; الشباب.. الشخصية والشباب | مجلة المجتمع

العنوان الشباب.. الشخصية والشباب

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

مشاهدات 71

نشر في العدد 1265

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

  •  لكي ندعو الشباب للعودة إلى الإسلام الذي هو هويتهم علينا إزالة التناقض بين قلبه وعقله وبين وجدانه وفكره

من أهم مشاكلنا اليوم مشكلة انسحاق شخصية معظم الشباب في العالم الإسلامي وتولد عقدة مركب النقص عندهم تجاه الغرب، وهذا مرض من أهم الأمراض التي يمكن أن تصاب بها أمة من الأمم، ومن أهم العلل التي تنخر في جسد الأمة، أنه إعلان عن الهزيمة الداخلية وإعلان عن الاستسلام وبمحض الإرادة، وهي أسوأ بكثير من الهزيمة العسكرية التي تصاب بها أمة أمام أمة أخرى أو بلد أمام بلد آخر، لأن هذه الهزيمة العسكرية هزيمة مؤقتة وهي تثير عادة النخوة في شباب تلك الأمة وشعبها وتشوقهم إلى سلوك طريق الكفاح والنضال ضد المستعمر، فلا تمضي فترة إلا وتنجح هذه الأمة في الحصول على استقلالها، ولكن إن كان هذا الاستعمار فكريًّا ونفسيًّا وثقافيًّا فإنه يشكل إرادة الكفاح وإرادة الخلاص، فالضحية هنا تُسلّم نفسها بنفسها طوعًا ودون مقاومة، أي أن الخطورة هنا هي أن المريض لا يحس بمرضه ولا يملك الرغبة في التخلص منه، إنه مثل مرض الإيدز تحطمت فيه كل أجهزة المقاومة ضد الجراثيم وضد جميع الأجسام الغريبة والغازية للجسم.

وهذا موضوع تناوله علماء الاجتماع وعلماء النفس وعلماء تفسير التاريخ، إذ نرى «أرنولد تيونبي» صاحب نظرية «التحدي والاستجابة» يطرح السؤال التالي:

«ماذا يحدث عندما تنهزم حضارة أمة أمام حضارة أمة أخرى؟».

أود جلب انتباهكم هنا إلى هذا السؤال: فالسؤال ليس حول هزيمة عسكرية لأمة أمام قوة عسكرية لأمة أخرى، بل حول انهزام حضارة أمام حضارة أمة أخرى.

يجيب أرنولد تيونبي على هذا السؤال، فيقول بأننا نعرف من التاريخ أن الأمة المنهزمة تصاب بعقدة مركب النقص أمام الأمة الغالبة، وبالانبهار بها، ولكن كيف تتصرف في هذه الحالة؟ 

يقول تيونبي إننا شاهدنا من التاريخ أن هناك طريقين أمام الأمة المنهزمة حضاريًّا: 

الطريق الأول: أن هذه الأمة المصابة بعقدة النقص نتيجة انهزامها الحضاري تقوم بتقليد الأمة الغالبة تقليدًا أعمى، أي تقليدًا فرديًّا، إن جاز التعبير، هنا تتخلى الأمة عن الكثير من تقاليدها وخصائصها وعن نظرتها الخاصة بها للكون والحياة وللفرد والمجتمع، بل قد تشعر بالخزي عن نفسها وعن تاريخها، وتتبنى فكرة ونظرة الأمة الغالبة. 

ويعطي تيونبي مثالين لهذه الحالة وهما مثال مصر في عهد محمد علي باشا، ومثال تركيا في العصر الحديث.

ثم يتساءل تيونبي:

هل التقليد هنا يشكل حلًا؟

يجيب.. كلا.. إنه يشبه قيامك بتغيير حصانك وأنت تجتاز نهرًا صاحب التيار، فهذه عملية خطرة وغير سليمة أولًا، ثم إنه ليس حلًا صحيحًا، لأنه لا يمكن أن تتوقع من مثل هذه الأمة المقلدة أي شيء جديد ولا أي إبداع ولا أي إضافة إلى الفكر أو إلى الحضارة الإنسانية، إنها أمة تمشي في الخلف على الدوام، تكرر ما هو موجود لدى الأمة الغالبة أي تموت عندها قابليات الإبداع فتصبح أمة عقيمة، وهذا أسوأ وأفظع من أي مصيبة يمكن أن تصاب بها أمة من الأمم.

الطريق الثاني: الطريق الثاني أمام مثل هذه الأمة هو أن تنزوي، وأن تتقوقع على نفسها. وتحاول الانعزال عن العالم بعد هزيمتها الحضارية وعجزها عن تحدي الأمة الغالبة. 

ويضرب تيونبي مثالًا على هذه الحالة بالحركة السنوسية في شمالي إفريقيا.

هل العزلة عن العالم تشكل حلًا لهذه المعضلة؟

يقول تيونبي: كلا.. فالأمة هنا تشبه حال من يستعمل القوس والنشاب ضد المدافع والرشاشات، إنها محاولة محكوم عليها بالفشل من الخطوة الأولى.

إذن ما الحل؟

لا يعطي تيونبي في مقالته هذه الحل الذي يراه مناسبًا، ولكننا عندما نتتبع كتبه الأخرى التي تناول فيها الحضارات الإنسانية السابقة والحضارة الغربية الحالية، وأشار فيها إلى الأزمة التي تعيشها هذه الحضارة، نجده يقول: 

إن الحل الوحيد للخلاص من الأزمة هو القيام بعملية تركيب وتأليف نقوم فيها بتطعيم هذه الحضارة بقيم الحضارات الأخرى. 

قد نوافق تيونبي أو لا نوافقه، فهذا بحث آخر، ولكننا نقول: إن هناك أزمة تعيشها الأمة الإسلامية، وهي أزمة الشخصية.. أزمة فقدانها لشخصيتها ومقومات حضارتها الغنية ذات الصبغة الروحية والإنسانية أمام حضارة مادية قدمت الكثير من الخدمات إلى الشعوب في النواحي المادية والتكنولوجية، ولكنها جففت منابع الروح عند الإنسان، ورسمت له دائرة ضيقة من الأهداف دائرة محصورة بالحياة المادية ضمن عمر قصير.. حياة تجري في صراع مادي مرير بعيدًا عن القيم الإنسانية وكانت النتيجة الطبيعية لهذه النظرة الناقصة والضيقة للحياة والإنسان تصاعد نسبة الجرائم والانتحار والإدمان على المخدرات والكحول وزيادة نسبة الطلاق، وتفكك أواصر العائلة وعندما بدأنا بتقليد واتباع هذه النظرة الضيقة واللاإنسانية كان من الطبيعي أن تنتقل إلينا بدرجات مختلفة جميع أمراض العالم الغربي ومن المفارقات الأليمة أن مفكري الغرب اعتبارًا من «شبنجلر صاحب كتاب «أفول الغرب إلى ارنولد تيونبي» إلى «كامو» إلى «برجسون» يشيرون إلى الأزمة الخانقة للحضارة الغربية ويناقشون مصادر عللها وأمراضها ويبحثون عن مخرج لها، بينما نرى الكتاب المقلدين عندنا يصرفون أعمارهم وجهودهم ونقاشاتهم في تمجيد الغرب والحضارة الغربية، ويرون أن الطريق الوحيد لخلاص أمتنا هو طريق تقليد الغرب يفتشون عن الخلاص عند من يبحث هو عن الخلاص، وهذا تأييد لما قاله تيونبي في أن العقم وعدم القدرة على التجديد سيكون مصير الأمة المقلدة.

ولكن ما موقع الشباب من هذا الأمر؟

كلنا يعلم أن الدعاية من أبرز سمات هذا العالم الحالي الذي تطورت فيه أساليب الاتصال تطورًا كبيرًا، حتى أصبحت الدعاية من أبرز ضرورات المجتمع الاستهلاكي الغربي، هذه الدعاية متوجهة في معظمها نحو الشباب من كلا الجنسين، لأن الشباب هم القوة المحركة في كل مجتمع، وهذه الدعاية التي تستخدم أفضل الأساليب التقنية والنفسية للوصول إلى عقول وقلوب الشباب أصبحت من القوة والتأثير بحيث بدأ علماء الاجتماع وعلماء النفس يتحدثون عن «غسيل الدماغ» هذه الدعاية المكثفة والمستمرة تحاول صب الشباب في قالب واحد، وتقدم بضائعها وخدماتها لهذا الإنسان المقولب وهذا القالب الواحد هو قالب ونموذج شباب الغرب، يجب أن يفكر الشباب ويتصرفوا في جميع أنحاء العالم كما يفكر ويتصرف الشباب الغربي، وأن يلبسوا كما يلبس، ويستمعوا إلى الموسيقى والأغاني نفسها التي يستمع إليها الشباب الغربي. 

قبل فترة جاء المخرج العالمي المعروف إيليا كازان إلى تركيا، إلى البلد الذي ولد فيه ثم هاجر منه مع والده وعمره أربع سنوات، جاء لكي يلقي نظرة أخيرة على القرية التي ولد فيها قبل أن يودع الدنيا بعد أن تجاوز عمره الثمانين عامًا، وكان صديقه الصحفي التركي زولفو ليفانلي، يصاحبه في هذه الرحلة.. رحلة الذكريات الأخيرة.

يقول ليفانلي: إن «إيليا كازان» عبر عن دهشته عندما شاهد الشباب التركي، وقال بأنه لم يكن يتوقع أن يرى الشاب التركي يلبس كما يلبس الشاب الأمريكي، ويستمع إلى الموسيقى والأغاني التي يستمع إليها الشاب الأمريكي، قال هذا كنوع من النقد لأن المتبوع لا يحترم عادة تابعه.

ولكن دوام الحال من المحال كما يقولون، إذ لابد للبشرية أن تثوب إلى رشدها وتجد طريق خلاصها، فمن سيقوم بهذه المهمة الجليلة؟ 

أنا لا أعتقد بوجود أي فرصة أمام أي أمة، ولا شباب أي أمة للخلاص من هذه الشباك ومن هذا الإخطبوط، لا اليابان ذات التقاليد الخاصة بها في الماضي، والتي بدأت تتوارى في طي النسيان أمام زحف طراز الحياة الأمريكية، ولا الصين التي بهتت وانزوت فيها الفلسفة الكونفوشيوسية أمام طغيان الشيوعية، ولا إسرائيل التي تجمعت من بلدان مختلفة تحت ظل التوراة، والتي لا تملك فكرًا واقعيًّا بديلًا، لن تستطيع أي أمة، ولا شباب أي أمة الخلاص من هذا التيار الغربي والنموذج الغربي القاصر للنظرة إلى الحياة، وإلى الإنسان وإلى الكون ولا تقدم أي بديل.

هناك أمل واحد.. أمل واحد فقط في الأمة الإسلامية وفي مفكريها، وفي مجددي الفكر فيها وفي شبابها، هذا الأمل نستمده من الحيوية الفائقة التي يتمتع بها الإسلام لكونه يتناول الإنسان تناولًا شاملًا بجسده وروحه بحاجات بدنه وبأشواق روحه بضميره وقلبه وعقله، لن يستطيع دين آخر أن يكون مشبعًا العقل الإنسان وروحه لن يستطيع هذا لا المسيحية ولا اليهودية، ولا أي دين آخر، ولن نستطيع أن نفصل هنا، فكل من درس هذه الأديان يدرك ما نقوله.

هناك بوادر حول رجوع الشباب إلى أصالتهم وإلى ذاتهم وإلى هويتهم وإلى شخصيتهم على الرغم من كل هذه الدعاية الغربية الواسعة والرهيبة، وعلى الرغم من جميع العراقيل الموضوعة في هذا المجال، وعلى الرغم من النسبة الضئيلة من وسائل الدعاية التي يملكونها في بعض البلدان ولا يملكون منها شيئًا في بلدان عديدة، وهذا الرجوع إلى الذات يشكل تحديًا لم يكن متوقعًا من كثير من الأطراف، وهي ظاهرة تتم دراستها وتصرف لهذه الدراسات ملايين الدولارات، وتنشأ لها مراكز الأبحاث وتعقد حولها الندوات والمؤتمرات، وكمثال واحد فقط حول الرعب الذي يحسه بعضهم من إقبال الشباب على الإسلام نقول إن الأستاذ سعيد النورسي– رحمه الله تعالى– ألف رسالة اسمها رسالة الشباب وملخصها هو دعوة الشباب للتفكير في سبب مجيئ الإنسان إلى الدنيا، وأنه ليس مخلوقًا سائبًا قد القى حبله على غاربه، بل هو مخلوق مسؤول ومكلف بالعبودية لله تعالى كائن مخلوق لحياة أبدية، وأن عليه ألا ينقاد الأهواء النفس، بل يصون نفسه ويزكيها، رسالة لا يوجد فيها أي تدخل في السياسة ولا أي مخالفة قانونية، ومع ذلك فقد قدم النورسي إلى المحكمة بسببها سنة ١٩٥٣م بتهمة دعوة الشباب إلى الرجعية وإفساد أفكارهم، ولكن المحكمة بعد قيامها بتدقيق الرسالة ردت دعوى النيابة وحكمت ببراءة الأستاذ النورسي، كما أجازت طبع هذه الرسالة وتداولها بين الناس بعد أن كانت تتداول سرًّا. 

لقد أدرك الأستاذ النورسي- رحمه الله– وهو يدعو الشباب للعودة إلى الإسلام أن عليه أولًا إزالة الشبهات التي تحوم حول عقول الشباب، فألف قبل هذه الرسالة رسالة و«الآية الكبرى»، و«رسالة الحشر»، ورسالة «الملائكة» وغيرها من الرسائل التي أجاب فيها عن الكثير من الأسئلة الحائرة التي كانت تشغل بال الشباب وتبعده عن الإسلام.

إذن فلكي ندعو الشباب للرجوع إلى الإسلام الذي هو هويتهم وشخصيتهم علينا حل الكثير من المعضلات التي تكتنف هذه الدعوة وأهمها إزالة التناقض بين قلبه وعقله بين وجدانه وفكره، وهذا يدعونا للاستجابة المنطق العصر، وهو تقديم كتابات متخصصة في مختلف العلوم والفروع، لم تعد الكتابات العامة كافية، فالاختصاص هو منطق العصر لن نستطيع رد نظرية التطور لدارون مثلًا بكتابات إنشائية، ولا رد نظرية فرويد في التحليل النفسي بسب فرويد وشتمه أو الاستهزاء به، ولا إقامة هيكل اقتصادي إسلامي بكتابات كتاب غير متخصصين في علم الاقتصاد.

يجب أن يكون عندنا علماء اقتصاد، وعلماء نفس، وعلماء اجتماع.. إلخ، وهذا أمر بدأت بوادره في الظهور، وكل ما نتمناه هو الاستمرار في هذا الطريق، وسيكون النجاح أو النصر بجانبنا، إذ نستطيع عند ذلك تقديم الفكر البديل فنساهم بذلك في تقديم خدمة كبرى إلى الإنسانية جمعاء.


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 117

85

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

كلمة للمستقبل

نشر في العدد 399

128

الثلاثاء 13-يونيو-1978

الإسلام.. أو الطوفان