; السودان يستقبل الولاية الثالثة لرئيسه | مجلة المجتمع

العنوان السودان يستقبل الولاية الثالثة لرئيسه

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1983

مشاهدات 66

نشر في العدد 611

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 08-مارس-1983

·       النميري يقول: إن الفساد يبتلع أكثر من 50% من موازنة الدولة.

·       المعاناة المتصاعدة في السودان وصلت حد الدواء!

·       ما تأخذه أيدي الفاسدين في عام يزيد عن ديون السودان بأكثر من 40%.

·       أين النهج الإسلامي في أولويات الولاية الثالثة؟

·       الفساد لا تستأصله إلا روح صارمة صادقة.

·       السلطة المطلقة خطر على صاحبها ومن حوله.

في عددها الصادر يوم الأحد، السابع من جمادى الأولى سنة 1403هـ‏ الموافق ٢٠/ ٢/ ١٩٨٢م‏ أجرت صحيفة الشرق الأوسط حديثًا مطولًا مع الرئيس السوداني جعفر محمد نميري، تحدث فيه عن جوانب مختلفة تتصل بالأوضاع الداخلية لبلاده وتصوراته حول القضايا التي تشغل الساحة العربية الآن.

ولم يكن جديدًا أن ينوه النميري بنصيحته حول المصالحة غير المشروطة مع مصر، أو الدعوة الصريحة إلى الاعتراف بـ"إسرائيل" ولا نصائحه المسداة حول عدم جدوى الحرب مع "إسرائيل"، وأن الحوار وحده هو الذي يمكن أن يحقق الآمال العربية في فلسطين -ولا نقول الإسلامية- كما لم يكن غريبًا أن يحلل النميري أوضاع بلاده الداخلية وفقًا لمقاييسه ورؤاه المرفودة بتجربة طويلة في الحكم، ولكن الذي استوقفنا صور التعليل والتحليل لما يدور في بلاده، وتفسيره له.

حجم ديون السودان

وقد تطرق النميري إلى حجم ديون السودان، ونفى ما يشاع عن أنها سبعة بلايين. والرقم الذي حدده لها هو سبعمائة مليون دولار مع تنويهه بصعوبة الحصر للديون في العموم! ولا يعنينا هنا صدق هذا الرقم أو ذاك، ولو نفى النميري ديون بلاده جملة وتفصيلًا لما وسعنا إلا التأمين على قوله، فهو رأس البلاد والمسؤول الأول فيها، وجدير برأس المسؤولية أن يكون الأخبر والأعلم بدقائق وتفاصيل ما يدور في حوزته.

غير أن القضية ليست حجم الديون بقدر أنها حجم المعاناة المتصاعدة والتي قرر النميري وجودها وإن حاول تبريرها بشتى المعاذير، هذه المعاناة التي لم تستثن من لظاها إلا تلك القلة المتخمة، والتي يزداد سمنها كلما ازداد هزال العامة. وحتى إن تلاشت ديون السودان ووصلت الصفر أو ما دونه. فإن هناك معاناة مستفحلة تعدت خطوط الكماليات إلى الحاجيات والضروريات، ووصلت حد انعدام الدواء الأساسي لمن لا يستطيع استغناءً عنه كمرضى السكر ومن ماثلهم ممن لا يحتمل حالهم صبرًا ولا انتظارًا.

تعليلات غير شافية

وقد ربط النميري بين الأوضاع العالمية، وبين مشاكل ومعاناة بلاده الاقتصادية، ونسب ذلك إلى التضخم العالمي، وهذا الربط بين معاناة بلاده وبين الأوضاع العالية ليس صحيحًا على إطلاقه؛ فقد استدرك عليه محاوره أنه بينما كانت أسعار السكر العالمية في هبوط كان السودان يعاني من زيادات عالية في أسعاره تجاوزت الـ 50% في بعض المناطق. وقد علل النميري هذا الأمر بأنه إجراءات محلية بحتة، ولا ندري كم رضى المحاور عن هذه الإجابة؟!

والمتحقق أن موطن علة الاقتصاد السوداني ليس في الأوضاع العالمية -والتي هي علة ثانوية إلى حد كبير- بقدر ما أنها علة داخلية!

أين العلة؟

نظن أن العلة الحقيقية هي ما صرح به النميري حول ذلك الفساد ذي النمط الخاص والذي يستطيع أن يبتلع أكثر من 50%‏ من موازنة الدولة! والقول ليس من عندنا، بل من فم الرئيس النميري على ذمة صحيفة الشرق الأوسط قال النميري: «لقد أجرينا إحصائية لما نفقده من الميزانية والمال العام وما يستعاد من هذا المفقود فوجدنا أن ميزانيتنا هي حوالي ٢‏ بليون دولار سنويًّا، وأن ما يفقد منها حوالي 1.01 بليونًا، ومن هذا المبلغ المفقود يستعاد حوالي 50% ثانية إلى الخزنة في إطار الإجراءات القانونية... إلخ. انظر نص الحديث في المصدر المشار إليه.

ووفقًا لرواية الرئيس النميري فإن ما تأخذه أيدي الفاسدين يزيد عن ديون السودان الخارجية بأكثر من 40% فهي تكفي لقضاء ديونه وتفيض، ومن خلال ميزانية عام فقط! ولا شك أن هذه القلة الفاسدة والتي تأخذ من ميزانية البلاد أكثر من 50% أو‏ 25% على الأقل إن أمّنا على مقدرة القوانين العاملة على استعادة نصف المبلغ المأخوذ. فالعلة الحقيقية لاقتصاد السودان ومعاناته هي هذه المجموعة، والعجب أن رئيس الجمهورية يعقب على ذلك بقوله: «وفي السودان عندما يحصل شيء شاذ ينشهر.. فنحن بلد مسلم ومتأثر جدًّا بالأخلاق فعندما يحصل شيء غريب كهذا يكبر الناس القصة في حين أعرف أنه في دولة واحدة يمكن أن يسرق شخص واحد كل هذا المبلغ الذي نفقده بالسودان».

والعجب لا ينقضي من هذا التعقيب، فهل يعتبر النميري هذه الظاهرة شيئا عاديا؟ وأين المبالغة إن كان هذا هو الأمر المعتاد؟ أم تراه يستقل أن تحوز مجموعة مبلغًا يمكن أن يحوزه فرد واحد في بلاد أخرى مما يحيط هو بعلمه؟ أم أن الحكاية عن مفسدي بلاده مبالغ فيها لمجرد أنهم لم يستطيعوا سرقة أكثر من بليون وبضع البليون من الدولارات؟!‏ أم لأنهم عفُّوا عن النصف الباقي الذي لم يسرقوه؟!

هل يمكن محاربة الفساد بهذه الروح؟

شعار لم ينقطع منذ أن أمسك النميري بمقاليد السلطة إلى يوم الناس هذا هو: محاربة الفساد. وقد دخل الآن في عامه الرابع عشر وفي الولاية الثالثة الممتدة إلى ست سنوات أخر -إن قدر المولى ذلك.

وخطورة هذا القول أنه يأتي من فم رئيس مقبل على ولايته الثالثة بعد أيام. والحق أن الدلالات التي ينطوي عليها هذا الكلام هي التي تفسر علة السودان القائمة الآن مع غيرها من الأسباب مما نتطرق إليه في هذا المقال.

فالروح التي يستأصل بها الفساد لابد أن تكون روحًا قوية صارمة حازمة. أما هذه الأقوال فلا مبالغة إن قلنا: إنها تطمئن للمجرمين أكثر من أنها بشارة للمستضعفين المنكوبين الذين تسرق 50%‏ سنويًّا من عرقهم وجهدهم. ولا ريب أن هذه النسبة العالية من الاختلاس والسرقة لم تعليها إلا هذه الروح المهادنة للفساد والمفسدين، إذ إن التهاون في القضاء على الفساد هو المغري بتصاعده وتضاعفه، وليس بين أيدينا إحصائية عن تصاعد الاختلاس والسرقة من الميزانية العامة للدولة من حين تولي النميري للسلطة حتى نخرج بحقيقة واضحة حول هذه المسألة. ولكن الشيء الذي نحن على يقين منه أن الفساد في العهد السابق له والذي كان من أكبر حوافزه على قيامه بثورته -كما كان يقول- كان معدله أقل بكثير من هذه النسية القياسية العالية مع تهوين النميري من أمرها.

والسلطة المطلقة

وذلك سبب آخر يضاف إلى العلة السابقة، بل هو المقدم عليها! وقد صرح النميري بنفسه في حديثه مع محاوره عن هذه السلطة المطلقة حينما بادره بالقول: «حسب دستور البلاد، فإن بيدكم السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) والسلطة التشريعية (مجلس الشعب) الذي لا ينعقد إلا بدعوتكم ولابد من مصادقتكم على قراراته، والمسلطة السياسية (الاتحاد الاشتراكي).. ألا ترون أن في هذا مركزية في الحكم؟ ولم الإصرار على تركيز ككل السلطات بيدكم؟»‏.

وأجابه النميري بقوله:

تستطيع أن تقول ذلك، ولكن هذا ما رضي به الشعب السوداني في دستوره! ولولا يقيننا أن الشعب كائن غائب في المنطقة عمومًا لدخلنا في حوار حول هذا التعليل.. ولكن الحديث عن غائب لا يدري أو أن عودته أمر (...) لا يستحسنه العقلاء!

ولكن تبقى القضية قائمة، وهي قضية هذه السلطات المطلقة التي تدير الرؤوس وتكون خطرًا على صاحبها ومن حوله في آن معًا. ولئن توقع الناس منها خيرًا مطلقًا بزعم الحسم المتوافر كما كان يردد البعض عن حاجة شرقنا إلى «مستبد عادل» لا ندري كيف يجمع العدل مع الاستبداد؟ فلا شك أنها تعود نقمة غير محدودة كلما اختل منسوب العدل في المستبد، والإشكال القائم في المنطقة أن من تتاح لهم الفرصة عندنا ليمتعونا بالعدل المستبد -على حد الأمنية المشهورة- لا يستطيعون إلا الجزء الأول من المعادلة! ولله المشتكى، وبه الاستعانة.

معالم لم تتغير

لقد اجتزأنا هذه الأقوال واكتفينا بها لكونها معبرة عن المزاج والتركيب الذي يتصل بصاحب الأمر في السودان، ولكون ذلك من معالم شخصيته الثابتة والتي ما ازدادت إلا ترسخًا وتمكنًا من خلال الفترة الماضية، ونحسب أن فطامًا يرتجى بعد أربعة عشر عامًا هو أمر صعب جدًّا إن لم يكن مستحيلًا.

والولاية الثالثة

ولا نريد أن نكون من المتنبئين؛ إذ ليس الأمر في حاجة لإجهاد الذهن، فالشيء من مبتدئه يعرف كما كانت تقول العرب في حكمتها والآمال التي زوتها الولايتان المتواليتان من رئاسة النميري لا نظنها كائنة في هذه الولاية الثالثة.

وقد كان من برنامجه في ولايته الثانية تنويه بالنهج الإسلامي الذي لا ندري مكانه الآن في أولوياته، ومع أنه كان يردد في خطاب ولايته الثانية قول الصديق رضي الله عنه: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم»، وذلك خطاب لا يطيقه إلا من كان على نهج أبي يكر ورعيته. ولكن النميري ساق نفسه لذلك الامتحان، وقد اختبر نفر من رعيته ذلك بمحاولة تحقيق تحريم الخمر في جزء من العاصمة «مدينة أم درمان» فنقض النميري الأمر وصرخ في متسببيه أنه ليس أميرًا للمؤمنين! حتى يطالب بذلك الطلب! ولئن عسر على صاحب النهج الإسلامي هذا الأمر الصغير، فما سواه عليه أعسر.. أم ماذا يرى القارئ الكريم؟!

الرابط المختصر :