العنوان السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية.. ومقولة الوسيط النزيه
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 29-مارس-1992
مشاهدات 91
نشر في العدد 995
نشر في الصفحة 28
الأحد 29-مارس-1992
· أمريكا ترتبط بعلاقات إستراتيجية وثيقة مع العدو الصهيوني.. تجعلها
حريصة على تحقيق مصالحها على حساب المصالح العربية.
· بوش والسياسة الأمريكية تجاه (إسرائيل).
منذ اللحظة الأولى التي وافقت فيها الدول العربية ومنظمة التحرير
الفلسطينية، على المشاركة في المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني تحت ظل ما يسمى
بمؤتمر السلام، كانت القوى الإسلامية والمعارضة تُراهن على ما يسمى بالدور
الأمريكي «النزيه والمحايد» في الصراع العربي-الصهيوني.
فبعد انتهاء أزمة الخليج، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش عن عزم
الإدارة الأمريكية لإيجاد تسوية للقضية الفلسطينية، وإنهاء الصراع العربي
الصهيوني، وفق معادلة الأرض مقابل السلام، وعلى أساس قراري مجلس الأمن رقم 242
و338، اللذين يطالبان بانسحاب العدو الصهيوني من أراضٍ احتلت عام 1967 وقد اعتبر
العرب التحرك الأمريكي هذا إيجابيًا، وجعلوه من المبررات القوية لمشاركتهم في
مؤتمر السلام.
والآن وبعد مضي أكثر من عام كامل على مبادرة بوش، وبعد أن قطعت
المفاوضات المباشرة أربع جولات في واشنطن، ما تزال جهود التسوية تراوح في مكانها
دون تحقيق أيّ تقدم يذكر مما يدفعنا إلى التساؤل: هل يمكن اعتبار الولايات المتحدة
وسيطًا نزيهًا في الصراع العربي-الصهيوني؟ وذلك بالاستناد إلى موقفها من التسوية
السياسية والقضية الفلسطينية والعدو الصهيوني.
التحالف الإستراتيجي الصهيوني-
الأمريكي
قبل أن نتحدث عن الدور الحالي للولايات المتحدة في التسوية السياسية،
فلا بد لنا من تقييم الدور الأمريكي تجاه الصراع العربي-الصهيوني منذ قيام الكيان
الصهيوني.. وهو الدور الذي عرف بالانحياز الكامل إلى جانب الكيان الصهيوني على
المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
فمنذ الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية عام 1948 كانت أمريكا
سباقة في تقديم كافة أشكال الدعم للكيان الصهيوني في مواجهة الشعب الفلسطيني
والبلاد العربية، وقد تمثل هذا الدعم في تقديم المساعدات المالية الثابتة التي
وصلت إلى 3 مليارات دولار سنويًا، عِوضًا عن الهبات والمعونات والقروض الطارئة.
وبالإضافة إلى ذلك فقد عمدت الولايات المتحدة إلى تسليح الكيان
الصهيوني بأحدث الآليات والمعدات الحربية لجعل الميزان العسكري يرجح دائمًا لصالحه
في مقابل الدول العربية مجتمعة، وكذلك منع أية دولة عربية من تحقيق تفوق عسكري إستراتيجي
على الكيان الصهيوني.
أما في المجال السياسي فقد ساندت الولايات المتحدة سياسات التوسع
والقمع الصهيوني التي مارسها بحق الشعب الفلسطيني، وعمدت كذلك إلى معارضة أية
قرارات إدانة للسياسات الصهيونية في الأراضي المحتلة.
وفي المقابل ألصقت الولايات المتحدة تهمة الإرهاب بكل الفصائل
الفلسطينية التي مارست العمليات العسكرية الداخلية والخارجية ضد الكيان الصهيوني،
وضيقت الخناق على بعض الدول العربية التي آوت الفدائيين الفلسطينيين أو غضت الطرف
عن نشاطاتهم ضد العدو الصهيوني.
الدوافع الحقيقية للتحرك الأمريكي
للتسوية
وهذه السياسة الأمريكية التي امتازت بالانحياز الكامل للعدو الصهيوني،
تدفعنا إلى التساؤل: ما السبب الحقيقي الذي دفع أمريكا لإعلان عقد المؤتمر
الإقليمي لتسوية الصراع العربي الصهيوني بعد انتهاء أزمة الخليج؟
لقد جاء التحرك الأمريكي النشط نحو الصراع العربي-الصهيوني لتكريس
الواقع الدولي الجديد الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية لتهدئة بؤر التوتر والتفجير
التي يمكن أن تنطلق منها تحركات مناهضة للهيمنة الأمريكية، لذلك فقد سعت وما تزال
لإنهاء الصراع العربي الصهيوني بشكل يؤدي إلى ترسيخ الاحتلال الصهيوني للأراضي
الفلسطينية، واندماج الكيان الصهيوني الدخيل سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا
ضمن المحيط العربي.
الموقف الأمريكي في التسوية
وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية دعت إلى حل الصراع
العربي-الصهيوني على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، وضمن معادلة الأرض مقابل
السلام، إلا أنها لم تحدد تفسيرها لمفهوم القرار 242 مع أنها تعلم يقينًا أن
الكيان الصهيوني يصر على تفسيره الخاص للقرار الذي يرى فيه أنه قد نفذ هذا القرار
بانسحابه من سيناء ضمن اتفاقية السلام المصرية-الصهيونية.
كما أن الرئيس بوش قد أعلن أن الحل سيعتمد على مسارين: مسار
صهيوني-عربي ومسار صهيوني-فلسطيني، وإذا علمنا أن العدو الصهيوني تبنى دائمًا فصل
القضية الفلسطينية عن الصراع العربي الصهيوني، وأنه دعا الدول العربية كلًا على
حدة لتوقيع اتفاقيات سلام معها، أدركنا حقيقة ومغزى التحرك الأمريكي، ومدى ملاءمته
للسياسة الصهيونية.
ومن ناحية أخرى عملت الإدارة الأمريكية على تفريغ مؤتمر السلام من
مضمونه الدولي، عندما أعلنت أن مشاركة الأمم المتحدة وأوروبا في المؤتمر ستكون
بصفة مراقب، وبحيث لا يكون للأمم المتحدة الحق في تفسير القرارات الصادرة عنها،
وهذا يعني أن مؤتمر السلام هذا لم يكن سوى مؤتمرًا احتفاليًا يمهد لمفاوضات مباشرة
طالب بها الكيان الصهيوني، وكان العرب يرفضونها على الدوام، وإمعانًا من الإدارة
الأمريكية في مجاراة الشروط الصهيونية، فقد أصرت على أن يشترك الفلسطينيون في
المفاوضات ضمن وفد أردني-فلسطيني مشترك، ولم يسمح لهم بتشكيل وفد مستقل، كما لم
يسمح لفلسطينيي القدس المحتلة بالمشاركة ضمن الوفد انسجامًا مع الشروط الصهيونية
التي أرادت تهميش قضية الشعب الفلسطيني، وعرضها على أنها قضية مطالبة بعض السكان
في الضفة وقطاع غزة بحكم ذاتي هزيل ضمن إطار الكيان الصهيوني!!
الموقف الأمريكي من سير المفاوضات
الثنائية
لقد راهنت الأطراف العربية المشاركة في عملية السلام على الإدارة
الأمريكية كوسيط «نزيه» في المفاوضات، وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي أن
الولايات المتحدة لن تتدخل في سير المفاوضات ما لم تطلب الأطراف المشاركة منها
ذلك، الأمر الذي جعل العدو الصهيوني يماطل ويراوغ في المفاوضات مع المطالبة
المستمرة بنقلها إلى منطقة الشرق الأوسط للاستفراد بالدول العربية وإملاء الحل
الصهيوني عليها دونما تدخل من أمريكا.
وقد تنازلت الوفود العربية عن شرطها السابق بعدم الخوض في تفاصيل
المفاوضات إلا بعد استجابة العدو الصهيوني لمطلب وقف الاستيطان، بعدما تأكد لها أن
هذا المطلب غير قابل للتحقيق، وأن الإدارة الأمريكية لن تمارس أي ضغط حقيقي وفاعل
في هذا الشأن، ورغم التعنت والتصلب الصهيوني وعدم استعداده لتقديم أية تنازلات،
فقد كافأته الإدارة الأمريكية بإلغاء قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية، والذي كان
مجلس الأمن قد اتخذه سابقًا.
أما فيما يتعلق بالحكم الذاتي للفلسطينيين الذي يشكل المحور الرئيس
للمفاوضات الراهنة، فإن الكيان الصهيوني ما يزال مصرًا على موقفه القاضي بإعطاء
السكان الفلسطينيين دون الأرض، حكمًا ذاتيًا محدودًا، بحيث يكون للفلسطينيين إدارة
وتصريف شؤون حياتهم اليومية الداخلية من اقتصاد وبلديات، ويبقى للعدو الصهيوني
السيطرة على الأرض والأمن والشؤون السياسية الخارجية، وهذا ما يرفضه الفلسطينيون
الذين يطالبون بحكم ذاتي كامل للأرض والسكان، وترفض الإدارة الأمريكية التدخل في
هذه التفاصيل تاركة الأمر للمتفاوضين.
أما ضمانات القروض التي يطلبها الكيان الصهيوني من أمريكا، والتي تبلغ
قيمتها 10 مليارات دولار، فقد حاولت الإدارة الأمريكية استرضاء العدو الصهيوني من
خلال مطالبتها للكيان الصهيوني بتجميد الاستيطان مقابل الحصول على تلك القروض إلا
أن الكيان الصهيوني ما يزال يرفض مثل هذا الشرط، ويتمسك بفصل قضية الاستيطان عن
ضمانات القروض.
الخلاصة
مما سبق يتضح لنا عدم صحة مقولة «الوسيط الأمريكي النزيه» التي تتغنى
بها الأطراف العربية والفلسطينية التي شاركت في المفاوضات المباشرة مع العدو
الصهيوني، إذ إن أمريكا- كما رأينا- ترتبط بعلاقات إستراتيجية وثيقة، مع العدو
الصهيوني مما يجعلها حريصة على تحقيق مصالحه في المنطقة على حساب المصالح العربية،
كما أن الدور الأمريكي خلال مفاوضات السلام لم يتسم بالمصداقية أو الاتزان في غالب
الأحيان كما أنه يطارد بعض الدول العربية مثل سوريا التي تسعى إلى تسليح نفسها من
مصادر مختلفة مثل الصين، بينما يقوم بتسليح العدو الصهيوني بأحدث ما توصلت إليه
تكنولوجيا الصناعات العسكرية الأمريكية، وكذلك فإنه يدين أية عملية توجه ضد
المصالح الصهيونية في الخارج، بينما يلتزم الصمت تجاه سياسة القمع الصهيونية
اليومية ضد الشعب الفلسطيني وضد جنوب لبنان.
وهذا يقودنا إلى حقيقة أن الذين شاركوا في المفاوضات مع العدو
الصهيوني، لم يشاركوا لقناعتهم بنزاهة الدور الأمريكي، وإنما جاءت مشاركتهم رغبة
في التخلص من عبء القضية الفلسطينية ورضوخًا للإدارة التي لا يملكون معارضتها.