العنوان الشتاء ربيع المـؤمن فهل من مغتنم
الكاتب عصمت عمر
تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010
مشاهدات 51
نشر في العدد 1931
نشر في الصفحة 58
السبت 18-ديسمبر-2010
مع بداية فصل الشتاء نتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري الشتاء ربيع المؤمن، وقد أخرجه البيهقي، وزاد فيه طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه ... ويفسر ابن رجب ذلك الحديث بقوله: الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه.. ويصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسر الله فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة، ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد فلا يحس فيه بمشقة الصيام.
وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة وكان أبو هريرة يقول: ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، قال: الصيام في الشتاء و معنى كونها غنيمة باردة: أنها غنيمة حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة، فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفوا صفوا بغير كلفة.
وأما قيام ليل الشتاء: فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلي ورده كله من القرآن وقد أخذت نفسه حظها من النوم، فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه مع إدراك ورده من القرآن فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه وللصحابة والتابعين رضي الله عنهم أقوال ووقفات مع العبادة في الشتاء صيامًا وقيامًا.
فيروى عن ابن مسعود مع أنه قال: مرحبا بالشتاء.. تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام، وكان أبن عبيد بن عمير يرحمه الله يقول إذا جاء الشتاء: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا، قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف.
وقد بكى معاذ مرة عند موته وقال: «إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. ويقول الحسن البصري : «نعم، ندمان المؤمن الشتاء، ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه».
ولفصل الشتاء بصفة عامة أحوال تستدعي توقف المرء مع نفسه، وتدبره فيما يحدث بالكون خلال هذا الفصل من ظواهر كونية تحدث عنها القرآن الكريم في أكثر من موضع ولا شك أن التدبر والتفكر في تلك الظواهر مع تدبر آيات القرآن الكريم يعمق الإيمان في القلوب ويزيد من خشوعها ويجعل المرء يزداد خضوعًا وخشوعًا أمام إبداعه وقوته وحكمته.
وقد حث البارئ سبحانه وتعالى عباده على إدامة النظر والتدبر في ملكوته وآياته، فقال سبحانه: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ(6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ(8)﴾[ ق6: 8]ومن الظواهر الكونية المعروفة في الشتاء المطر الذي يهطل والبرد الذي يعم الكون والبرق الذي يلمع في السماء وكذلك الرعد وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الآيات في مواضع متعددة، حيث قال سبحانه وتعالى عن المطر: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [ النور: 43]وعن الرعد، أشار القرآن الكريم إلى تسبيحه لله سبحانه حيث قال تعالى: ﴿ وَيُسَبِّحُ الرعد بحمده والملائكة من خيفته وَيُرْسِلُ الصَّواعق فيصيب بها من يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شديد المحال (3) ﴾ (الرعد).
وعن البرق، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُريكُمُ البرق خوفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ التَقَالَ (الرعد).
وعن الصواعق، قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصواعق فيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال (13)
التذكير بالآخرة
تلك آيات بليغة يعيشها ويشاهدها المرء مع فصل الشتاء وهي تزيد المؤمنين إيمانا مع إيمانهم، لكن الغافلين يظلون سادرين في غفلتهم دون انتباه ويا حسرة على هذا الصنف من الناس وربما لا ينتبهون إلا بعد فوات الأوان: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا».
والشتاء بمطره ورعده وبرقه وبرده يذكر بالآخرة لمن يتدبرون ويتعظون، ومن ينظر إلى المطر الهاطل من السماء على الأرض الجدباء فيحييها بإذن الله يدرك عظمة الخالق جل علاه وقدرته على إحياء الموتى وقدرته البالغة على كل شيء، وصدق الله إذ يقول: وترى الأرْضَ هَامَدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَرتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ من كُلِّ زَوْج بهيج 0 ذلك بأن الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ (1) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتية لا ريب فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ﴾ (الحج). ويقول سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لَهَا طَلْعُ نَضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا به بلدة مينا كذلك الخُرُوجُ (ق)، قال أبو رزين للنبي : كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فرد عليه : هل مررت بواد أهلك محلاً ثم مررت به بهتز اخضرارا؟ قال: نعم، قال: كذلك يخرج الله الموتى وذلك آينه في خلقه (أخرجه الإمام أحمد).
التذكير بالجنة والنار
يتذكر أحوال أهل الجنة إذا مسه البرد فهم كما قال الله تعالى: ﴿ مُتكتين فيها على الأرائك لا يرون فيها شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (3) ﴾ (الإنسان- 3). قال أبن كثير يرحمه الله تعالى أي ليس عندهم حر مزعج ولا برد مؤلم بل هي مزاج واحد دائم سرمدي لا يبغون عنها حولاً . أما أحوال أهل النار، فهم كما قال الله تعالى: ﴿ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَاقٌ ﴾ (ص- 57) الطاعات أن فصل الشتاء وإن كان فرصة ذهبية للمؤمن لكي يستثمره في والعبادات، ومناسبة لتدبر آيات الله سبحانه وتعالى.. فهو فرصة للنظر إلى عباد الله الفقراء والمنكوبين والمشردين والمحتاجين الذين لا يجدون ما يقيهم من برده القارس، ولا ما يسد جوعهم، ولا ما يوفر إيواء لأطفالهم.. إن الشعور بهؤلاء والمسارعة لمساعدتهم هو من أبواب الخير الكبيرة التي تستجلب الثواب وتحقق مرضاة الله سبحانه وتعالى.. نسأل الله أن يعيننا على صيام نهار الشتاء، وقيام ليله، وتدبر آيات الله فيه، والعمل على التخفيف على الفقراء والمحتاجين، وأن يجعلنا من المتدبرين والواقفين عند حدود الله، والمتدبرين لآياته في أمورنا كلها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل