; الشاذلي بن جديد.. وموازين السياسة الداخلية في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان الشاذلي بن جديد.. وموازين السياسة الداخلية في الجزائر

الكاتب محمد عبدالهادى

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1982

مشاهدات 72

نشر في العدد 555

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 05-يناير-1982

الأسباب الثلاثة لحرب بومدين على الحركة الإسلامية.

  • سياسة الشاذلي الجديدة تركزت في القضاء على البومدينية، وسياسة العصا والجزرة مع التجمعات المعارضة.

  • الشاذلي وتطويع القوانين الجزائرية ومنح المزيد من الملكية الخاصة.

أولًا: عهد بومدين:

لخص مراقب إسلامي ذات يوم السياسة الداخلية للحكم الجزائري أيام الرئيس السابق هواري بومدين بالقول: الجزائر سجن كبير في ظل سياسة حاكمه الفرد، وإذا كانت هذه السياسة تدأب على قص أجنحة المعارضة كلما برزت فإن قص الجناحالإسلامي كان من استراتيجية حكم بومدين بشكل خاص وذلك لأسباب منها:

1- الدور الطليعي لدعاة الإسلام وعلمائه زمن الثورة على الاستعمار الفرنسي، كالشيخ بن باديس والشيخ القصبي والشيخ عبد اللطيف سلطاني، وما لهذا الدور من رصيد جماهيري عند الشعب المسلم في الجزائر.

۲- بروز الإسلام الحركي في الجزائر بعد إفلاس الفلسفات الماركسية ومشتقاتها اليسارية.. والناصرية أيضًا.

3- الولاء الفطري لدى الشعب الجزائري للإسلام، وهذا قد يضع الشعب بأسره ضمن ظرف ما في خدمة الإسلام.

إزاء هذه الاستراتيجية الخاصة لبروز الإسلاميين كان لا بد لبومدين من تقريب اليسار بأشكاله وإنعاشه، ومد بساط السيطرة له على وسائل الإعلام ومواقع التوجيه الثقافي والفكري والتربوي< بهدف دثر الصوت الإسلامي ومسح شكل الإسلام في الجزائر.

وقد أدت هذه السياسة «البومدينية» إلى:

۱- ضبط موازنة الحكم بالسماح لأفراد الحزب الشيوعي وقياداته بالتغلغل داخل الحزب الحاكم المسمى «جبهة التحرير الوطنية». 

٢- منع إنشاء الأحزاب الحرة أو المقيدة في الجزائر.

3- التخلص من المتعاطفين مع الفكر الإسلامي والتراث العربي ممن هم موجودون داخل الجبهة الحاكمة.

4- رصف العساكر وكبار الضباط إلى جانب بومدين «كحاكم فرد» في الحكومات المختلفة.

ثانيًا: بن جديد والتحرر السياسي:

وهو تحرر نسبي من قبضة الشكل الأسبق للحكم، لكنه يبدو وسيلة وليس هدفًا تكتيكيًّا وليس استراتيجية. وهذا شأن كل حاكم يخلف حكمًا ديكتاتوريًّا. ونرى شواهد ذلك في السادات وحكام سورية وغيرهم ممن يخلف عادة «ديكتاتورًا أو طاغية». ويبدو أن التحرر السياسي في الجزائر كان من قبيل إعادة صياغة الموازنة الداخلية في البلاد، ولا سيما بعد ازدياد التغلغل الشيوعي في حزب الجبهة الحاكمة. حيث حاول الشاذلي بن جديد إخضاع بعض المناوئين له وإدخال عناق تتعاطف مع الغرب وتنفتح عليه، مع إعادة الاعتبار الجزئي لبعض السياسيين القدامى، فأفرج عن الرئيس الأسبق أحمد بن بيللا وعفا عن العقيد السابق طاهر الزبيري، بموجب ما أعلنه الرئيس الشاذلي ضمن برنامجه للتحرر السياسي الذي شمل:

1- الإفراج عن السياسيين في أبريل ۱۹۷۹ ومنهم عباس فرحات ويوسف خدة الرئيسين السابقين للحكومة المؤقتة الجزائرية في فترة حرب الجزائر، كما أفرج عن أحد عشر متهمًا سياسيًّا سجنوا بتهمة محاولة اغتيال بومدين. 

٢- العفو عن المنفيين بالخارج: فقد أبلغ الشاذلي عددًا من المعارضين الذي يعيشون في الخارج بأنهم يستطيعون العودة إلى الجزائر بحرية، كوزير الإعلام السابق بشير بومعزة.

3- الإعلان عن تحقيق وحدة وطنية: وهو إعلان يدعو إلى استيعاب بعض السياسيين السابقين الكبار، وبعض كبار الضباط المُسرحين داخل الحزب الحاكم، ويبدو أن أحدًا من أولئك لم يستجب لهذا الإعلان الذي يبدو إعلانًا تحرريًّا بالشكل فقط.

ويذكر مراقبون إسلاميون أن سياسة الشاذلي في التحرر هي سياسة إيجاد توازن في القبض على دفة الحكم أكثر منها سياسة تنطلق من رغبة في الإصلاح السياسي، حيث إن دوائر سياسية في العاصمة الجزائرية ألمحت كثيرًا إلى أنه ليس هناك تفكير في تطبيق هذه السياسة التحررية على معارضين آخرين يعيشون في المنفى، ولا سيما أولئك الذين أنشئوا داخل الجزائر أحزابًا معارضة مثل «محمد بوضياف وحسين آية أحمد» اللذين أوجدا داخل الجزائر أحزابًا وحركات معارضة لجبهة التحرير الوطنية «الحزب الحاكم الوحيد»، وعلى هذا فيمكن للمراقب أن يقسم موقف الحكومة من المعارضة إلى قسمين:

1- معارضة قائمة على أسماء معينة خرجت من العمل السياسي، وهذه تدخل في القسم المقبول في النظرة التحررية للشاذلي.

٢- معارضة ذات قواعد جماهيرية تهاجم الحكم بتصريحاتها العلنية الكثيرة وهذه ينظر إليها من قبل الحكومة كما ينظر إلى الخونة.

3- القضاء على البومدينية: حتى منتصف العام المنصرم كان الشاذلي بن جديد يعيش مع بعض رجالات حكم بومدين في صراع خفي تمركز بعض الأسس منها:

١- تقييم السياسة الداخلية والخارجية عبر المرحلة البومدينية السابقة.

٢- التمسك باليسار والاشتراكية وولائه الدولي أو الانفتاح على الغرب. 

٣- ميثاق الحكم وتوسيع نشاط الجبهة الوطنية الحاكمة لتشمل الاتجاهات السياسية الأخرى ضمن خطتها.

4- معالجة المشكلات الداخلية الخاصة بالبربر وبعض الاتجاهات الطلابية المتمردة.

وقد وصف وزير الخارجية الحالي الصراع على السلطة في الجزائر بأنه كان «أمرًا بالغ التعقيد، وأن الدخول فيه اعتمد لدى أطرافه على مقومات معينة»، إلى أن جاء يوم ۱۹۸۱/ ۷/ ۲ وقبل ستة شهور من هذا اليوم الذي تم فيه الإعلان عن انتصار الشاذلي على خصمين أساسيين له داخل مجلس القيادة ومن ركائز البومدينية، الأول: محمد صلاح يحياوي، المنسق السابق للجبهة الوطنية الحاكمة الذي يدعي أنه ينادي بحكم اشتراكي إسلامي تلتقي فيه الجزائر مع حكم معمر القذافي في ليبيا؛ حيث إن «يحياوي» هذا يعتبر صديقًا مخلصًا للقذافي.

أما الثاني فهو: عبد العزيز بوتفليقة الذي شغل منصب وزير الخارجية لمدة تزيد على خمسة عشر عامًا في الجزائر، وينظر إليه في الغرب على أنه أكثر رجالات البومدينية ليبرالية. وقد أشار مراقب مطلع إلى أن إزاحة هؤلاء من المكتب السياسي الحاكم يدخل في الأطر التالية:

1- تصفية الشاذلي لأنصار بومدين وكبار رجالات الحكم القدامى.

2- تقوية الاعتماد على الجيش في الحكم من خلال تقريب كبار الضباط وجمعهم حول الشاذلي.

3- حل جميع اللجان الحزبية التي كان يتزعمها أعضاء المكتب السياسي للجبهة الحاكمة، وتولية عناصر عسكرية بدلًا منها في تصريف شؤونها الخاصة.

الشاذلي والسياسة الجديدة:

بعد انتصار الشاذلي السياسي على خصومه داخل الحكم، وبعد قضائه على أكثر أنصار البومدينية ظهر وكأنه أتقن لعبة المحاور في إنشاء موازنة جديدة أوشكت أن تعيد القبضة الحديدية للحكم في الجزائر، ولعل هذه السياسة تتميز الآن على المستوى الداخلي بالآتي:

۱- إيجاد نظام للحكم بالغ المركزية تزداد فيه سلطات الشاذلي كرئيس للجمهورية، فقد قام بتخفيض عدد أعضاء المكتب السياسي من سبعة عشر عضوًا إلى سبعة أعضاء فقط.

2- تركيز عضوية المكتب السياسي، وهو أعلى سلطة حاكمة في الجزائر من زملاء الشاذلي القدامى في الجيش.

3- تطويع القوانين الجزائرية بحيث تخرج عن إطار البومدينية المتشدد إلى منح مزيد من الملكية الخاصة للبيوت والمصانع. 

٤- انتهاج سياسة «العصا والجزرة» مع التجمعات السياسية التي ينظر إليها بومدين على أنها قسمان: الإسلاميون والشيوعيون، ولعل مد سلطان اليساريين بعامة على وسائل الإعلام والتوجيه ما زال سياسة بومدينية يتمسك بها الشاذلي؛ خوفًا من بروز اتجاه الفكر الإسلامي الذي يتطلع الشعب إليه بفطرته.

الشاذلي والاضطرابات:

شهد مسرح الجزائر في العامين المنصرمين اضطرابات أخذت اتجاهين:

الأول: تحرك البربر في مواطن تجمعهم ولا سيما بعد القرارات الثقافية للمكتب السياسي الخاصة بغرض التعريب، وقد كان مركز التحرك مدينة تيزي أوزو.

الثاني: تحرك الشباب الإسلامي في جامعتي الجزائري وعنابة قبل ستة شهور بدأ من تاريخ ١٩٨١/٥/٢١، حيث اعتقلت قوات الأمن العشرات منهم وأحالتهم إلى محاكم أمن الدولة،انطلاقًا من شعار جديد أطلقه الشاذلي في حملة عدائه للحركة الإسلامية وهو: «العنف الثوري في مواجهة العنف الرجعي».

وهنا نلفت النظر إلى أن شباب الحركة الإسلامية كانوا يلقون التأييد من بعض ضباط الجيش؛ الأمر الذي أثار الشاذلي فلاحق هؤلاء الضباط داخل القوات المسلحة أيضًا.

أما بالنسبة للاضطرابات البربرية فهناك رأيان في موقف الشاذلي منها:

الرأي الأول: أن الاضطرابات في معظمها كانت تسعى إلى قبول الحكومة لبعض مطالب البربر في السياسة والثقافة.

الرأي الثاني: ويتهم الشاذلي نفسه بأنه كان يقف وراء إيجاد الاضطرابات البربرية أو بعضها ليمد عصاه الغليظة، فيضرب خصومه بواسطة العسكر الذين يملك ناصيتهم في الجيش؛ وبذلك تكون الاضطرابات البربرية لعبة لعبها الشاذلي نفسه.

وهكذا تبدو سياسة الشاذلي بن جديد تسير بخطى تهدف إلى تثبيت نفسه أولًا ولو أدى ذلك إلى القضاء على رفاق السلاح القدامى.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل