العنوان السودان يدخل زمن الانقلابات
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1989
مشاهدات 101
نشر في العدد 898
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 03-يناير-1989
- مساعي السودان لتأصيل هويته العربية الإسلامية في شكلها التطبيقي تصطدم مباشرة بالمشروع الأوروبي الذي يرفض التعايش السلمي مع الإسلام.
- الكيان الصهيوني أقال ثلاثة ضباط كبار من جهاز الموساد بعد فشل المحاولة الانقلابية في السودان.
- فرنسا ألبت صديقاتها من دول الجوار الأفريقية، ودفعت بهم لتنفيذ أعمال النهب المسلح واقتطاع الأراضي السودانية.
- استراتيجية التفتيت معتمدة من قبل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والكيان الصهيوني.
- الولايات المتحدة تصف قوات المتمرد قرنق بالمقاتلين من أجل الحرية والعدالة!!
لماذ يتجمع اليسار والعلمانيون مع أبناء الإرسالية الكنسية في السودان؟
ذكرت الأنباء الواردة من الخرطوم أن أعضاء الحزب الاتحادي الديمقراطي المشاركون في حكومة الوفاق الوطني، قدموا استقالاتهم من الوزارة لزعيم حزبهم محمد عثمان الميرغني، وذلك في أعقاب سقوط اتفاقية الميرغني- قرنق في البرلمان السوداني.
وكانت اتفاقيته قد حظيت بمعارضة شعبية واسعة خاصة بعد محاولة إسقاط طائرة وزير الدفاع السوداني الفريق عبد الماجد حامد خليل بصاروخ من قبل المتمردين، وقد خرجت جموع الشعب السوداني في تظاهرات مدوية بالعاصمة تحت إشراف الجبهة الإسلامية والاتجاه الإسلامي، قدرت حينها بنصف مليون مواطن، وعبرت تلك المظاهرات عن استيائها في جعل الشريعة الإسلامية مناطًا للمناورات السياسية والتنازل عن أحكامها باسم المفاوضات.. وقد طرحت الاتفاقية في الأسبوع الماضي للتصويت من قبل البرلمان فلم تنل إلا على ثقة الاتحاديين والمعارضة الجنوبية مضافًا إليهم الحزب الشيوعي السوداني- 3 أعضاء- وبمجموع كلي 78 صوتًا في مقابل 136 صوتًا للاقتراح المعارض الذي ينص على تفويض الصادق المهدي رئيس الوزراء باتخاذ الخطوات العملية لانعقاد المؤتمر الدستوري ومفاوضة المتمردين من أجل إقرار السلام في الجنوب السوداني دون أدنى التزام بالشروط الواردة في اتفاقية الميرغني.
هذا وكانت السلطات السودانية قد تمكنت في وقت لاحق من الشهر الماضي من إخماد محاولة انقلابية استهدفت تقويض النظام الديمقراطي وتعريض القيادات السياسية للتصفية الجسدية، وقد وصفت المحاولة من قبل الأجهزة الأمنية بأنها محاولة عنصرية- تعبير يستخدم في الإشارة للعناصر غير العربية- وتأتي المحاولة الانقلابية متزامنة مع حدة الجدل المثار من قبل القوى العلمانية واليسارية- الرافضة لتحكيم القوانين الإسلامية، وفي غضون ذلك كشفت أجهزة الأمن السودانية عن مؤامرة أخرى ضد النظام، وقد دلت التحريات بأن المؤامرة التي جاءت بعد أسبوع من المحاولة الانقلابية الفاشلة نظمت بواسطة فلول العهد المايوي البائد- نسبة لانقلاب النميري في مايو- واعتقلت سلطات الأمن أكثر من 8 عسكريين ومثلهم من المدنيين من بينهم العميد «م» أحمد المحينة وكامل محجوب وآمال عباس «أعضاء قياديين في الاتحاد الاشتراكي المنحل» وعلى إثر ذلك أصدر وزير العدل النائب العام د. حسن الترابي قرارًا بإعلان حالة الطوارئ في الخرطوم.
ودلالة هذه الأحداث ليس في تتابعها الدراماتيكي فحسب، وإنما في تواصل الخيوط بينها من جانب وصلتها بعدة دوائر خارجية من جانب آخر. إضافة إلى أن استهدافها ليس مقصورًا فقط على تغيير النظام السياسي، وإنما تتعدى مقاصدها المبيتة إلى تفتيت البلاد.. ومهما بلغت درجة تفاؤلنا تجاه السودان ومستقبله السياسي المنظور إلا أنه لا يمكننا أن نتجاهل حجم المؤامرة التي تحاك من أجل إغراقه في مشاكل جانبية شديدة التعقيد تستهدف تغيبه لكيان عربي أفريقي مميز الحضور، ومن ثم تنفيذ مخططات الأطماع الدولية في تقسيمه إلى دويلات هشة.. وما بروز المحاولة الانقلابية وتوابعها إلا مقدمات أولية.
بدايات المؤامرة
خلال النصف الأول من شهر نوفمبر الماضي، قام وفد أمريكي برئاسة روجر ونتر مدير اللجنة الأمريكية للاجئين بزيارة لجنوب السودان، اقترح على ضوئها تعديل معاملة واشنطن لحكومة الخرطوم، وطالب حكومته بانتهاج سياسة متشددة من حكومة السودان وتحميلها مسؤولية الأوضاع المتردية بين الشمال والجنوب، وقد ترافقت تلك الزيارة مع جولة للجنة تقصي الحقائق في الكونغرس الأمريكي، والتي زارت الخرطوم وسافرت أيضًا إلى جنوب السودان، وقد أدلت اللجنة بتقارير تطابقت في مضمونها مع لجنة روجر ونتر، وذكرت ضرورة تكثيف تعاون الولايات المتحدة مع حركة جون قرنق، وأن تقدم أقصى ما يمكن تقديمه من دعم مادي وسياسي، وقد أطلقت على قوات التمرد صفات التضحية والإقدام، كما وصفتها «بالمقاتلين من أجل الحرية» وهو الوصف الذي أطلقته إدارة ريغان على قوات الكونترا في نيكاراغوا وفي نفس الوقت طلبت «لجنة تقصي الحقائق» من الإدارة الأمريكية أن تمارس ضغطًا مباشرًا على حكومة الخرطوم بتقليص المساعدات الغذائية- إن وجدت- ومن خلال صندوق النقد الدولي.
ومن جانب آخر اتهمت اللجنة الحكومة السودانية بأنها تعمل على تهجير سكان جنوب السودان إلى الشمال. وفي الكونغرس الأمريكي خصصت اجتماعات لمناقشة تقرير اللجنتين، كما عرض موضوع في غاية الخطورة بشأن تقسيم السودان وإمكانية قيام دولة مستقلة في جنوبه، وذلك بناء على الطبيعة «الأثنية» «العرقية» لسكان السودان «زنوج وعرب» وهناك معلومات تشير إلى أن دول الجوار لجنوب السودان كانت على صلة بموضوع التقسيم، كما أنها تتجاوز موقف التأييد إلى التجنيد خاصة كينيا وزائير، وتقول المعلومات بأن المباحثات التي قام بها كل من شمعون بيريز وإسحق شامير مع الرئيس الزائيري مو بوتو قد تناولت قضية جنوب السودان، وإذا ما قامت دولة في جنوب السودان، فإن دولة الكيان الصهيوني سوف تسعى لدى أصدقائها في جميع أنحاء العالم بتأمين الاعتراف بها.. وقرائن الأحداث تصدق تلك النوايا، ففي الأسبوع المنصرم نقل راديو الكيان الصهيوني- الوكالات- الرأي العام الكويتية- عن مصادر أمنية «صهيونية» رفيعة المستوى قولها إن قيادة جهاز المخابرات الإسرائيلية «الموساد» اتخذت قرارا بإقالة ثلاثة ضباط كبار في جهاز الموساد من الخدمة، بينهم ضابط برتبة عميد واثنان برتبة مقدم ورائد وذلك في أعقاب فشل المحاولة الانقلابية في السودان.
ومن جهة أخرى اعترفت دولة الكيان الصهيوني بمصرع عدة ضباط يهود في جنوب السودان، بينهم ضابط كبير في جهاز الموساد الإسرائيلي، وكانت أنباء الخرطوم قد أذاعت خبرًا مفاده العثور على عدة وثائق تبرهن صلة الكيان الصهيوني بقوات المتمردين في الجنوب السوداني، ومنها اغتيال ثلاثة ضباط إسرائيليين بواسطة القوات السودانية إضافة إلى المساعدات والدعم الكبير الذي يتلقاه قرنق من الكيان الصهيوني عبر كينيا- التي أعادت علاقاتها مؤخرًا مع الكيان الصهيوني.
الوكيل الفرنسي
وإذا كانت الولايات المتحدة ترى في متمردي جنوب السودان «قوات كونترا أفارقة» وأنهم يقاتلون من أجل الحرية المقدسة، فمن العجز أن يقف العالم الغربي موقف المتفرج تجاه مناضلي الحرية، ومن هنا جاءت مواقف فرنسا وبريطانيا متواكبة تماما والحماس الأمريكي، وفي هذا الإطار أبدى وزير الإنسانيات الفرنسي رغبته في رعاية الأوضاع المتردية التي يعيشها مسيحيو جنوب السودان الذين يعانون من شرور التفرقة الدينية والعرقية على حد تعبيره بعد زيارته لجنوب السودان في وقت سابق من الشهر الماضي، ولم تقف الرغبة الفرنسية في مضامين كلمات الوزير الفرنسي ذات الطابع «الناعم»، وإنما أقدمت على تنفيذ قسطًا بالغ الأهمية في الإستراتيجية الدولية الرامية إلى إغراق السودان في مشاكله الأمنية وتحطيم كبريائه المتطلعة إلى الانعتاق من التبعية الغربية المتمثلة في توجهاته نحو التأصيل الإسلامي.
ففرنسا هي الراعي الواعي لتحركات عصابات النهب والسلب المسلح في غرب السودان، وعلى مدى العامين المنصرمين كانت منطقة غرب السودان تعج بقبول القوات التشادية من جانب، وبعصابات تعمل تحت سمع وبصر الحكومة التشادية التي تدعمها القوات الفرنسية. وحتى الرابع عشر من الشهر الماضي كان سلاح الجو الفرنسي يخترق الأجواء السودانية لمراقبة تحركات القوات التشادية المناوئة، وفرنسا في الحسابات الأفريقية هي التي تقف خلف أفريقيا الوسطى، ودعمت تحركاتها الأخيرة التي استطاعت بموجبها أن تقتطع أجزاء كبيرة من قطاع «أم دافوق» في جنوب غرب دار فور، وهيمنت على مصادر المياه فيه. وما كان لأفريقيا الوسطى أن تقدم على تلك الخطوة «المتهورة» لولا الدعم المباشر الذي تتلقاه من فرنسا. والجدير بالملاحظة هو أن الاستراتيجية الغربية استقطبت بعض أبناء دار فور ودعمت بهم المتمرد قرنق ومنهم د. أحمد إبراهيم دریج «محافظ سابق لدارفور» ويوسف قوامكي وغيرهم، كما أن هناك منظمة «عنصرية» تطلق على نفسها «منظمة سوني» تعمل على فصل دار فور وغرب السودان عن بقية الأقاليم، وهكذا تتوالى استراتيجية التفتيت المعتمدة من قبل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة البريطانية والكيان الصهيوني والمدعومة بجهود دول الجوار الأفريقية في أفريقيا الوسطى وكينيا التي نفذت هي الأخرى ما أنيط بها من واجب حين اقتطعت أقليم «اليمى» في جنوب شرق البلاد. وكل ذنب السودان هو أنه حاول أن يبتعد عن القوالب الصماء «الجاهزة» التي صممها الغرب الصليبي، وأقدم على تلمس حضارته وأصالته في القوانين الإسلامية والتأصيل الفكري لثقافته. فكانت النتيجة كل هذا الكم من التآمر.. وهو في باطنه معركة واسعة الميادين ليس لها صنو وإن وجد فإن تتضافر جهودها سوف تحيل قواه إلى ضعف حتى تبلغ مداها.
إن أبلغ ما أوضحته اتفاقية الميرغني- فرنق هو تسليطها للأضواء الكاشفة على قوى الداخل التي استقطبتها خيوط الإستراتيجية الدولية المتآمرة. فإن تجمع اتجاهات اليسار السوداني والعلمانيين من أحزاب الاتحاد الديمقراطي وبقايا أبناء الإرسالية الكنسية من أحزاب الجنوب ما كان ليضم ناديهم كل تلك الأصقاع الفكرية المتناقضة، لولا «العراب» الدولي الذي ألبس عليهم ثوب السلام واستدعى لهم النصير في أثيوبيا التي أرسلت رئيس وزرائها فيكري سيلاسي حتى يساوم الصادق المهدي على مبادلة قرنق بأرتيريا من جانب، وليقف على نوايا الحكومة السودانية تجاه تجميد القوانين الإسلامية من جانب آخر. وقد كانت رسالة الغرب الرأسمالي أوضح بكثير من مثيلتها التي دفعت بها أثيوبيا للصادق المهدي، فإن دول نادي باريس أفرجت فورًا وعقب توقيع الاتفاقية عن ٤٠٠ مليون دولار، وفي شكل أقساط حتى تساعد حكومة الخرطوم على الاستقرار والتعمير بعد عودة السلام في الجنوب. هذا في إطار العلائق الخارجية لاتفاقية الميرغني- قرنق فهي تحظى بسيف الغرب وذهبه وأي فكاك عنها فهو خروج على المشروع يستحق فاعله المعاقبة؛ ولهذا فإذا جاء الانقلاب ومحاولة المؤامرة عقب إسقاط الاتفاقية فلا غرابة.. بل إن الغرابة أ لا يكون هناك عقوبة.. وعلى الآخرين أن يستوعبوا الدرس السوداني حين تتطلع إلى الخروج عن دائرة المشروع الأوروبي.
البقية مع القذافي
أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا بأن ليبيا أقدمت على تصنيع حربي كيميائي ينتج مواد سامة، وأضافت بأن انتاج مثل تلك المواد يمثل خرقًا دوليًا لاتفاقيات متعارف عليها، وأنها سوف تعمل على إزالة المعامل التي أنتجت تلك المواد. وفي ذات الوقت أعلنت العراق بأنها لم ترسل للسودان أي مواد حربية كيميائية.
والخبران على درجة واحدة في الصلة بالسودان. إن إقدام ليبيا على تقديم معونات عسكرية واقتصادية لحكومة الخرطوم بعد خرقَا مباشرًا لاستراتيجية التفتيت والتركيع التي تتبناها الدول الغربية. ولهذا فإن التهديد الأمريكي بالغزو المسلح على المعامل الليبية يعد جزءًا من الحماية لمشروع الاستراتيجية تجاه السودان.. وبالطبع ربما تتراجع أمريكا عن ضرب المعامل العسكرية الليبية بعد الاحتجاج العربي والإسلامي على تهديداتها، لكنها لن تسكت تجاه الدعم «الكبير» الليبي الاقتصادي والعسكري للسودان.. لا سيما وإن الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة عام 1986 كانت بسبب تدخله في الاستراتيجية الغربية تجاه تشاد، والموقف تجاه السودان أشد حساسية؛ ولهذا فلا بد من عمل تجاه موقفه من المشكلة السودانية.
فالقذافي دمر أعمدة الاستراتيجية الغربية الثلاثة في السودان وهي الحرب الأهلية في جنوب السودان، والضغط الاقتصادي عن طريق صندوق النقد، وترك السودان يواجه الضغط السياسي الغربي وحيدًا، وموقف العقيد معمر القذافي كان ضد هذه الأعمدة، ولهذا فهو مطلوب للعقاب من الولايات المتحدة وتبقى مشكلة السودان في تقوية جبهته الداخلية واتخاذ أساليب الحيطة والاعتماد على الذات والتمسك الإيجابي بمبادئه الإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل