العنوان الشاعر الإذاعي صلاح جمال الدين.. الصوت والصدى
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2012
مشاهدات 62
نشر في العدد 2011
نشر في الصفحة 46
السبت 14-يوليو-2012
- ترك الشاعر ثلاثة دواوين جاهزة للطبع ومقطوعات ومساجلات وإخوانيات تكفي لخمسة دواوين على الأقل.
- كان مغرما بالليل والفجر والأصدقاء.. وكان حجة في كل ما يخص اللغة والتراث والنحو والصرف والعروض.
- د. محمود السمان: من القلائل الذين وهبوا الفطرة وامتلكوا أدوات الشعر.
منذ تخرجه في « دار العلوم» عام ۱۹۸۰م، والتحاقه بالعمل الإذاعي وهو يمثل ركنًا أساسيًا ومعلمًا بارزًا يجمع إلى جمال الصوت، وامتياز الأداء موسوعية الخبرة اللغوية مما جعله واحدا من الخبراء المعدودين في هذا الباب.
وفي عام ۱۹۹۰م، انتقل للعمل كمذيع بإذاعة «القرآن الكريم», ومنذ اللحظة الأولى التقينا قلبيًا عبر صداقة راقية، وفنيا عبر إبداع أدبي رفيع، ومهنيًا عبر عمل إذاعي دؤوب ووقاد.
كانت مقطوعاته الشعرية التي توحيها اللحظة العابرة فصلًا من أهم فصول الإبداع التلقائي .. يقول في إحدى قصائده:
رحماك في عشق الدجى *** تغفو العيون ولا أنام
والليل صمت ساهر *** ســـــــار بـأشرعة الظلام
لا شيء غير مداركي *** حول الحقيقة والأنام
تنساب حيث المنتهى *** لا حيث يصطرع الكلام
أنا ذا أتيتك أهـتـدي *** بالنور التمس الرجاء
حارت جميع مذاهبي *** فرفعت عيني للسماء
إني أنا العبد الضعيف *** وكل أوتـــاري دماء
والعفو عفوك والهدى *** والجود عندك والعطاء
دواوين
ترك شاعرنا ثلاثة دواوين جاهزة للطبع, الذي كان له معه قصة مؤلمة، إذ حصل ديوانه الأول «الليل يا شعراء» على موافقة بالنشر من الهيئة المصرية العامة للكتاب، وظلت هذه الموافقة رهينة الأرجحة، يمينًا وشمالًا لمدة ست سنوات حتى توقفت سلسلة «إشراقات» التي كانت تصدرها الهيئة، وبعدها بخمس سنوات توقف قلب شاعرنا عن النبض وغادر دنيانا، دون أن يصدر له ديوان واحد.
وهذه الدواوين الثلاثة التي تركها صلاح جمال الدين هي: «الليل يا شعراء»، «قطوف», «مع الإسلام».
وكان شاعرنا ينعى حاله دائمًا فيقول: كان يحز في نفسي، أن أبصر قصائدي كمًا مهملًا مطروحًا في كل ركن وزاوية.
والمجموعة الشعرية «الليل يا شعراء» تتكون من ٥٦ قصيدة، يقول عنها شاعرنا الراحل: «هذه المجموعة التي سكبت فيها من عصارة روحي وقلبي، ما ينبت الأحلام في جوف الصخور، وعشت فيها معاناة السنين الكبيسة والبسيطة في لهاث دائم وراء المعاني والكلمات ».. وعن مشواره مع الشعر يقول: «إنها رحلة الأسى منذ الطفولة البريئة التي ما حصدت فيها غير عذاب يحلو، وشقاء لابد منه، وطالما راودتني نفسي بالإقلاع عن هذه الخواطر الجسورة القاتلة، وفي معمعة هذه المراودة تخرج القصيدة الجديدة «أنسام الفجر».
وكان شاعرنا يرتجل الشعر بكل يسر وسهولة، وكثيرًا ما كنا نذهب لصلاة الفجر فتكون كلماته شعرًا رقيقًا حيًا فياضًا، يطير مع الهواء، فأطلب إليه تدوينه وأظل ألح في الطلب الذي كان كثيرا ما يذهب أدراج الرياح، ولو جمعت هذه القطوف واللطائف لمثلت ديوانًا ضخمًا من أطرف وألطف دواوين الشعر العربي.
ومن ذلك قوله :
لا شيء يعدل إيماني بقرآني *** فالله أحيا به الدنيا وأحياني
آياته كلما في مسمعي سكنت *** فيقشعر بها قلبي ووجداني
النور يغمر ما حولي ويغمرني *** لما أرى الله ناداني بإيماني
وارتجل حول القدس يومًا وهو يذيع على الهواء :
حقيقة مسلمة
الأرض.. لا مساومة
العرض .. لا مساومة
والمسجد الأقصى يئن تحت وطأة
الكلاب .. لا مساومة
قضيتي .. عقيدتي
قضية المصير والضمير.. والوطن
ساطعة كالشمس في رابعة النهار
لكنها .. لمن تروقه مقاعد السراب مؤلمة
فألف ألف زعقة وحمحمة
وفوق زهرة المدائن الطهور
يسكب الشهيد في جسارة دمه
وكان شاعرنا رحمة الله عليه، ينفذ ذات يوم إذاعة خارجية من مسجد «الإمام الشافعي» رضي الله عنه فارتجل:
سبحانك اللهم واحة أعين
أنست بنورك في الفضاء الشاسع
وملائك فوق الماذن حوم
بالخير يشملنا ببيت واسع
وعلى مدارات الجلال خواطر
تترى, بأنسام «الإمام الشافعي »
ابتهالات ومفاكهات
ما من مناسبة إسلامية إلا وله فيها أشعار وأغاريد، وابتهالات وأناشيد.. ومن ذلك ما كتبه في استقبال شهر شعبان للشيخ عبد الرحيم دويدار، ومنها:
لياليك يا شعبان للخير موكب *** فتمضي بنا الأيام تترى وتعذب
وتحلو لنا الأوقات من نور ربنا *** نناجي بها الله العظيم ونرغب
أيا .. أيها المختار ما لك سابح *** بفكرك ترنو للسماء وتقلب ؟
فربك قد أهداك خير توجه *** لقبلة إبراهيم.. والخير يوهب
وقد تجمع لدي مجموعة شعرية من المقطوعات لا بأس بها، وهي من أجمل وأبدع ما كتب، كما أنها تمثل خطوطا وحروفا تكمل رسم الصورة الشعرية واستكمال الخارطة الإبداعية لشاعرنا الراحل، الذي كتب في الإخوانيات والأماليح والمفاكهات والمناسبات والممازحات، والأدب الساخر الذي كان أحد مبدعيه المعدودين.
وللتاريخ أقول: «إن بيني وبين الشاعر الراحل صلاح جمال الدين ديوانًا ضخمًا من الأدب الفكاهي الساخر، اقترح هو يرحمه الله - أن يسميه «ديوان البطاطا»، به أكثر من خمسين مطارحة وممازحة شعرية متبادلة.
جلس يومًا شاعرنا على «مصطبة» ريفية، تحت إحدى أشجار الجميز العتيقة القريبة من مقابر القرية في جو يكسوه الحزن والشحوب والصمت والمهابة، والسكون والموت.. فكتب لحاله :
يا دوحة الجميز لونك قاتم ** * يوحي بحزن يندب الأمواتا
أتظللين على القبور وقد غدا *** ما في القبور دقائق ورفاتا
هذي فروعك في سكون كلها *** فوق الرموس تسود الإسكاتا
ناحت هواء الجو كل نباتة *** إلاك صـمـتـا نـــائحاً وثباتا
كما كان الأخ صلاح دفترًا حيًا يطفح بالظرف والإبداع وخفة الظل.. وأشهد أن لديه أكثر من مائة قصيدة من هذا النتاج المتميز، تحضرني منه هذه القصيدة التي أسماها «عجب عجاب»، والتي تناول القانون الوظيفي رقم (٥) الشهير الذي أعاد إلى الوظائف القيادية في مصر أهل الثقة والوساطة، لا أهل القدرة والكفاءة.. فكتب صلاح في 5/8/2007م يقول :
كيف الترقي للوظائف قادة *** يا من وضعتم للهوى دستورا ؟
قد قلتموا: إن الكفاءة جوهر *** فإذا بكم تستخلفون قشورا
حبر على ورق، وجو صارخ *** لم يبق إلا فرقة ونفورا
عجب عجاب أن تفاجئ بالذي *** ما زال أزغب قد غدا شحرورا
فزع الجميع !! وقيل : كيف ؟ تساءلوا *** وهم الألى كانوا عليه نسورا
أنا و«صلاح» و «سرحان»
وذات يوم فوجئت بالصديق الراحل صلاح جمال الدين يدخل علي أستديو إذاعة القرآن الكريم للتنفيذ على الهواء، ملأه سرور عام, لنيله من صديقنا الإذاعي المرموق جمال سرحان المدير بالبرنامج العبري - وبلديات الأخ صلاح - حيث يمتلك سرحان مزرعة من البط المسكوفي، يا طالما دارت حول بطها عينا صلاح، وتحرق قلبه حول ما فيها، متمنياً يوماً أن يظفر بواحدة منها، ولكن هيهات .. فكتب:
سرحان ماذا يا زميل أقوله *** والبط أسراب من المسكوفي؟
عيني تراه حواصل مزقوقة *** في داركم خرجت على المألوف
لكانه العنزات في أحجامه *** معلوفة.. والرأس رأس خروف
جد يا جمال علي واذبح مرة *** واظفر بنافلة من المعروف
وحاول صلاح أن يضمني إلى جواره في ذلك السهم الذي أطلقه على بلدياته «سرحان»، ناسيا أنني «شرقاوي»، وأن بيننا برزخًا وحجرًا محجورًا .. فقلت على الفور:
يا صلاح رفقًا بالخيال فما لكم *** إلا الرياح بلفحة وهفوف
مهما نظمت من البديع ورتقت *** منك اليراعة أسطراً بحروف
ورفعت شعرك راية منسوخة *** بعتيقها.. أو زنتها بالكوفي
فلقد سفحت مع العراء شعوركم *** يا حسرتا من دمعك المذروف
أظننت يوما أن ستأكل بطة *** ماذا دهاك بظنك الملهوف ؟
فلئن ظفرت بظفرها فغنيمة *** مهما بذلت صنائع المعروف
وداع ورثاء
وظل شاعرنا يشدو حتى لقي ربه بعد صراع صبور مع المرض في 14/9/2008م، وفي صمت عجيب لف الصمت ذكراه وكادت هذه الأيام القلائل أن تطوي إبداعه وهو الذي كان من أشد الناس حفاوة، بإحياء وتقديم إبداعات جيل كامل من الأدباء والشعراء الذين عاصرهم وعاصروه...
رحم الله الشاعر الإعلامي الموهوب, الذي توقف في المنتصف، ورحل قبل أن يكتمل فصل الربيع، فذهب الأصل والصوت وترك لنا الذكريات والصدى ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل