمدة عامين، ثم ارتقى ليصبح عضوًا في مجلس النواب الاتحادي من عام ۱۹۸۷م إلى ۱۹۹5م وصار رئيسًا للجنة فرعية للشئون الإفريقية لمجلس النواب من عام ١٩٩٣م إلى ١٩٩٥م.
وندرك مفتاح شخصيته من أنه مسيحي بروتستانتي تابع للكنيسة المشيخية، وندرك خطورة عقيدة الرجل عندما تعلم أن هناك ارتباطًا عضويًّا بين اليهودية والبروتستانت بعد أن تسربت الأدبيات اليهودية إلى صميم العقيدة المسيحية فأصبحت المسيحية الأصولية المتمثلة في هذه الطائفة التي تحكم أمريكا وبريطانيا هي المدافعة عن كيان اليهود ومصالح دولتهم في كل مكان.
أصول الاعتقاد التوراتي لليهود هي التي تؤلف قاعدة الصهيونية الأصولية التي تربط الدين بالقومية، والتي تستغل وتوظف المسيحية لخدمة أهداف اليهود.
إذن تحرك اليهودية أولبرايت والبروتستانتي هاري جونسون يصب في مصب واحد.
لقد سبق لهذا المبعوث الأمريكي ذاته أن زار عام ١٩٩٣م المناطق التي تسيطر عليها حركة التمرد التي يتعاطف معها، وعند عودته قدم للجنة التي يرأسها بمجلس النواب مشروع القرار «۳» بتاريخ 4/ ٨/ 1993م طالب فيه بتعيين مبعوث خاص للسودان وبوضع السودان في قائمة الإرهاب وحظر القروض وفرض الحصار الاقتصادي وحجب المساعدات الإنسانية عن حكومة السودان، ودعا في ذلك الوقت المبكر إلى إقامة مناطق منزوعة السلاح وملاذات آمنة لضحايا الحرب.
هذا المبعوث بدأ زيارته بأوغندا حيث تربطه علاقات وثيقة بحاكمها موسفيني المسيحي المتعصب المتعاطف مع إسرائيل، وعند زيارة الأخير لأمريكا عام ١٩٩٤م أصدر جونسون بيانًا صحفيًّا يشيد فيه بالرئيس الأوغندي وإنجازاته الاقتصادية والإنسانية، وأبدى استعداد أمريكا للتعاون مع أوغندا لتحقيق السلام في السودان!
تلك هي خلفيات شخصية هاري جونسون المبعوث الأمريكي الذي نحسب أنه قد اختير بدقة لتقديم دراسة عن الوضع في السودان لاتخاذ قرار معد سلفًا، ولكن كل هذه التحركات إنما هي لذر الرماد في العيون -كما يقولون- ولإلهاء الأمة عن الأخطار القادمة والقرار المعني هو التدخل المباشر لفصل جنوب السودان عن الشمال وإنشاء دولة مسيحية برئاسة جون جارانج -إن تعذر إسقاط حكومة الخرطوم- وإقامة دولة علمانية في السودان الموحد برئاسة حاكم غير عربي وغير مسلم.
كلا الفريقين يعرف هذه الحقيقة: الحكومة والمعارضة الشمالية ويعلم أن فصل الجنوب لن يكون نهاية المطاف وزوال آلام السودان وإنما يتحرك الأخطبوط الصهيوني الصليبي لتمزيق أوصال السودان في جبال النوبة والأنقسنا والبجة، وربما حتى أرض النوبة في الشمال.
إنها سياسة تمزيق الوطن الإسلامي لصالح إسرائيل الكبرى ومنع التواصل السوداني العربي الإسلامي الإفريقي حتى لا تعود القارة إلى جذورها الإسلامية.
والهدف الثالث: السيطرة على منابع النيل ومصادر المياه لتكون تحت سيطرة الأيدي المتحالفة مع الصهيونية، فإذا تمكنت هذه الأيدي من السيطرة أمكن التحكم في الأمن المصري أولًا والأمن العربي ثانيًا، وتزداد الضغوط على الأمة لتقبل طوعًا أو كرهًا هيمنة اليهود على الشرق.
المرحلة القادمة تحمل في طياتها الشر المستطير -إن لم تدركنا رحمة الله وعنايته- والمستقبل مجهول ما دامت الطائرات تغدو وتروح في سماء السودان حاملة تارة أولبرايت وتارة أخرى جونسون.
كل هذا يحدث والفرقاء المتشاكسون يتصارعون على كراسي الحكم ويتنازعون أمرهم بينهم أيهم خير مقامًا وأكثر جندًا. لقد أصاب جنون السلطة الجميع وانعدم التسامح السياسي حيث جهود الوفاق لا تتقدم خطوة إلى الأمام.
على الحكومة أن تتحرك اليوم قبل الغد بجميع قدرتها وطاقتها وإمكاناتها للتعبئة الإعلامية، وأن تحرك سفاراتها الميتة التي لا حراك لها ولا تنفعل بقضايا البلد الساخنة، ولا تهتم بالهم الإسلامي.
وعلى المعارضة الشمالية أن تدرك أن السودان في خطر وعليها أن تتحرك بفاعلية لدرء الخطر فإن طموحاتهم السياسية ونزوعهم للسلطة بهذا النهم الغريب هي التي زرعت شجرة الأزمة السياسية حتى أثمر الغرس الخبيث أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل.