العنوان الشاعر عبد الله عيسى السلامي: الرواية الإسلامية عمل دعوي
الكاتب عبد الله عيسى السلامة
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1989
مشاهدات 52
نشر في العدد 904
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 14-فبراير-1989
نشرنا في العدد الماضي الجزء الأول من الحوار الصريح والشامل
مع الشاعر والروائي الإسلامي عبد الله عيسى السلامي وفي هذا العدد نكمل الحوار
الذي أكد من خلاله شاعرنا على أهمية الكلمة في مواجهة الخطوب وأن الأدب والفكر
والسياسة يجب أن تنبثق عن العقيدة.
· الرواية
في العالم العربي عامة قليلة بالقياس إلى القصة القصيرة والشعر
· الشعر
والرواية والمسرحية والقصة القصيرة كلها فنون أدبية يمارسها الأديب لإيصال ما يريد.
· النظرة المستحيلة
· الملاحظ
أن دواوينك الثلاثة المنشورة أتت جميعًا على الأسلوب العمودي التقليدي باستثناء
قصيدة واحدة في آخر دیوان صدر لك عنوانها ذرائع الهرة الحمراء؛ لماذا كان هذا
الاستثناء وما هي النظرة النقدية التي تطلقها على مثل هذا النوع من شعر التفعيلة؟
لست ضد شعر التفعيلة ابتداء من حيث هو ضرب من التنويع الموسيقي، لذا لا أعتبر
الكتابة على هذا النهج أمرًا إذا.. بل هو مباح لي ولغيري، وسبب نشر قصيدة وذرائع
الهرة الحمراء، وحدها في مجموعة تآكيل في جبهة السامري وكلها مكتوبة على وحدة
البيت هو أن هذه القصيدة هي الوحيدة التي نشرتها من القصائد المبنية على شعر
التفعيلة بناءً تامًّا.. وهناك قصيدة أخرى طويلة، فيها مزاوجة بين وحدة التفعيلة
ووحدة البيت، وما أذكر أني نشرت سوى هاتين القصيدتين على شعر التفعيلة، وحين عزمت
على جمع القصائد المنشورة، والتي لم يجمعها ديوان، جعلت من بينها هذه الذرائع،
واستبعدت الثانية من هذه المجموعة لطولها الشديد وعدم ملاءمتها للمجموعة.
أما النظرة النقدية التي أطلقها على هذا النوع من
شعر التفعيلة فهي النظرة المستحيلة؛ فكيف يمكنني أن أحكم على شعر التفعيلة كله
بنظرة نقدية واحدة..؟ أما إذا كان المقصود بالسؤال هو قصيدتي نفسها فأحسب الجواب
واضحًا، وهو نشر القصيدة في مجلة أولًا، ثم في ديوان ثانيًّا.. وهذا دليل على أنني
لا أرفض هذا النوع من شعر التفعيلة، بل أقره وأتعامل معه من حيث هو ضرب من ضروب
التوزيع الموسيقي داخل القصيدة .. وليست هذه نظرة نقدية، بل هي إقرار لمبدأ
الكتابة الشعرية على الأسلوب المتقدم ذكره.
الأدب
... والالتزام ... والإبداع
ثمة من يرى أن الالتزام بالنسبة للعطاء الأدبي
إنما هو كالقيد على العبارة وعلى الأسلوب وعلى الموسيقا الشعرية.
إلى أية درجة توافق أو تختلف على هذه
الرؤية؟
حين يكون الالتزام كالهواء الذي
نستنشقه- من حيث كونه عنصرًا ضروريًّا لا غنى عنه وأمرًا واقعًا لا مفر منه.
حين يكون كذلك لا يكون قيدًا على
العبارة أو على الأسلوب أو على الموسيقى الشعرية، لأن كيان الإنسان- الأديب- يكون
في هذه الحال قد تهيأ بكل عناصره الذهنية والنفسية وبكل ملكاته وطاقاته وأجهزة
الإرسال والاستقبال الكامنة في أعماقه للعيش في هذا الجو- جو الالتزام- والتكيف
ضمنه والتعامل معه والإبداع في إطاره. وفي هذه الحال لا يشعر الأديب بالضيق من جو
الالتزام، بل يشعر بالضيق من خرق الالتزام والخروج على مقتضياته.
ما رأيك مثلًا لو قرأت نصًا أدبيًّا
لسيد قطب، ووجدت فيه تصويرًا جميلًا جذابًا لحالة من حالات التواصل الجنسي المحرم؟
هل ستحس بأن أجهزة الاستقبال لديك تشعر بالارتياح والابتهاج أم بالامتعاض
والاضطراب؟ هذا بالنسبة إليك بصفتك مستقبلًا، وبإمكانك أن تتصور حالة المرسل،
أجهزة الإرسال لديه، وسائر طاقاته وملكاته الذهنية والنفسية.. هل تعتقد أنها
مهيأة، أو قابلة لإرسال مثل هذا الخطاب- تصوير اللذة المحرمة تصويرًا جذابًا!؟ وهل
تعتقد أنها لو أرسلت تحت ضغط ظرف ما، ستشعر بالارتياح والانسجام الداخلي؟ أظن
الإجابة لديك واضحة تمامًا.
ولنعد إلى هذا الأديب نفسه لنسأل: هل
منعه التزامه من ارتقاء أعلى قمم الإبداع الأدبي؟ لا أحسب أن هناك من يقول نعم. قد
تقول لي: متى يصل الأديب إلى هذه الدرجة، إلى أن يتنفس في جو الالتزام كما يتنفس
الإنسان في الهواء والسمك في الماء؟ وأقول لك: قد يمر هذا الأمر بمراحل تطول
وتقصر، وفقًا لقدرات الشخص ذاته ومواهبه وملكاته... وجملة مؤهلاته والجهود التي
يبذلها في هذا الاتجاه.
إن المتقلب خلقيًّا قد يحس ببعض
الضيق حين يبدأ بإلزام نفسه بالاستقامة الخلقية والانضباط الخلقي.. وكذلك الحال
بالنسبة إلى المتفلت فكريًّا.. أو شعوريًّا.. وإذا كانت هذه العناصر كلها لخلق
الفكر، الشعور، وحدة مندغمه متكاملة متفاعلة، وقد قمنا بفصلها بعضها عن بعض
تسهيلًا لضرب الأمثلة، فإنها في حال التعامل مع الإبداع الفني- إرسالًا
واستقبالًا- تؤثر وتتأثر بصفتها وحدة متكاملة كذلك، مع تفاوت في نسب كل منها في
التأثر والتأثير، ومع تفاوت في نسب الأشخاص كل بحسبه.
نقول: قد يكون الالتزام قيدًا في
بدايته.. إلا أنه لدى اكتمال الإحساس به والوعي بمقتضياته يصبح هو المناخ الوحيد
الصالح للحياة والإبداع بالنسبة إلى الملتزم، وتبقى الفروق الكامنة بين التزام
وآخر، وبمعنى أدق: بين الالتزام بمبدأ معين والتزام بمبدأ آخر.. وفي هذا الصدد فإن
الإنسان ملتزم حكمًا وبالضرورة، فمن لم يلتزم طوعًا على طريقة الإصرار، التزم
كرهًا على طريقة العبيد.. ومن لم يلتزم واعيًا، التزم غير واع، وحتى الذين ينادون
بعدم الالتزام هم مؤمنون بفكرة سخيفة اسمها الـ «لا التزام» وملتزمون بها وبالدفاع
عنها.. وحتى أصحاب فكرة والفن للفن، ملتزمون بها وبالدفاع عنها.. وربما كان الفرق
الجوهري بينهم وبين أصحاب الفن الملتزم، أن أصناف مفرداتهم كلها «الواجب المحظور،
المباح» تندغم في صف واحد هو المباح»، إذ لا يوجبون على أنفسهم شيئًا، ولا يحرمون
عليها شيئًا في مجال الفن!
تكامل ثقافي في عصر السرعة
· بصدور
أولى رواياتك الثعابين قبل عام مضى تكون قد لجأت إلى العمل الروائي المنشور بعد
سنوات طويلة من عطائك الشعري وثلاثة دواوين مطبوعة توجته.
هل فعلت ذلك لأن الشعر لم يعد
قادرًا- برأيك- على مواكبة احتياجات الحوار الفاعل مع الجمهور، وهل تعتقد أن
الرواية- عمومًا- تناسب طبيعة العصر السريع النبض الذي نحياه، وأنها أقدر على
الوصول بأفكار الكاتب إلى قرائه بالفعل؟
الشعر والرواية والمسرحية والقصة القصيرة. كلها
فنون أدبية يمارسها الأديب لإيصال ما يريد إيصاله إلى الناس، وهي- بحسب طبيعة كل
منها- تتفاوت في قدرتها على الحمل حمل أفكار الكاتب أو الأديب، ومشاعره وتصوراته
ورؤاه وإيصالها إلى الناس بأفضل شكل ممكن؛ فما يستطيعه الشعر قد لا تطيقه الرواية،
وما تستطيعه الرواية قد تعجز عنه القصة القصيرة. وهكذا من هذه الزاوية لا أعتقد أن
الرواية بديل عن الشعر، بل عون له، ولا أرى أن الشعر بديل عن القصة القصيرة، بل
ظهير لها.. كل فن يحمل ما يستطيع حمله وفقًا لطبيعته.. قد يكون لوسائل الإيصال
الحديثة وتغلغلها في حياة الناس تأثير في تنمية دور أحد الفنون الأدبية والتقليل
من أهمية فن آخر، في ظرف ما أو مرحلة معينة.. إلا أن هذا لا يعني إعدام فن ما،
وإخلاء الساحة تمامًا لفن آخر.
وتبقى القضية بشكل عام قضية تكامل
ثقافي بين فنون الأدب من ناحية، وبين وسائل الإيصال من ناحية أخرى.. وهنا يأتي دور
الجهات المسؤولة عن وسائل الإيصال والمشرفة عليها والموجهة لبرامجها ولست أرى أن
في مصلحة الثقافة في بلد ما، أن تقوم الجهات المسؤولة عن توجيه الثقافة وعن وسائل
إيصالها بإعدام فن من فنون الأدب أو تجاهله تمامًا، أو عدم إعطائه الحيز الذي
يناسبه في وسائل الإيصال. وفي كل حال أعود فأقول إن القضية قضية تعاون وتكامل
وانسجام، فيما لا نشاهده على شاشة التلفاز يمكن أن تسمعه في الإذاعة، أو أن نقرأ
في كتاب أو مجلة؛ والرواية التي تحتاج إلى يومين لقراءتها في كتاب يمكن أن تشاهدها
في ساعتين ممثلة على الشاشة، ولابد أحيانًا من التضحية ببعض الاعتبارات الفنية
لحساب اعتبارات أخرى كغلبة الفن التمثيلي على الفن الأدبي في الرواية الممثلة، فمن
حرص على المتعة الأدبية فيها فليقرأها. وهكذا نرى أن النبض السريع للعصر لا يعد
العلاقة التكاملية الحميمة بين فنون الأدب، إلا في حال وجود خلل في الذهنية التي
توجه الثقافة ووسائل إيصالها.
· عمومًا..
يكاد العمل الروائي الإسلامي يعد على الأصابع إلى اليوم، هل ثمة تفسير لذلك برأيك؟
قلة الروايات الإسلامية والروائيين
الإسلاميين ظاهرة تلفت النظر حقًّا، فلو نظرنا إلى الساحة لما وجدنا إلا الدكتور
نجيب الكيلاني جزاه الله خيرًا يقف عاملًا فذًا وحيدًا في ميدان الرواية
الإسلامية- وأقصد من بين الأحياء بالطبع. وإذا أضفنا إليه علي أحمد بأكثير- رحمه
الله- من الأموات، لم نكد نجد سواهما من الكتاب الإسلاميين العرب، في المشرق
العربي على أقل تقدير، ولست أعلم ما إذا كان ثمة كتاب رواية إسلامية بارزون في دول
المغرب العربي.. وتفسير هذه الظاهرة- حسب تقديري- يستند إلى أمور عدة، من أهمها:
تركيز الكتاب الإسلاميين على الجانب الفكري في مجال الدعوة، وعلى الجانب الأكاديمي
في المجالات الأدبية. الكتابة الروائية عمل صعب ومعقد، ويحتاج إلى جهد متواصل
وتفكير يقظ متوتر طوال كتابة الرواية التي قد تستمر شهورًا طويلة.. وقليل من
الكتاب والأدباء الإسلاميين من يملك هذه السعة من الوقت، وهذا الاستعداد الكبير
للمحافظة على مجموعة ضخمة من الخيوط القصصية التي لم يكتمل نسجها والشخصيات
القصصية التي لم تكتمل ملامح حياتها، وسلاسل المواقف والعلاقات المتشابكة داخل
الرواية والتي تحتاج باستمرار إلى رسم مسارات ووضع لمسات.. يضاف إلى هذا كله، أن
النظرة إلى الرواية باعتبارها أسلوبًا من أساليب الدعوة أو أداة من أدواتها.. هذه
النظرة لم تنضج بعد- فيما أحسب- وقد يتنبه إلى أهمية الرواية من هذه الزاوية بعض
المفكرين أو الباحثين، ألا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن لديهم هم أنفسهم، القدرة
على ممارسة الكتابة الروائية.
إن الفلسفة الوجودية التي انتشرت في مرحلة ما في
أوروبا وبعض دول العالم الأخرى إنما انتشرت أساسًا بفضل الرواية، وبفضل نماذج من
الشخصيات الوجودية التي حملتها الرواية، ووضعتها بين أيدي القراء.. ولقد أدرك بعض
الدعاة الإسلاميين هذه الحقيقة، وأدركوا الدور الضخم الذي يمكن أن تؤديه الرواية
في مجال نقل الأفكار إلى الناس وتحرسها في عقولهم ونفوسهم، ألا أن الأسباب التي
ذكرناها أنها ما تزال تحول دون كتابة الرواية الإسلامية على نطاق واسع.. فإذا
أضفنا إلى كل هذه الاعتبارات، صعوبات النشر، إذ لا تنشر الرواية عادة إلا في كتاب،
بخلاف القصة القصيرة وقصيدة الشعر اللتين يمكن نشرهما في مجلة أو صحيفة.. اتضح لنا
بعض الأسباب التي تقلل من وجود الرواية الإسلامية.
على أننا يجب ألا نغفل عن حقيقة قائمة، وهي أن
الرواية في العالم العربي عامةً قليلة بالقياس إلى القصة القصيرة والشعر.. ولعل
ذلك عائد- أيضًا- إلى بعض الأسباب التي أشرنا إليها آنفًا.
· الأدب... والمرأة
وجهت جانبًا غير قليل من أحداث روايتك
«الثعابيني» وحوارياتها لرصد الأدوار السلبية التي أصابت ساحة العمل الإسلامي-
وأنت أحد أبنائه- بشتى منطلقاته واتجاهاته. هل تعتقد أن هذا النوع من النقد
الذاتي، مقبول اليوم بين رموز الساحة الإسلامية وجمهورها، وهل تأمل أن يؤدي نقدك
هذا إلى تغيير حقيقي وفعال؟
إذا سلمنا بأن الأدب يمكن أن يقوم بدور المرأة،
وأنا من الذين يؤمنون بهذا، فإن علينا أن نبحث عن حقيقة أنفسنا في المرايا
المصقولة جيدًا، التي أزالت عنها غبشها أيدي النقد البصير، وأن نتجنب النظر في
المرايا المغبشة، التي غشى صقالها بخار «الآهات» سواء منها آهات الإعجاب بالذات أم
آهات الأسف على الذات.
ولقد حرصت على أن أقدم مرآة لم
تغبشها الآهات، أو- في أقل تقدير- مرآة ليس فيها من الغبش إلا أقل قدر ممكن...
حرصت على أن أعكس ملامح صورتنا كما رأيتها في عدد كبير من مرايا الآخرين، وأحسب أن
صورتنا في كثير من هذه المرايا معروفة لدينا جيدًا.. إلا أننا نرفضها أكثر
الأحيان، لأننا لا نرى فيها ما يرضي نفوسنا، متذرعين بأن مرايا الآخرين غير
صادقة.. لأنهم.. لأنهم أعداء.. وكثيرا ما صرفنا النظر عن مرايا الآخرين لأنها تعكس
لنا بعض التشوهات أو البثور المنبثة على صفحات وجوهنا!
إن كون الآخرين أعداء، أو غير منتمين إلينا لا يعني
بالضرورة خلو كلامهم عنا من الصواب، وعلينا أن نفيد من الصواب الذي نجده عندهم
انطلاقًا من مبدأ والحكمة ضالة المؤمن.... على أن نعمل العقل جيدًا كيلَا نخدع
بصواب زائف أو موهوم، مستدرج إلى هاوية وفقدان الثقة بالذات ونبدأ بالرؤية
المعاكسة وكل ما لدينا خطأ، وكل ما لدى الآخرين صواب وفي هذه الرؤية من المقاتل ما
يفوق تلك التي في نقيضها وما لدينا صواب كله، وما لدى غيرنا خطأ كله ١٠٠ وفي
«الثعابيني»، أفترض أني لمست ما يجب لمسه من عيوب الذات لتلافيه. إما أن يكون هذا
الأمر مقبولًا بين رموز الساحة الإسلامية وجمهورها أو غير مقبول، فهذا أمر آخر.
لقد مارست ما أعتقد أنه حق لي وهو
طرح وجهة نظري بحرية، وما هو واجب علي في الوقت نفسه وهو إسداء النصيحة ولفت نظر
الآخرين إلى ما أراه صوابًا ولقد دفعني إلى ممارسة هذا الحق وأداء هذا الواجب أمور
عدة من أهمها:
الحرص على أن نقوم أنفسنا بأنفسنا،
كيلا يتعدى الآخرون لتقويمنا أو لاستغلال نقاط ضعفنا وضربنا من خلالها.
إيماني بأن «أهل مكة أدرى بشعابها،
وأن «رب البيت أعلم بما فيه» وهذا يعني أننا أقدر من سوانا على معرفة نقاط ضعفنا
ونقاط قوتنا، ويعني بناء على ذلك أننا أقدر على تقويم أنفسنا وسد ثغراتنا من سوانا.
وهذا لا يعني التناقض مع ما أوردته
أنفًا من أن مرايا الآخرين قد تكشف لنا من عيوبنا ما لا تكشفه مرايانا الخاصة بنا
فالآخرون قد يرون ظواهر عيوبنا، أما نحن فنرى بواطنها وكثيرًا من ظواهرها.
اعتقادي بأن تقويم الأب لابنه،
ونصيحة الابن لأبيه وتوجيه الأخ لأخيه اعتقادي بأن هذه الأمور كلها إنما تمارس في
جو من الرفق والرحمة وحب الخير خلافًا لما يمارسه القريب مع الغريب من تقويم أو
نصيحة أو توجيه.
وإذا فعل أبناء الأسرة ما يجب عليهم،
بعضهم تجاه بعض ارتقت الأسرة إلى درجة يقل معها، أو يعدم تدخل الآخرين الذين لا
يفترض دائمًا أنه مفعم بالحب والرفق.
وأعتقد أن هذه الدوافع كلها كافية
للضغط على وعلى كل مهتم بالعمل الإسلامي ليمارس كل منا حقه وواجبه.. أما ما لمسته
حتى الآن من ردود فعل تجاه النقد الذاتي الذي تضمنته الرواية فإنه يبشر بالخير إذا
وقعت الرواية- في جانبها الفكري بالدرجة الأولى- موقعًا حسنًا لدى أكثر القراء
الذين قرؤوها وأبدوا انطباعاتهم عنها.. ولا أعتبر هذا تزكية للرواية، بل أعتبره
نوعًا من صدق القارئ المسلم في تلمس جراحه والتلهف لمعالجتها.. فأنا لم أكشف
الجراح، بل هي مكشوفة معروفة، وكل ما فعلته هو وضع أصابع أصحابها عليها من قبيل
التذكير بوجودها وبضرورة معالجتها.. هذا كل ما في الأمر.
أما الأمل في أن يؤدي هذا النقد إلى
تغيير حقيقي وفعال فهو موجود بنسبة معينة- قد لا تكون كبيرة جدًّا- ولست أعتقد أني
وحدي في هذا المجال، كما أنني لست السابق إليه.. فالساحة ملأى بالقلوب المتلهفة
إلى رفع مستوى العمل الإسلامي... فإذا وجدت نصيحة هنا، ونقدًا هناك، وإشارة
هنالك.. فعسى أن يؤدي تكامل التوجيه والتسديد إلى تكامل البناء.
العاطفية
بين الرفض والقبول
لا تزال السمة الخطابية العاطفية
تغلب على عطاء الأدباء والشعراء والمتحدثين الإسلاميين هل تعكس هذه الملاحظة-
برأيك- حالة العاطفية التي تسود منهجية العاملين في الحقل الإسلامي ويغلب على
طبعهم الثقافي ومسلكهم الحركي وهل تعتقد- من ثم- أن السبب يعود في ذلك إلى سلبية
العاطفة كمؤثر شعوري يغلب على الشرقيين عمومًا، أم أنه يعود إلى سلبية التوظيف
وسوء الاستخدام؟
علينا أولًا أن نفصل بين المصطلحات
«الخطابية» و«العاطفية» و«الأدباء» و«الشعراء» و«المتحدثين» إذ لا يصح إدراجها في
سياق واحد والحكم عليها جملة مع اختلافها من حيث النوع والوظيفة.
فالعاطفية على سبيل المثال، صفة
يحتاجها العاملون في أي حقل إنساني، إلا أن حاجتهم إليها تتفاوت بحسب وظيفة كل
منهم وأداته وجمهوره وجملة ظروفه.
الشاعر يحتاج منها إلى قدر أكبر من
قدر المتحدث في مناقشة أو حوار والأديب المبدع يحتاج إلى قدر منها يختلف كثيرًا
عما يحتاجه الأديب الناقد والخطيب الجماهيري يحتاج إلى قسط من العاطفية أوفر من
قسط المحاضر في جو هادئ بين مجموعة من المثقفين.. وهكذا.. فإذا سلمنا بصحة هذا وجب
علينا التريث في إطلاق الأحكام العامة ووجب علينا بعدئذ أن ننظر إلى العاطفية، في
موضعها المناسب، وبحجمها المعقول نظرة إيجاب، كما ننظر إليها في موضعها غير المناسب
وحجمها غير المقبول نظرة سلب.
فأين تكمن العاطفية غير المقبولة؟ في
أي مجال من مجالات العمل الإسلامي، وأي مجال من هذه المجالات يحتوي على أكبر قدر
من العاطفية المرفوضة؟ لابد من تحديد بعض زوايا الرؤية لتتمكن بعدئذ من ترتيب
الأولويات حسب خطرها وضررها، وحسب الكميات التي تحتاجها من العاطفية المقبولة أو
من العقلانية المطلوبة وعلى سبيل المثال: ضع كمية ضخمة من العقلانية في قصيدة
شعرية، وضع كمية تعادلها من العاطفية في محاضرة سياسية أو قانونية، ثم انظر كيف
تكون الأمور!! أبدل الآن موضعي الكميتين، ضع كل كمية في مكان صاحبتها، وأعد النظر
في الصورة... فستجدها مختلفة تمامًا عن سابقتها.. وأظن هذا سيقودنا إلى التسليم
بالحكمة الدارجة «الحكمة هي وضع الأمور في مواضعها المناسبة»
إننا نعيش الآن في عصر الإدارة
الدقيقة.. الإدارة لكل شيء، وفي كل شيء؛ في السياسة، في الاقتصاد، في التربية، في
الإعلام.. وحين أقول الإدارة إنما أعني الإدارة الموضوعية العقلانية الجادة،
البعيدة عن عواطف المديرين.
وقد يقوم المدير بتوظيف عواطف
«المُدار»، واستثمارها لمصلحة العمل العام مثلًا، فإذا فعل هذا لا يكون قد أدار
عمله بعاطفية، أما إذا ترك عواطفه تتحكم في إدارته لعمله، فيمكن عندئذ وصفه بأنه
عاطفي، أو وصف عمله بالعاطفية، وهي- العاطفية- صفة تعادل من حيث التأثير صفة
الفوضوية، حين تتحكم بإدارة العمل، لأنها ستقود العمل حكمًا إلى الدمار كالفوضوية
سواء بسواء! فإذا وصلنا إلى شيء من وضوح الرؤية في مجال تحديد المصطلحات يمكننا أن
نقول فيما يتعلق بالعمل الدعوي الإسلامي، أن نسبة العاطفية في عمله اليوم، أقل
منها بالأمس، ولست أحب الدخول في تحديد النسبة التي تتفاوت من بلد إلى آخر، ومن
جماعة إسلامية إلى أخرى، ومن مجال عمل إلى آخر. وانخفاض نسبة العاطفية في الأعمال
التي لا تحتاجها، بين الأمس واليوم، مؤشر إيجابي يعد في مصلحة العمل الإسلامي، فهل
يمكن الإسراع في إعدام العاطفية أو كنسها من المؤسسات التي لا تحتاجها؟!
قد يمكن الإسراع بنسبة معينة من السرعة، تتفاوت
حسب الظروف والمعطيات.. إلا أن الطفرات في هذا المجال نادرة. واعتساف الأمور قد لا
يأتي دائمًا بخير، ولا بد لسنن الحياة من أن تأخذ مجراها، وما دمنا قد أشرنا إلى
ما في العاطفية من سلب أو إيجاب فبإمكاننا أن نشير إلى حكاية «العاطفية الشرقية»
و«اللاعاطفية الغربية» فنقول باختصار أن المواقف الإنسانية بأنواعها إنما هي خصائص
من خصائص التكوين البشري، لا يمكن تجريد الشخصية الإنسانية منها، وإذا كان الإنسان
الفرد كذلك، فإن الأمة المكونة من مجموعة أفراد كذلك أيضًا.. لذا لا يمكن أن نتصور
أمة ما تغرق في بحر العواطف، وأمة أخرى لا تملك أية عاطفة، وعلى هذا يمكننا القول
بأن الحب، والحقد والغيرة.. وأمثالها موجودة لدى الأمم جميعًا، بنسب متفاوتة، يؤثر
في تفاوتها جملة من- العناصر والظروف المناخية والعرقية والثقافية وغيرها.
وعلى هذا فالإنجليز مثل العرب مثل
الهنود يحبون ويحقدون ويغارون ويبقى دور- في التفاوت العاطفي- للمرحلة الحضارية
التي تعيشها الأمة، كما يبقى دور كذلك، لأمراض الحضارة التي قد تحرف بعض العواطف
البشرية أو- تقدها أو تشوهها لدى جيل من الأجيال. وأظنك توافقني في أن الإنسان
الذي لا يحب ولا يكره لم يولد بعد! وإذا ولد بهذا الشكل فلن تكون فيه خصائص
الإنسان!! وإذا ولد طبيعيًّا، ونزعت منه عواطف البشر صار إنسانًا ممسوخًا- مشوه
النفس والعقل.
المد القومي! إفلاس.... وإخفاق
ثمة من يرى أن حقبة الستينات الماضية
كانت حقبة المد القومي، نشط عدوها التقليدي الإسلاميون من بعدها حتى الساحة
واستحوذوا على اهتمام مختلف الأوساط، لتبدأ المعركة السياسية والثقافية بين
الخصمين اللدودين مع بداية الثمانينات وإلى يومنا هذا.
هل توافق من حيث المبدأ على هذه
الرؤية، وهل تعتقد أن الأدب الإسلامي المطروح قد واكب الصحوة الإسلامية خلال هذه
السنين واستفاد منها وأفاد بالقدر المأمول؟
على المستوى السياسي، مر المد القومي بمرحلة
إفلاس بعد هزائم العرب أمام إسرائيل، في ميدان الصراع الخارجي، وبعد إحقاق الأنظمة
العربية في إنجاز وعودها التي قطعتها للجماهير، من تحقيق الرفاهية، والوحدة
العربية والعدالة الاجتماعية، وحرية المواطن في بلده. وغير ذلك من شعارات، وهذا
على المستوى الداخلي.
أقول: بعد إخفاق القادة العرب
«والقوميين» على المستويين: الداخلي، والخارجي ولاسيما بعد هزيمة حزيران المنكرة،
غير المسوفة ولا المعقولة، أحست جماهير الأمة بالفراغ الهائل، وأحسب بنذر الدمار،
والضياع بعد أن نامت على أيدي الساسة الذين هدهدوا أحلامها طويلَا فأقامت تبحث عن
بديل، ولم يكن أمامها سوى بديل واحد هو شخصيتها نفسها، هذه الشخصية التي أبدعها
الإسلام ووسمها بميسمه وجرى في شرايينها.. أجل، بدأت الأمة تنفض- أو تحاول أن
تنفض- عن وجهها شوائب الزيف والتضليل، وتبحث عن معالم البديل الكامن في أعماقها
منذ أربعة عشر قرنًا وهذا ما سمي بالصحوة الإسلامية.
والحقيقة أن تحديد الزمن بهذه
الطريقة «حقبة الستينات» أو السبعينات أو الثمانينات. فيه كثير من التجاوز في مجال
الحديث عن الصراع بين الإسلام وخصومه، وعلى رأسه القوميون- ونقصد القوميين الذين
كفروا بعقيدة الإسلام وشريعته، أو آمنوا بعقيدته وكفروا بشريعته وطرحوا لها بدائل
من عند أنفسهم أو من عند غيرهم.. إن الهجمة القومية الملحدة ضد الإسلام كانت قائمة
منذ القرن الماضي، وسيطرت على الساحة بعد سقوط الخلافة العثمانية في بدايات هذا
القرن- مع ملاحظة اختلاف الظروف التي طرحها القوميون بين مرحلة وأخرى، فما كان
صالحًا في بدايات القرن، لم يعد صالحًا في نهاياته!
وكان منتظرًا لهذه الهجمة القومية
العنيفة الموجهة بشكل مدروس أن تؤتي ثمارها عبر مراحلها المختلفة.. ولقد أتت من
الثمار ما يعرفه الجميع، وما يراه الجميع، وما يتجرع مرارته الجميع.. وما أينع من
ثمار هذه الهجمة حتى الآن هو غيض من فيض، وحلقات من سلسلة طويلة لابد أن تصل إلى
نهايتها المرسومة أو يقيض لها الله من يمزقها.
وما حصل من انحسار المد القومي في
مرحلة السبعينات بعد هزيمة حزيران كان أمرًا طبيعيًّا إلى حد ما، إذ لابد أن تسقط
الأمة- من احترامها في أقل تقدير- بعض الرموز التي أفقدتها أعز ما تملك: هيبتها
وكرامتها وأرضها.. ولكن الذي حدث هو سقوط احترام هذه الرموز فقط.. وهذا أدنى وأبخس
ثمن دفعته هذه الرموز لقاء تفريطها بمصير الأمة.. أما على المستوى الواقعي
السياسي.. فلم تقبض الأمة من هذه الرموز شيئًا.. ومازالت تسرح وتمرح وتلهو بمصائر
الناس، مستعينة بما لديها من وسائل إعلامية وغيرها للتضليل والتخدير وقلب الهزائم
إلى انتصارات، ورفع حاجات المواطنين الضرورية من خبز وماء ووقود.. شعارات لها! ولا
يزال المد القومي يتحكم بمصير الأمة، وما يزال يخطط في كل ساعة لضرب الإسلام
وأنصاره، ويضع لذلك الخطط الرئيسية والاحتياطية العنيفة والهادئة السياسية
والعسكرية، الإعلامية والأمنية.
إن «الصحوة»، هي صحوة شعوب لا تملك
من أمرها شيئًا، فهل ثمة ضمانات لاستمرارها وتصاعدها حتى تصل إلى آخر مدى تريد؟ إن
ضمانات حياة الشعوب تجاه أعدائها الخارجين معروفة، وضمانات حياتها تجاه الفراعنة
المستبدين معروفة كذلك.. والرموز التي تمسك بمقدرات الأمة تعرف هذه الضمانات وتلك،
وتضع لها ضمانات مضادة!
من
يملك رغيف الأديب؟
هذا على المستوى السياسي، فما دور
الأدب في هذا الميدان؟ لابد قبل الإجابة من طرح بعض التساؤلات:
من يملك وسائل النشر ووسائل مراقبته؟
من يملك وسائل التحكم بالإرسال
وتضليل وسائل الاستقبال؟
من يملك المذياع والتلفاز والجريدة والمجلة
والكتاب المدرسي...؟!
ثم من يملك رغيف القائل- الأديب-
ورغيف المقول له؟
هل يملك المد الإسلامي أو الصحوة
الإسلامية من ذلك كله شيئًا؟ وإلى أي حد تستطيع الصحوة رفع صوتها في المنابر
المملوكة لغيرها..؟ وإلى أي حد تستطيع أن تصنع لنفسها منابر خاصة حرة لا تخضع
لرقابة الآخرين؟ أظن الإجابة على هذه التساؤلات كلها واضحة تمامًا- في هذه
المرحلة- فماذا يبنى على ذلك؟، بل ماذا يبقى؟ تبقى الهوامش الصغيرة المتاحة للصحوة
بحكم ضرورات معينة.. فهل استطاعت الصحوة أن تملأ هذه الهوامش؟ وإذا كانت قد
ملأتها، فبأي شيء؟ بشعر، بقصة، برواية، بمقالة، بمسرحية، بخطبة؟ وما نسبة الجودة
والرداءة في هذا كله؟!
لا أحب أن أطلق أحكامًا عامة في أمور
كثيرة التباين لاسيما في تفصيلاتها، وحسبي أن أقول بأن الهوامش المتاحة للصحوة
اتسعت قليلًا في بعض الأماكن، وأن نسبة الجيد- الذي يوضع في الهوامش- تزداد، ونسبة
الرديء تتناقص.
لكن المشوار طويل.. وإذا كانت الصحوة
قد صحت منذ سنوات قليلة، فإن أعداءها لم يناموا عنها منذ عدة قرون... ولا يتوقع أن
يناموا ويدعوها صاحية!
أما علاقة الأدب بالفكر بالسياسة
بالقانون بالتربية بالإعلام بالمجتمع.. فأشد ارتباطًا وتلاحمًا من علاقة الأعضاء
فيما بينها داخل الجسد الواحد.. وكما أن الأعضاء تنبثق داخل الجسد الواحد، وتنمو
فيه لتخدمه، كل عضو في مجاله.. فكذلك العناصر الأخرى «الأدب- الفكر- السياسة..»
تنبثق عن العقيدة التي تتشكل منها روح الأمة- كما يقول غوستاف لوبون- وتنمو داخل
هذه الروح لتخدمها .. كل عنصر في مجاله، مع ملاحظة التكامل والانسجام في العمل هنا
وهناك.
ولقد أراد بعض دعاة الحداثة من كل شيء حديث: من
الأدب الحديث والعلم الحديث والفن الحديث، أن تكون معاول هدم في كيان الأمة بدلًا
من أن تكون أدوات بناء ورقد وتجديد.. أرادوا منها أن تصنع للأمة، عقيدة حديثة
مخالفة لعقيدة الإسلام وأخلاقًا حديثة مغايرة للأخلاق الإسلامية.. وفهمًا حديثًا
للحياة مخالفًا للفهم الإسلامي..
وباختصار: أرادوا إدخال الأمة في
معمل وهمي اسمه «الحداثة» لتخرج من الباب الآخر أمة مختلفة تمامًا عما كانت عليه
.. أمة لا تعرف من هي، وما هي، وما تاريخها، وما عقيدتها .. ولا تعرف أي شيء مما
تريد، اللهم إلا شيئًا واحدًا اسمه «الحداثة»!
وإذا كان أدونيس الباطني القرمطي
المارق من الإسلام صاحب مصلحة حقيقية في تدمير الأمة، فما مصلحة الآخرين المحسوبين
على الإسلام.. المدعين الانتماء إليه؟!
المجلة تشكر للأستاذ عبد الله عيسى السلامة على تفضله بالإجابة على
أسئلة هذا المنتدى ونتمنى له كل خير وتوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل