العنوان الشجرة العجوز
الكاتب سلمان فهد العودة
تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2012
مشاهدات 67
نشر في العدد 2016
نشر في الصفحة 36
السبت 18-أغسطس-2012
داعية سعودي - رئيس مؤسسة الإسلام اليوم
صعد الفتى المراهق بصره إلى امتداد رأسي لتلك الشجرة الظليلة الراسخة، وكأنه يشاهدها لأول مرة، أو أن وعيه لتوه استيقظ لها.
سقوط الطاقية فتح رأسه لطوفان التساؤلات.
ترى كم استغرقت من الزمن لتصبح بهذه القوة والعمق والشموخ؟
الماء الذي شربت والأشعة التي استقبلت والهواء الذي تنفست، وحتى الظلام الذي كانت تنام فيه.. فالليل سبات للأحياء وليس للبشر وحدهم!
كم من أغصانها ذهب وقودًا للنيران الملتهبة في برد الشتاء القارس أو الرفقة الرعاة الذين اعتادوا أن يتكنوا على العصي ويهشوا بها على أغنامهم، ولهم فيها مأرب أخرى؟!
كم من العدوان الجائر تعرضت له من مارة ينتفعون بها، ثم يرمونها بالحجارة، أو يهصرون أغصانها الغضة متناسين الوعيد على من قطع سمرة دون مصلحة يرجوها؟
كم من محاولات الإطاحة بها لاستثمار الأرض حولها، أو لعدم الإيمان بجدواها أو لغايات في النفس يصعب إدراكها؟
هل ترى كانت هذه الشجرة يومًا مادة للخلاف بين فريقين واستثارت نفوسهم للمنافرة والعناد وتتميم الرأي مهما كانت النتائج؟
أسئلة جالت في خلده دون أن تنتظر إجابات.. والكثير من الأسئلة يكون من الخير أن تبقى بلا إجابات كانت بذرة صغيرة تحتوي سر الحياة وحين وافاها المناخ الملائم أصبحت تلك الشجرة الطيبة ثابتة الأصل، باسقة الفرع، تؤتي أكلها وإن لم يكن لها أكل فظل، فلها إحدى الوصفين ﴿أكلها دائم وَظَلُهَا ﴾ (الرعد:٣٥).
لو ظلت كما هي حبة لا تكاد ترى بالعين لم يلتفت لها أحد!
اللون الأخضر يجب أن يظل واسع الامتداد على ظهر المعمورة لضبط التوازن في الحياة، ولنورث لأحفادنا بيئة جميلة وصحية ومعتدلة.
بعض المخلوقات أوجدت لحفظ التوازن بين أطراف تبدو متناقضة زرع أبو الدرداء جوزة وهو شيخ، فسأله أحدهم مستغربًا، فقال: زرع من قبلنا فأكلنا وتزرع ليأكل من بعدنا.
درس نبوي دائم بدوام الحياة حتى قيام الساعة، ولذا قال: إِنْ قَامَتِ السَّاعَةَ وَبيد أحدكم فسيلة فإن اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومُ حَتَّى يَغْرسها فليفعل (رواه أحمد ).
أجال النظر مرة أخرى في الشجرة، فرآها تجتمع مع بني البشر في صفة الحياة، وشبهها بالشيخ الذي زرعها، وأقرب صورة في ذهنه صورة شيخ القرية الذي يحمل على ظهره أعباء السنين.
يشبه تلك الشجرة في جلالة هيئته ومظهره الذي يصنع الهيبة حتى حين يبتسم أو يضحك.
ويشبهها في صمته العجيب، فهو يتفاعل ويجيد الاستماع، ويتابع أحوال الناس وأخبارهم وتحولاتهم.
لم يكن يستمع إلى المذياع مباشرة ولكن بواسطة من يستمعون إلى المذياع وهو يقول دائما يأتيك بالأخبار من لا تطرش..
سأله الصغير عن معناها، فأشاح بوجهه معتمدًا على أن السياق يكفي في الإفهام.. فالخبر اليوم يباع، وغدًا بالمجان، ولا يحتاج إلى رسول يتحقق منه!
آفة الأخبار رواتها، ولذا يمسك بأذن الصبي مداعبا وهو يقول: من شايلعن نفسه فليكذب، وسمعها التلميذ هكذا: «من شايل عن نفسه فليكذب.. وبدت عصية على الفهم، ولكن أنى له أن يراجعه الحديث، وقد وضع عينيه في عينيه ليقول بالإشارة هل أنت ذكي حاذق فطن؟
ليس أمامك إلا أن تبتسم وتتظاهر بالفهم وأن هذا من البين الواضح الذي لا يحتاج إلى إعادة.
ظل يرددها حتى أدرك بعد أنها لعنة تلحق الكاذب الذي اختار طريق الاختلاق ولم يكن له رادع من دين أو أخلاق.
صمت الشيخ حكمة، فليس يجد نفسه محتاجًا إلى أن يحل مشكلات العالم وهو يدري أن صوته لا يكاد يجاوز أذنيه، ولا تحركه شهوة الآخرين للكلام والتعليق والأخذ والرد.
يعجبك إصغاؤه واهتمامه، وتتوقع أنه سوف ينساق معك في التأييد أو الاحتجاج أو الموافقة أو الخلاف فيصدمك بصمته المهيب الذي يستعصى على استفزاز الأسئلة!
حركة شفتيه غريبة يرفعها حينًا ويفتحها وكأنه يهم بالكلام، ثم يطبقها غير لافت الحرارة انتظارك، وربما تمتم بمثل شعبي أو حكمة عربية أو همس بصوت خفيض قائلًا:
أمور يضحك الجهال منها وتبكي من عواقبها الرجال
لا تموت الكلمة في فمه إذا حان وقتها، فخبرته علمته ماذا يقول وكيف يقول ومتى يقول؟
إذا كثر القيل والقال سكت وأجاب على الملحين بحكمة منظومة:
أنا إذا كثر الأشاوير ما شير حلفت ماجي بارز ما دعاني
التجربة علمته أن الكثير مما يقولونه هدر لا طائل تحته، وأن الآراء التي يتحمسون لها ويتجادلون حولها لا صلة لها بالواقع، ولا بصانعي الأحداث.. كان يتمثل قول عمر: لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له..
هو في القرية كالشجرة ظل للمسكين والمحتاج واليتيم والأرملة، ومستشار للحالات الأسرية المستعصية وراق ينفث على الصبيان ويعالجهم من ذات الجنب، والخازباز، والأخت والقرصة.. وأمراض أخرى حيث لا طبيب ولا عيادة.
ينظر الفتى في قدميه المتشققتين من الحفاء والبرد والماء فيجد أثر العوز والزهد ثم يرفع رأسه لينظر إلى سموق الشجرة فيجد شموخ العابد الذي لم تنحن جبهته لغير ربه، ولم يتحرك قلبه لرغبة أو رهبة الأحد من الخلق كائنا من كان.
يحدق.. فيجد سيماء السجود نورًا على جبينه ﴿يهدي الله لنوره مَن يَشَاءُ وَيَضْرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾ (النور: 35).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل