; السيناريوهات المستقبلية للعلاقة بين النظام السياسي المصري وجماعة الإخوان المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان السيناريوهات المستقبلية للعلاقة بين النظام السياسي المصري وجماعة الإخوان المسلمين

الكاتب حامد عبدالماجد قويسي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001

مشاهدات 56

نشر في العدد 1437

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 06-فبراير-2001

  • هل تستمر العلاقة بين الإخوان والسلطة ضمن إطار «الدورتين المتعاقبتين المتناقضتين»؟

  • في ظل نظام له طبيعة رئاسية تلعب مؤسسة الرئاسة الدور المركزي في تحديد الخيارات السياسية داخليًا وخارجيًا

  • كان الخطاب السياسي الرسمي يصر على تراجع شعبية الإخوان، ثم جاءت الانتخابات على عكس ذلك

  • يجب أن تتبلور قناعة لدى المؤسسة الحاكمة في مصر محورها أنه لا يمكن إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي في مصر مع استبعاد جماعة الإخوان المسلمين 

كشفت نتائج الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة عن الكثير من القضايا السياسية ذات الدلالة والتأثير على مستقبل التطور الديمقراطي في مصر، منها: ضعف النظام الحزبي بعد ما يقرب من ربع قرن على الأخذ بـ«التعددية الحزبية المقيدة»، وتدعيم دور المؤسسة القضائية في الحياة السياسية، وبروز إشكالية العلاقة بين النظام والإخوان المسلمين مجددًا.

وعلى الرغم من أهمية كل هذه القضايا وتشابك تأثيراتها وتفاعلاتها، إلا أن القضية أو الإشكالية الأخيرة تظل من زاوية استشراف المستقبل أكثرها حساسية وتأثيرًا على مستقبل الاستقرار والتطور التعددي والديمقراطي المصري، ويتلخص المشهد الذي عرض على مسرح الحياة السياسية المصرية مؤخرًا في نجاح مجموعة من مرشحي جماعة الإخوان المسلمين ودخولهم «البرلمان» ليشكلوا ثاني كتلة منظمة بعد الحزب الوطني الحاكم، ثم ليعقبه -بعد أسبوع تقريبًا- إدخال عدد مقارب من قيادات الجماعة -بقرارات من المحكمة العسكرية- إلى «الليمان» أشهر السجون المصرية وأكثرها عراقة.

 تبدو المفارقة بصدد هذا المشهد المعبر «واضحة» بقدر كونها «عسيرة» الفهم على أذهان كثير من المحللين السياسيين، ربما لسرعة التعاقب بين جانبي المشهد المتناقضين، والأمر من وجهة نظرنا على خلاف ذلك، فعند التمعن في الخبرة التاريخية للعلاقة بين مختلف الأنظمة السياسية التي حكمت مصر وجماعة الإخوان المسلمين نجد اتجاهًا عامًا متكررًا محوره أن هذه العلاقة تأخذ دائمًا شكل «دورتين متعاقبتين ومتناقضتين» الأولى: دورة هدوء وحرية نسبية، ثم يعقبها نقيضها دورة توتر وتضييق وسجون.

حركة يوليو:

فعلى سبيل المثال مع بداية حركة يوليو ١٩٥٢م شهدت العلاقة -الدورة الأولى- حتى ١٩٥٤م- لتنقلب سريعًا إلى -الدورة الثانية- الصدامية التي استمرت بدرجات متفاوتة حتى وفاة عبد الناصر، ومع بداية عهد السادات دخلت العلاقة -الدورة الأولى- تقريبًا من ۷۲- ۱۹۷۸م، ومنذ ذلك التاريخ تقريبًا بدأت الدورة الثانية لتصل إلى ذروتها في الأحداث المعروفة ۱۹۸۱م، ومع مجيء حكم الرئيس مبارك دخلت العلاقة بداية من عام ۱۹۸۲م الدورة الأولى، واستمرت حتى عام ١٩٩٧م، لتنتقل إلى الدورة الثانية المستمرة حتى الآن، بالطبع قد يحدث خلاف حول تحديد سنة البداية أو النهاية لكل دورة، لكن الاتجاه العام سليم، بل إن أشهر مؤرخي الحياة السياسية المصرية وأكثرهم رصانة الأستاذ طارق البشري يشير إلى صحة هذه الملاحظة حيث يقول: «قد لا يكون فاروق وعبد الناصر والسادات قد تشابهوا في مسلك أبدًا إلا في نوع تعاملهم مع هذا التيار (يقصد جماعة الإخوان المسلمين) (الحركة السياسية في مصر ۱۹۸۷م).

ومثلما أن هناك اتجاهًا متكررًا وثابتًا في العلاقة بين أنظمة الحكم المصرية كافة وجماعة الإخوان المسلمين هناك رؤية تفسيرية شائعة ومتكررة بين بعض المحللين، محورها تفسير «الدورة الأولى» بأن النظام السياسي -أيًا كانت طبيعته أو شخص الحاكم- يوظف الجماعة في تصفية خصومه السياسيين مقابل اتفاق ضمني بتحقيق مصالح معينة، وهم يفسرون الدورة الثانية باتجاه الجماعة إلى ممارسة العنف، أو تحريضها عليه ولو بشكل غير مباشر.

لكن هذه الرؤية لم يقل بها أحد حتى الآن في تفسير العلاقة في عهد مبارك، فلم يقل أحد من المحللين إن الرئيس مبارك استخدم الإخوان المسلمين في تصفية خصومه السياسيين في بداية عهده، أو أنه عقد معهم اتفاقًا ما استطاعوا بموجبه أن يحققوا الانتشار والإنجازات التي حققوها، كما أن النظام ذاته -في الدورة الثانية- لم يتهم جماعة الإخوان المسلمين وحتى في المحاكمات العسكرية الأخيرة بأنهم مارسوا العنف أو حرضوا عليه ولو بشكل غير مباشر، ويفرض ذلك على المحلل الجاد البحث في تفسيرات أخرى واقعية لأسباب التحول في العلاقة وتعاقبها السريع، الأمر الذي تعرضنا له تفصيلًا في موضع آخر، ونعرض له إيجازًا في معالجتنا للسيناريوهات المستقبلية للعلاقة باعتبارها القضية الأهم والأكثر إلحاحًا، حيث يعتبر فهم الواقع الحالي وتحليله في ضوء معادلة «البرلمان – الليمان» بمثابة الشروط الأولية أو الابتدائية لرسم سيناريوهات المستقبل والتنبؤ بوقائعه وأحداثه.

المحددات الحاكمة للسيناريوهات المستقبلية في ضوء دلالات نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة:

نميز تحليليًا في إطار هذه المحددات بين مجموعتين من العوامل، تنتمي الأولى إلى النظام الطرف الأساسي، والثاني إلى جماعة الإخوان المسلمين «الطرف» وأحيانًا الموضوع، ثم منطقة التفاعل بين المجموعتين.

المجموعة الأولى: تدور حول النظام السياسي المصري الحالي، الذي يرى الكثيرون أن طبيعته «الرئاسية» واضحة حيث تلعب مؤسسة الرئاسة -التي تقود السلطة التنفيذية- الدور المركزي والأساسي في تحديد الخيارات السياسية الأساسية -داخليًا وخارجيًا- ويبدو من تحليل خطابها السياسي أنها تعتبر الجماعة «شأنًا أمنيًا» حيث تعتبرها «محظورة» و«ممنوعة»، تردد ذلك قبل الانتخابات في خطاب القيادة السياسية، ورئيس الوزراء ووزير الداخلية الذين أكدوا على عدم «وجود» الإخوان من الناحية القانونية، وأنهم كمواطنين يمكن أن يترشحوا كـ «مستقلين».

واللافت للانتباه بالنسبة للسلطة التشريعية أو البرلمان -موضع التنازع- أن دوره الحقيقي في التشريع أو الرقابة ضعيف، ولا يعدو أن يكون ملحقًا للسلطة التنفيذية، أما السلطة القضائية فإن دورها السياسي في الحياة المصرية يزداد باستمرار، وهو أمر في صالح التطور الديمقراطي مستقبليًا، كما تجلى في الرقابة الجزئية للقضاء على عملية التصويت في الانتخابات الأخيرة.

تعددية مقيدة:

ويظل نظام «التعددية الحزبية المقيدة» في مصر نقطة الضعف البارزة في النظام السياسي -لأسباب موضوعية لا مجال للخوض فيها- ويكفي أنه لا يعبر عن حقيقة الواقع الاجتماعي المصري الذي يشهد مفارقة «جماهير بلا أحزاب» و«أحزاب بلا جماهير»، وقد أوضحت نتائج الانتخابات خطورة وضع «الحزب المسيطر» الذي حكم مصر قرابة (٢٣) عامًا، حيث حصل على (٣٩,٧٪) من المقاعد (نجح من أعضائه ١٧٨ من ٤٤٤ مرشحًا، وإن استطاع بعد ضم المستقلين أن يرفعها إلى87%)، غير أن الأكثر دلالة هو أن الأحزاب السياسية المصرية المعارضة القانونية حصلت مجتمعة على عدد من المقاعد أقل من ذلك العدد الذي حصلت عليه جماعة الإخوان التي توصف بأنها «محظورة» أو «غير مشروعة» قانونًا، وبالتالي فالتساؤل المستقبلي يطرح نفسه بوضوح: هل يستطيع الإخوان المسلمون في ظل ظروف تنافسية -متكافئة ولو إلى حد ما- السيطرة على البرلمان، وماذا سيفعلون حينئذ في إطار نظام سياسي من نوع النظام القائم؟

المجموعة الثانية: تتعلق بجماعة الإخوان المسلمين -الطرف الثاني في العلاقة وموضوعها في أن معًا في بعض الأحيان- وتلعب أيضًا أدوارًا في تحديد السيناريوهات المستقبلية، ويرى بعض المحللين أن هناك عديدًا من العوامل منها:

أ - مدى الترابط والتماسك الداخلي للجماعة، وكان قد أثير لفظ عن وجود صراع جيلي داخل الجماعة، ثم جاءت الانتخابات الأخيرة لتدفع الجماعة برصيد من الصفوف الثانية، والثالثة من هذا الجيل وغيره من الأجيال مثبتة وجود «تواصل» بين أجيالها وتفاعل يمنحها قدرة على البقاء والانتشار المستقبلي.

 ب - مدى تأثير الضغوط الأمنية على شعبية الجماعة، وكان الخطاب السياسي الرسمي مصرًا على تراجعها، وجاءت الانتخابات على عكس ذلك، لتؤكد ازدياد الشعبية وتعاطف الجماهير معها، ويكفي أن نعلم أن أحد مرشحي الإخوان أحرز أصواتًا بلغت ثمانية أضعاف ما حصل عليه رئيس البرلمان، وثلاثة أضعاف الأمين العام للحزب الحاكم، وبالتالي فإن استمرارية الضغوط الأمنية والمحاكمات العسكرية -في حدود معينة- هي إجراءات لصالح الجماعة في التحليل الأخير.

مدى التجديد في الإطار الفكري للجماعة: رغم وضوح ثوابت هذا الإطار التي وضعها الإمام البنا، واستقباله لاجتهادات سيد قطب، وعبد القادر عودة، وغيرهما، فإن الجماعة حاولت أن تطور خطابها السياسي في حدود معالجة قضايا محددة، مثل: المشاركة السياسية والتعددية، ودور المرأة الحياة في السياسية، غير أنه يبقى من أهم المحددات المستقبلية نجاحها في ترجمة الشعار العام: «الإسلام هو الحل» لمشروع وبرنامج سیاسی تفصیلی.

وتبقى منطقة التفاعل والتعامل بين الطرفين؛ إذ يمتلك النظام السياسي المصري إستراتيجية واضحة محددة إزاء التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين محورها منعها من ترجمة وجودها المجتمعي والشعبي إلى «فعل» أو «شكل» سياسي -أيًا كان- وذلك لاعتبارات يراها تتعلق -كما ورد بحكم المحكمة العسكرية الأخيرة- بالاستقرار والسلام الاجتماعي، والورقة السياسية التي يرفعها هي «عدم المشروعية القانونية» و«الحظر»، وتحاول جماعة الإخوان المسلمين في الغالب أن تأخذ موقع رد الفعل، وبالتالي فإن المعادلة الحاكمة للعلاقة هي وجود حالة «مد وجزر»، «تهدئة وتصعيد»، «انكماش» و«تمدد» في إطار حركة سياسية واضحة المعالم على الأقل بالنسبة للنظام السياسي، وأيًا كان الأمر، فإن جماعة الإخوان المسلمين تظل رقمًا شعبيًا كبيرًا، وبالتالي فإن التساؤل المستقبلي لا يتعلق بالوجود من عدمه، ولكن بمداه، وفاعليته، والشكل الذي يمكن أن تتخذه أو تتطور إليه بين الجماعة والنظام السياسي.

منطق السيناريوهات المستقبلية يفترض أربعة منها، وهي: 

السيناريو الأول: استمرارية الوضع القائم للعلاقة بين الطرفين:

يفترض هذا السيناريو أن الأوضاع القائمة في العلاقة بين الطرفين في الوقت الحالي سوف تستمر في ملامحها الأساسية والرئيسة، ولن يحدث فيها تغييرات حقيقية أو جذرية أو نقلات نوعية، إلا إذا حدثت تطورات غير متوقعة في المحددات أو الشروط الابتدائية للسيناريو، وهذا غير متوقع في غضون خمس سنوات في المدى الزمني المحسوب لعمل السيناريوهات على المدى القصير، وعشر على المتوسط وعشرين على المدى الطويل والممتد.

يعني هذا السيناريو وجود اتجاه عام لاستمرارية إستراتيجية النظام السياسي وسياساته إزاء جماعة الإخوان في ملامحها الأساسية، ومحورها استمرارية تعاقب معادلة «البرلمان - الليمان»، بحيث لا تتمكن جماعة الإخوان من ترجمة قاعدتها الاجتماعية وتأييدها الشعبي إلى فعل «سياسي تغييري» أو حتى تأثيري حقيقي، وكذلك أي «صورة أو شكل» فعال للوجود السياسي، وذلك لاعتبارات يراها النظام السياسي من -وجهة نظره ووفقًا لإدراكاته- تتمثل في أن السماح بالعكس يؤدي إلى تهديد الاستقرار السياسي وتمزيق النسيج الاجتماعي، والورقة الأساسية التي يستخدمها في هذا الصدد هي «عدم المشروعية» و «الحظر القانوني» ومن زاوية جماعة الإخوان المسلمين، فإن السيناريو الحالي يفترض أنها سوف تستمر في مسالكها وردود أفعالها الراهنة والتي تتوزع على محاور ثلاثة معلنة في خطابها السياسي، ومترجمة في أعمالها وتصرفاتها، وهي:

أ- استيعاب آثار الضربات الأمنية عبر «سياسة النفس الطويل» مع التأكيد باستمرار على خيار العمل السياسي السلمي ونبذ العنف، وعدم الدخول في مواجهة مع النظام.

 ب - محاولة الحفاظ على المواقع الفعلية الموجودة التي تعبر فيها الجماعة عن فاعليتها، وعدم التخلي عنها تحت التهديد أو الاستخدام الفعلي للضغوط المختلفة مادامت في النطاق الذي يمكن أن تتحمله قدرات الجماعة دون أن يؤدي إلى الدخول في مواجهة فعلية أو مفتوحة مع النظام.

جـ - البحث عن قنوات جديدة للممارسة والنشاط السياسي السلمي مع محاولة الابتعاد عن مناطق «الاحتكاك» و «السخونة» السياسية، وطرح تصورات لملء الفراغات التي تنسحب منها أجهزة النظام نتيجة سياسات «الخصخصة»، وتقوية مناطق الضعف في الفعل المجتمعي، ومن ثم يتم التركيز على الجوانب الاقتصادية والإعلامية والدعوية لتقوية فكرة الجماعة بين أعضائها «الامتداد الرأسي»، وبين أعضاء المجتمع «الامتداد الأفقي»، مع التركيز على الجوانب الاجتماعية والخدمية أيضًا في الجانب الأهلي غير الرسمي «تقوية المجتمع المدني»، ومحاولة الوصول إلى وجود مؤثر في النخب الجديدة والصاعدة وروابط تنمية المجتمعات المحلية.

ويعتقد كثير من المحللين أن هذا السيناريو لا يقدم «حلولًا حقيقية» لإشكالية العلاقة المستقبلية على المدى الطويل والإستراتيجي، وهذا يعني من وجهة نظرهم:

 1 - أن النظام السياسي إزاء هذه القضية لا يقوم بوظيفته التطويرية -والتي تعرفها كل الأنظمة السياسية في البلدان النامية- ومحورها أن يقوم النظام بعملية تطوير لأطره الدستورية والقانونية ومؤسساته، لكي يستوعب داخلها الفئات أو القوى المجتمعية الفعالة أو ذات الشعبية الفعلية في المجتمع، بحيث تظل الأطر الرسمية للعملية السياسية عاجزة عن استيعاب متغيرات الواقع الاجتماعي، ومن ثم تثور التساؤلات حول مدى شرعية وتمثيلية هذه الأطر والمؤسسات، وبالتالي النظام الذي يقوم عليها، وهذا أمر بالغ الخطورة على مستقبل النظام ذاته.

 ٢ - إن استمرارية السيناريو معناها «ترحيل» ملف قضية من أهم القضايا المؤثرة -إن لم تكن الحاكمة- للتطور الديمقراطي، ووضعها أمام الأجيال القادمة، والزمن في هذا السيناريو قد لا يكون بالضرورة العلاج أو جزءًا منه، بل ربما يعقد القضية ويجعلها مزمنة ومستعصية على الحل.

٣- رغم أن هذا السيناريو يحافظ على «الشكلية القانونية» سواء من قبل النظام السياسي الذي يواجه جماعة يصفها بأنها «محظورة» أو غير قانونية، أو من قبل الجماعة التي ترى أنها «شرعية» و«شعبية» وتمارس حقوقها القانونية والدستورية، وبعيدًا عن العقلية القانونية والفقهية الشكلية السائدة، فإن العقلية السياسية ترى في استمرارية السيناريو «وهو مرشح لذلك فعلًا» أمرًا معناه -كما أسلفنا- الجمود السياسي، وتفريغ المجتمع من السياسة.

ویری کثیر من المطلين -رغم ذلك- وفي ظل معادلات وتوازن القوى القائم، أن معادلة «البرلمان – الليمان» رغم خطورتها السياسية مستقبليًا مرشحة للاستمرار.

السيناريو الثاني: إضفاء المشروعية القانونية على جماعة الإخوان المسلمين واستيعابها عبر السماح لها بإقامة حزب سياسي:

يقوم هذا السيناريو على فرضية أساسية مفادها قيام النظام السياسي باستيعاب جماعة الإخوان المسلمين عبر السماح لها بإقامة حزب سياسي، وأن ذلك سيكون حلًا لإشكالية العلاقة، وخروجًا من حالة الاحتقان السياسي، وعلاجًا للحالة التي أطلق عليها البعض: «قوى شعبية حقيقية -بلا تنظيم أو حزب مشروع- وأحزاب بدون قوى شعبية تمثلها وتعبر عنها».

سيناريو قديم متجدد:

وهذا السيناريو قديم متجدد، فقد طرحته منذ فترة طويلة تعود لأكثر من عشرين عامًا قطاعات واسعة من النخبة المثقفة على مختلف توجهاتها السياسية، وهو يتجدد كلما أحرز الإخوان تقدمًا في العملية السياسية يشير إلى شعبيتهم المجتمعية، وفي أثناء الانتخابات الأخيرة طالبت به علانية قيادات إخوانية نافذة، وإذا كنا نتكلم على مستوى «الشعار» و«الحق» السياسي، فلا يمكن للمحلل السياسي أن يجادل في «أحقية» و«مشروعية» الأمر، ولكن على مستوى تحليل العلاقة وموقف طرفيها الأساسيين من السيناريو، فإنه يمكن أن نرصد التالي واقعيًا وفق الحسابات السياسية:

أ- أن النظام السياسي المصري والنخب التي تؤيده تتوهم أن هناك خطورة مستقبلية فيما لو حدث هذا السيناريو، ويرى كثير من المحللين أن النظام لن يعتمد مستقبليًا هذا السيناريو وفقًا للمؤشرات التالية:

1 - الأولوية في أجندة النظام السياسي مازالت للإصلاح الاقتصادي، ولن يقدم على تغيير في الجانب السياسي إلا إذا كان له مردود اقتصادي، أو على الأقل لا يهدده وفقًا لإدراكاته.

2- يعتبر النظام السياسي -الإطار الدستوري والقانوني- القائم في مصر من «الثوابت» التي يحافظ عليها، ويوفر له هذا الإطار أداة «عدم المشروعية» و«الحظر» التي يستخدمها في إستراتيجية تجاه الإخوان.

3- توجد قناعة -غير مبررة من الناحية القانونية أو الحقوقية- لدى القيادة السياسية أفصحت عنها أكثر من مرة في خطابها السياسي المنشور، محورها أن السماح بتأسيس حزب للإخوان المسلمين سيؤدي إلى قيام حزب «طائفي» و«ديني» الأمر الذي يؤدي إلى الإخلال بالوحدة الوطنية وتهديد السلام الاجتماعي؛ إذ إنه يمكن أن تتبعه مطالبة الأقباط وغيرهم، وربما الجماعات الإسلامية غير الإخوان بالشيء نفسه، وقد أشارت القيادة أكثر من مرة إلى المثال الجزائري وأنه سبق أن حذرت منه القيادة الجزائرية التي لم تأخذ بالنصح فحدث ما حدث.

4- تتستر خلف هذا الموقف رؤية فكرية تجد تطبيقها العملي -دون أن يتم الإفصاح عنها في وثيقة فكرية أو سياسية- فقد حرص النظام الحالي على عدم إصدار أي وثيقة من هذا القبيل، مقارنة بالنظام في عهدي عبد الناصر والسادات مثلًا، محور هذه الرؤية العملي ضرورة إبعاد الإسلام والدين عمومًا عن أن يلعب أدوارًا سياسية، أو يتم توظيفه في العمل السياسي، وهو تقليد مستمر على الأقل منذ يوليو ١٩٥٢م حتى الآن. 

     جماعة الإخوان المسلمين رغم المطالبة بالسماح لها بإقامة حزب سياسي، فإنه من المتصور مستقبليًا لو افترضنا حدوث ذلك، فإن هناك مجموعة من الإشكالات تضع قيودًا «واقعية» على العملية ذاتها ستنبع من داخل الجماعة ذاتها تتمثل فيما يلي:

 1 - هل تتحول الجماعة بكامل تشكيلها وقياداتها إلى حزب سياسي مدني؟ وبهذا الصدد لا تزال هناك إشكاليات لم تُحسم داخل الجماعة، حسب ما هو مُعلن ومنشور، فهل تقبل الجماعة مثلًا أن تتخلى عن اسمها لتصبح حزب «الإصلاح» أو «الشورى»؟ وهل يقبل النظام بتمسك الجماعة -الحزب- باسمها المسكون بدلالات رمزية وعقيدية وتاريخية؟

المنهج الفكري التربوي:

وهل المنهج الفكري والتربوي للجماعة والذي على أساسه يتم تجنيد الأعضاء وتصعيدهم يصلح بذاته للحزب السياسي أم سيتم تغييره؟ وما معايير العضوية في حزب الجماعة للحفاظ على هويتها الفكرية، ولو اقتصرت على المعايير التقليدية للأحزاب السياسية، فماذا عن الصراعات المتصورة بين أعضاء الجماعة الأصليين وأعضاء الحزب الجدد؟ أمر آخر بالغ الأهمية مفاده أن جماعة الإخوان المسلمين -حسب قول مرشدها الأول وواقعها الحالي- هي: «هيئة إسلامية عالمية» والمرشد العام لها -حسب نظامها الأساسي- هو مرشد للمنتسبين للإخوان في أقطار تبلغ العشرات، ألا يتعارض وضعه هذا مع وجوده كـ«رئيس حزب سياسي» في دولة قطرية ولو كانت مصر؟

ب- وجماعة الإخوان المسلمين تعتبر فكرة إسلامية شاملة -شمول الإسلام ذاته- أي أنها متعددة الأبعاد: اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، ورياضية، وسياسية...إلخ، وإذا كان من المتصور أن يغطي الحزب السياسي الناحية السياسية، ويعبر عنها بالأساس، فما مصير بقية الأبعاد؟ وهل تقبل الجماعة «خصخصة» أبعادها وجوانبها المختلفة لاكتساب الشكل القانوني المشروع، في إطار الدولة المعاصرة؟ وإذا سرنا مع هذا المنطق وامتداداته إلى نهايته، فهل ستبقى الجماعة كما هي، أو ليس واردًا في ظل هذا التعدد أن يقع تنازع بصدد من له أحقية تمثيل أو التعبير عن الجماعة الحزب؟

جـ - وهناك طرح آخر وهو أن ينشأ حزب يعبر عن الجانب السياسي، وتبقى الجماعة كرصيد له في الجوانب التربوية والفكرية، وهناك تصوران لهذه الحالة الأول: أن نكون أمام جماعة وحزب مسموح بهما ومشروعان من الناحية القانونية، والثانية: أن نكون أمام جماعة محظورة وحزب مسموح به قانونًا - الأولى: هي المثالية لعمل الإخوان، والثانية: هي الأقرب إلى الواقع السياسي -كما نراه- وفي كلتا الحالتين من المتصور أن تثور إشكالية العلاقة بين الحزب والجماعة، ما لم يحدث تقسيم حقيقي للعمل بينهما، والخبرة في الحالة الأردنية في العلاقة بين جبهة العمل الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين والخلافات الناشبة، رغم أن كليهما معلن ومشروع، تحتاج إلى التأمل والتدبر.

السيناريو الثالث: اتجاه جماعة الإخوان المسلمين إلى الدخول في مواجهة شاملة ومفتوحة مع النظام السياسي- يكون العنف، والعنف المضاد هو سمة العلاقة الأساسية بينهما:

يقوم هذا السيناريو على مقولة مفادها: «إن الضغوط متنوعة الأشكال التي يمارسها النظام السياسي إزاء جماعة الإخوان، واستمرارية حصارها ومواجهتها- سوف يترتب عليها -مع ازدياد حدة الضغوط- ازدياد الشعور بعدم جدوى العمل السياسي السلمي في تحقيق نتائج التغيير المطلوبة «أهداف الجماعة في إقامة الدولة الإسلامية واستعادة الخلافة»، ويمكن أن يفضي إلى أحد أمرين:

 الأمر الأول: أن تعلن الجماعة عدم جدوى الإصلاح والعمل السياسي من خلال مؤسسات النظام القائم، ومن ثم من المتصور وفقًا لهذا السيناريو أن تعلق أو تجمد أنشطتها ومشاركتها السياسية أو تؤجلها حتى يتوافر -وفقًا لها- الحد الأدنى من الشروط والضمانات المتعلقة بوجود «السياسة» في مصر، تفاديًا للمزيد من الخسائر التي يصر النظام على إلحاقها بها عقب كل مشاركة الأمر الذي يجسد تعاقب معادلة «البرلمان – الليمان».

ومن ثم تعلن الجماعة اختيار أسلوب التغيير العنيف -أيًا كان شكله ومضمونه- «ثورة شعبية»، أو «انقلاب عسكري»، ويمكن القول إن قلة من المحللين هي التي تراهن على لجوء الإخوان المسلمين لهذا الخيار للاعتبارات التالية:

1- يخالف هذا الخيار المعلن موقف الجماعة، وهو موقف يحرص قادتها على تأكيده في كل مناسبة باعتباره موقفًا مبدئيًا، فضلًا عن أن إعلان قيادات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد المصريين مبادرة وقف العنف- عزز من القناعة بصوابية الموقف الرافض للعنف وجدواه.

2- أن الجماعة أعلنت أكثر من مرة أن الأصل في عملها هو المشاركة في العمل السياسي بكل صوره ومنه الانتخابات البرلمانية، وألا تنسحب منه إلا في الحالات المحددة التي يترجح لديها المصلحة في المقاطعة.

3- أن الجماعة تفهم -في ضوء موازين القوة بينها وبين النظام- أن «التهديد» أو اللجوء للعنف -ولو في حدوده الدنيا- سوف يعطي النظام مبررات قوية لتوجيه ضربات عنيفة وقاصمة للجماعة على النحو الذي عرفته تاريخيًا في الفترة الناصرية. 

الأمر الثاني: أن تتجه بعض القطاعات داخل الجماعة إلى العمل السري -الذي له حساباته وتوازناته- وهو ما يؤدي إلى تقليص القاعدة الشعبية للجماعة، ومن ثم تكون عودتها للعمل السياسي مرة أخرى مسألة صعبة، أو أن تتجه هذه القطاعات إلى ممارسة العنف ضد النظام والانشقاق عن الجماعة، عندما تزداد ضغوط الأنظمة عليها، إلا أنه لا يمكن القول إن ذلك وارد بشكل ملموس، ومؤشر ذلك أن الذين خرجوا مثلًا بعد قضاء مدة أحكامهم من المحاكم العسكرية لم يحدث تغيير حقيقي في رؤيتهم السياسية، وعلى ذلك، فإن المحللين السياسيين يستبعدون حدوث هذا السيناريو على المدى القصير والمتوسط، ولكن هناك من لا يستبعده على المدى الطويل.

السيناريو الرابع: حدوث نوع من «التكيف المتبادل» بين الطرفين والوصول إلى حلول وسطى تؤدي إلى القبول من جانب النظام السياسي بوجود جماعة الإخوان المسلمين وممارستهم لأدوارهم السياسية. 

     يقوم هذا السيناريو على مقولة مفادها إنه يمكن أن يتم استيعاب جماعة الإخوان المسلمين كقوة شعبية ومجتمعية في إطار النظام السياسي، إذا حدث نوع من الاجتهادات والتطور التدريجي في بنية وطبيعة وإستراتيجية الطرفين معًا. 

يحدث ذلك نتيجة قناعة لا بد من توافرها لدى طرفي العلاقة بضرورة التعامل السياسي برؤية مستقبلية، ولن يتحقق ذلك ما لم تسبقها عملية المراجعة، والاجتهاد والتطور التدريجي يقابله -في الوقت نفسه- نوع من الاستعداد والقبول للتعامل من جانب النظام السياسي، ومن جانب جماعة الإخوان المسلمين في الوقت نفسه.

فالنظام السياسي المصري ينبغي أن تتولد لديه -وخاصة لدى مؤسسة الرئاسة- قناعة بخطورة استمرارية حالة «الجمود» والاحتقان السياسي، وهذه هي نقطة البداية؛ بمعنى آخر لا بد أن تترسخ لدى القيادة السياسية هذه القناعة، وفحواها أن تكلفة عدم الإصلاح السياسي تفوق بكثير تكلفة السير بشكل جاد في طريقه.

النقطة الثانية في هذا الصدد والتي يجب توافرها لحدوث هذا السيناريو أن تتبلور قناعة لدى ذات المؤسسة الحاكمة، ومحورها أنه لا يمكن إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي في مصر مع استبعاد جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها قوة سياسية واجتماعية مؤثرة من ناحية، وباعتبار أن استبعادها يمكن أن يخلق مصادر لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي من ناحية أخرى، وبالطبع فإن عملية الإصلاح السياسي من قبل النظام السياسي في إطار هذا السيناريو متدرجة وطويلة المدى يمكن أن تدور حول ما يلي:

 1 - بناء مفهوم للسياسة ذاتها يخرجها من دائرة المناطق المحظورة والمرتهنة لمجموعة قليلة من الأفراد أو مؤسسة أو جهاز معين ...إلخ.

٢ - تحديد طبيعة السلطة السياسية المصرية، فإعادة بناء مفهوم السياسة بمنطق إصلاحي وإعادة تجذيره في المجتمع- سوف يؤدي إلى وضع ظاهرة السلطة السياسية في حجمها الطبيعي، وإعادة تأسيسها على الرأي العام والإرادة العامة للمجتمع بثقافته المتعددة الأبعاد ومرجعيتها الإسلامية. 

3- إعمال الرقابة الشعبية -بمعناه الواسع- للرأي العام، ولقادة الرأي تحديدًا عبر إعادة النظر في أساليب التغيير، والانتقال بمحور جهودهم من دائرة السلطة والدولة إلى دائرة المجتمع، بحيث يمكن أن يتحولوا إلى عنصر من عناصر بناء القيادة الاجتماعية، وأن يساهموا فعليًا في تحويلها من سياسة شخصية وفئوية إلى سياسة وطنية، والانتقال من السلطة السياسية ذات الطابع المركزي التسلطي إلى أخرى ذات طبيعة تعددية تنتشر مراكزها المختلفة في الحياة السياسية.

- يناط بهذه الكتلة المثقفة من الرأي العام المصري مهمة تاريخية في إحداث التحول الديمقراطي التدريجي عبر عناصر، منها:

 أ- خلق حالة حوارية عامة في المجتمع تهدف إلى التوافق على أسس الممارسة السياسية، والوصول إلى التزامات متبادلة، وتحديد القواسم المشتركة بين مختلف الأحزاب والحركات والقوى السياسية، والقبول -بحد أدنى- من قواعد إدارة الخلاف السياسي في المجتمع، وهذا الالتزام يتضمن من الآليات ما يسمح بعدم الخروج على الشرعية والمشروعية القانونية إذا ما أتيح لتيار سياسي معين أن يحصل على أغلبية في الانتخابات.

ب- تشجيع ممارسة السياسة من أسفل؛ أي من المستوى المحلي أو القاعدي عبر إجراء انتخابات محلية حرة ونزيهة لاختيار أعضاء المجالس الشعبية المحلية.

 ج - العمل على تعديل الإطار الدستوري والقانوني القائم في اتجاه التوافق مع حقيقة الواقع الاجتماعي والسياسي.

 د - العمل على ترسيخ القيم الديمقراطية في المجتمع من قبيل التعددية السياسية والمساواة، وحقوق الإنسان؛ إذ في غياب أو هزال هذه القيم تبدو «الإجراءات» الديمقراطية -كالانتخابات مثلًا- منخفضة القيمة.

 ويفترض هذا السيناريو أن هذا الإطار من الإصلاح التدريجي سيجعل النظام مهيئًا لتقبل وجود جماعة الإخوان المسلمين -كجماعة حضارية إسلامية إصلاحية- بمختلف جوانب فكرتها ومنهجيتها دون اختزالها في مجرد «حزب سياسي» تنافسي، وهذا الأمر أيضًا -وفقًا لهذا السيناريو- يتطلب من جماعة الإخوان المسلمين -كطرف أو موضوع للعلاقة- مجموعة من الاجتهادات الفكرية والعملية تتمثل في:

 أ- إنجاز مشروعها السياسي العام الذي يوضح رؤيتها السياسية الرسمية للكثير من القضايا والمسائل المتجددة، وذلك من خلال الرؤية الإسلامية العامة، ومن خلال ثوابت الجماعة الفكرية.

 ب - إنجاز برنامجها للعمل السياسي، والذي تتقدم من خلاله للممارسة في الحياة السياسية بوجه عام، ليس بالضرورة من خلال حزب سياسي.

 ج - الاتفاق على طبيعة «الشكل» القانوني المشروع الذي تخرج به الجماعة للمجتمع، وتعمل من خلاله في إطار النظام السياسي بكل قواه السياسية المختلفة.

 هـ- أن تعيد الجماعة صياغة مشروعها التغييري -وفقًا للمتغيرات الجديدة- محددة إستراتيجياتها وأهدافها السياسية القريبة والمرحلية، وتحدد الوسائل اللازمة والكفيلة بتحقيق تلك الأهداف.

ورغم أن هذا السيناريو قد لا يقع في المدى القصير -أو حتى المتوسط- إلا أن الكثيرين من المحللين يقولون بإمكانية حدوثه على المدى الطويل في ظل حدوث تغييرات معينة في الشروط الأساسية أو الابتدائية للسيناريو، ويرونه السيناريو المستهدف، وعلى كل الأحوال فإن هذه السيناريوهات الأربعة -ويمكن أن تشتق منها سيناريوهات أخرى- هي اتجاهات عامة يمكن أن تسير فيها العلاقة بين النظام السياسي المصري وجماعة الإخوان المسلمين، تلك القضية البالغة الأهمية من قضايا التطور الديمقراطي في مصر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

604

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية