; الشارع البلغاري الغاضب يفرض واقعًا جديدًا على الحزب الاشتراكي الحاكم | مجلة المجتمع

العنوان الشارع البلغاري الغاضب يفرض واقعًا جديدًا على الحزب الاشتراكي الحاكم

الكاتب د. محمد البقري

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997

مشاهدات 40

نشر في العدد 1237

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 04-فبراير-1997

بلغاريا

منذ أن اندلعت أحداث العاشر من يناير الماضي التي سُجلت في التاريخ البلغاري على أنها أول حادثة للتصادم المباشر بين رجال الشرطة وجمع المتظاهرين الغاضبة والمنددة بسياسات السلطة والحزب الاشتراكي الحاكم، والتي أسفرت عن إصابة أكثر من ۱۹۲ مواطن وثلاثة من رجال الشرطة واثنين من نواب الحزب الاشتراكي وثلاثة نواب من اتحاد القوى الديمقراطية المعارض، وذلك بعد أن حاولت الجماهير الغاضبة اقتحام مبنى البرلمان وتحطيم أبوابه ونوافذه، منذ هذا اليوم لم يتوقف تدفق الجماهير الغاضبة والمؤيدة لقوى المعارضة الديمقراطية الموحدة إلى الشارع البلغاري في صور من التظاهرات الاحتجاجية الرافضة لاستمرار العيش تحت مظلة الحكم الاشتراكي مصرة على التغيير والإعلان عن انتخابات برلمانية مبكرة.

وهذا التدفق الجماهيري لا يقتصر على حدود أو شوارع العاصمة صوفيا، لكنه يشمل جميع المدن البلغارية الصغيرة والكبيرة، حيث ارتبط خروج الجماهير هذه المرة ليس بالتعبير عن مجرد التأييد لقوى المعارضة، وإنما تعبيرًا عما هو أشد قوة وضراوة، التعبير عن الجوع والحرمان والحياة الاقتصادية المتدهورة التي أصبحت تحيط بكل الأسر البلغارية الصغيرة والمتوسطة، وأصبحت المعادلة أمام هذه الجماهير متساوية سواء أكان الموت جوعًا في المنازل أم الموت بردًا أم بهروات رجال الشرطة في الشوارع، وقد علمتنا الدروس التاريخية المستفادة أن الخروج الجماهيري بحثًا عن تأمين لقمة العيش هو الأكثر قوة وصدقًا، وخطورة أيضًا!!، ولا يمكن مساواته بخروج من أجل المطالبة بتعديل بعض النتائج الانتخابية، أو من أجل تأييد حزب أو جماعة حيث إن الأمر يمثل هذا الفرق بين المطالبة بالديمقراطية، و المطالبة بالتحرر، فالمطالبة بتأمين لقمة العيش تطوي في حقيقتها السعي إلى تأمينها الحرية الاقتصادية للوطن والمواطن، وإذا فشلت أية حكومة في تأمينها فإنها بذلك قد فقدت مبررات وجودها على قمة السلطة..

ومن هنا وجدت قوى المعارضة البلغارية الموحدة التي تتمثل في «اتحاد القوى الديمقراطية» الذي يضم في هيكلته أحد عشر حزبًا ومنظمة وحركة، والاتحاد الشعبي الذي يجمع بين الحزب الديمقراطي وحزب الفلاحين المعارض، وحركة الحقوق والحريات التي تمثل المسلمين في بلغاريا»، وجدت نفسها فجأة مجبرة على السير وراء الجماهير ومحاولة التعبير عن مطالبها، بعدما كانت حتى شهر مضى تعمل على قيادة العمل الجماهيري وتحديد أهدافه التي كانت بطبيعة الحال أهدافًا أغلبها سياسية تسعى إلى توليهم مقاليد السلطة وإن كانت الشعارات الاقتصادية هي المستخدمة في ذلك، الآن قد فرض الشارع البلغاري واقعًا جديدًا على قادة المعارضة الموحدة لا تستطيع فيه مجرد التفكير عن البحث في حل وسطي مع الحزب الاشتراكي الحاكم للخروج من الأزمة السياسية المستعصية والتي لم تجد بعد طريقها إلى الحل، بعدما وصل كلا الطرفين «الحزب الاشتراكي وقوى المعارضة» إلى نقطة اللاعودة.. واللا تقدم. 

وإن كانت معايير القوة غير متكافئة بينهما، لما للمعارضة من تأييد ودعم جماهيري في الوقت الراهن، بينما يعتمد الحزب الاشتراكي على البنود الدستورية والقانونية في استكمال توليه للسلطة. 

تراجع الحزب الاشتراكي

وبنظرة موضوعية على تطور الأحداث يمكن القول إن الحزب الاشتراكي قد تراجع أمام الواقع الجديد الذي يفرضه الشارع البلغاري، وراح يقدم التنازلات الواضحة التي يمليها الموقف الجديد، فبعدما كان يصر على عدم إجراء انتخابات برلمانية مبكرة وضرورة أن يقوم بتشكيل الحكومة الاشتراكية الجديدة ليبقى على قمة السلطة التنفيذية لمدة عامين آخرين وهو ما يكفله له الدستور، عاد وأمام الضغوط الداخلية - رغم عدم اعترافه رسميًّا بهذه الضغوط - راح أولًا يعلن على لسان رئيسه وزعيمه الجديد «جورجي باريانوف» الاعتذار باسم الحزب الاشتراكي للشعب البلغاري عن تلك السياسة الخاطئة التي أدت إلى هذا التدهور الاقتصادي، وهنا وقع الحزب الاشتراكي في تناقض جديد مع نفسه، فاعتذار القيادة الاشتراكية يعني الاعتراف بالذنب، «وهي كلمة مخففة للجريمة»، والاعتراف بالذنب في الفشل يعني بشكل منطقي التخلي عن موقع الإدارة، إلا أن قادة الحزب الاشتراكي البلغاري كانوا ومازالوا لهم مفهوم آخر حيث يرتبط اعتذارهم عن الفشل بضرورة بقائهم على قمة السلطة، ولذا فقد تقدموا باقتراحات أخرى تشمل عدد من التنازلات، فقد وافقوا على إجراء انتخابات برلمانية مبكرة مع نهاية العام الحالي ۱۹۹۷م، مع تشكيل حكومة اشتراكية جديدة بقيادة الحزب، ولكن تضم في عضويتها عناصر متخصصة من جميع الأحزاب السياسية سواء أكانت الممثلة في البرلمان أم خارجه، ووصلت التنازلات الاشتراكية إلى حد أن تكون الحكومة الجديدة «حكومة برنامج» محدد تلتزم من خلاله بإعداد القوانين والبرامج الاقتصادية الخاصة بإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والأخرى الخاصة بالتحاور مع صندوق النقد الدولي لإنشاء مجلس الرقابة على النقد.

إلا أن قوى المعارضة الموحدة مع تراجع الحزب الاشتراكي راحت تصر على مواقفها وتصعد من ضغوطها، وتضيف إلى مطالبها السابقة مطالب جديدة، حيث أعلنت ضرورة إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة في مدة أقصاها شهر مارس القادم، مع ضرورة تخلي الحزب الاشتراكي عن تشكيل أو قيادة حكومة جديدة ويتم تشكيل حكومة مؤقتة بقرار من رئيس الجمهورية تعمل على إعداد البرامج الاقتصادية العاجلة.

عوامل داخلية وخارجية 

ويبدو أن قوى المعارضة التي لم تكن مستعدة أو متوقعة لخروج هذه الحشود الجماهيرية تعتمد على فرض شروطها على عدة عوامل داخلية وخارجية، منها على سبيل المثال:

١- الاستفادة الواضحة من التجربة الصربية في مواصلة الضغوط الداخلية على الحزب الاشتراكي مع الفارق الديمقراطي والاقتصادي في الدولتين.

۲- استغلال التواجد الجماهيري في الشارع البلغاري وبشكل يومي ليس في العاصمة فحسب، وإنما في سائر المدن البلغارية والاستفادة منه كورقة لتصعيد المطالب وفرض الشروط.

٣- استغلال تزايد التأييد الطلابي لقوى المعارضة ومطالبها الذي لم يسبق له مثيل في الحياة الطلابية البلغارية، حيث ينظم الطلاب بشكل مستقل عن المعارضة مسيرات احتجاجية متميزة ضد السلطة مؤكدين على عدم عودتهم للدراسة قبل الإعلان عن الانتخابات المبكرة.

٤- استغلال الوحدة بين نقابات العمال الرئيسية الثلاث التي اتفقت لأول مرة أيضًا فيما بينها في القيام بالإضراب العمالي الشامل على مستوى الجمهورية اعتبارًا من يوم الاثنين ٢٧ يناير الماضي حتى يتخلى الحزب الاشتراكي عن تشكيل حكومة جديدة.

٥- الاستفادة من تولي الرئيس الديمقراطي الجديد لمقاليد السلطة ليكون لها داعم في مطالبها ووسيلة ضغط من الرئاسة على الحزب الاشتراكي. 

٦- كل هذه العوامل جاءت متوازية مع ما أعلنته قوى المعارضة من أنها قد حصلت على وعود من الدول الغربية بالدعم والقروض المالية في حالة توليها مقاليد السلطة.

الوقوع في المحظور

غير أن قوى المعارضة وفي غمرة العوامل التي راحت تؤكد لها الانتصار المقبل، أسرعت في طرح المواضيع المتعلقة بتوزيع المواقع والمناصب في السلطة القادمة، مما أوقعها في المحظور ونشوب الخلافات الداخلية بين قيادات اتحاد القوى الديمقراطية من جانب و قيادات قوى المعارضة الموحدة من جانب آخر، الأمر الذي أعطى الانطباع لدى قطاع كبير من المؤيدين لها أن قوى المعارضة الراغبة في السلطة لا ترغب في إضاعة الفرصة المتاحة أمامها باستغلال الجماهير كورقة ضاغطة لإسقاط الحزب الاشتراكي، حيث إنها فرصة لا يجب إضاعتها ويصعب تكرارها، وأن الانتخابات البرلمانية المبكرة خلال شهر ونصف بغض النظر عما سيحدثه ذلك من ارتفاع في نسبة التضخم والغلاء والانخفاض الحاد في قيمة العملة المحلية بسبب ما تتطلبه الدولة من إجراءات وبرامج اقتصادية عاجلة سيتم إرجاؤها إلى ما بعد الانتخابات، سوف يؤمن لهم «أي للمعارضة» الأغلبية البرلمانية والانفراد بالسلطة، مما يعني عند المتابعين من الجماهير وكأنه صراع على السلطة وكراسي الحكم وليس صراعًا من أجل إنقاذ الوطن والمواطن، ولذا فقد حاول الرئيس الديمقراطي الجديد الوصول إلى حل وسطي للخروج من الأزمة، فأعلن اقتراحه من خلال شبكتي الإذاعة والتليفزيون أنه سيلتزم ببنود الدستور، ويمنح الحزب الاشتراكي التكليف بتشكيل الحكومة الجديدة على أمل أن يعلن الحزب الاشتراكي بنفسه التخلي عن هذا التكليف مقابل عودة نواب القوى المعارضة للمواظبة في الجلسات البرلمانية لتشكيل حكومة للمتخصصين بإجماع القوى السياسية تعمل على إعداد البرامج الاقتصادية العاجلة وإقرار ميزانية الدولة لعام ۱۹۹۷م، في مدة أقصاها عشرين يومًا يتم الاتفاق بعدها على حل البرلمان وتحديد موعد الانتخابات البرلمانية المبكرة على أن يمارس البرلمان الجديد عمله خلال شهر يونيو القادم، ويقول المراقبون: إن اقتراحات الرئيس البلغاري لم تختلف كثيرًا عن مطالب المعارضة، وعلى الرغم من ذلك فإنها لم تجد تأييدًا مطلقًا من بعض القيادات الديمقراطية التي أعلن بعضهم استعداده للعودة إلى البرلمان، بينما رفض البعض الآخر، في الوقت الذي أعلن فيه الحزب الاشتراكي عن رفضه للمقترحات الجديدة فيما يتعلق منها بالاعتذار أو التخلي عن تشكيل الحكومة مُصرًا على استخدام حقه الدستوري، وعلى الجانب الآخر يبدو أن كلا الطرفين قد تناسى أن الجماهير المتدفقة في الشوارع لا علاقة لها بالمساومات السياسية بين القوى والأحزاب المختلفة، وأن وجودها على هذا النحو السلمي بمثابة إنذار بالانفجار يمكن أن يطيح إذا تحقق بكل من حوله، وسيصعب حتى على قوى المعارضة التحكم فيه أو المسك بزمامه.

الرابط المختصر :