العنوان الشخصية العربية
الكاتب د. علي أبو المكارم
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1972
مشاهدات 82
نشر في العدد 96
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 18-أبريل-1972
في الجزء السابق من هذا البحث عرضنا لعدد من التفسيرات التي يمكن تقديمها لتفسير خِصِّيصةٍ بارزةٍ في الشخصية العربية علـى المستويين الفردي والاجتماعي معًا، هذه الخِصِّيصةُ هي الالتزام التلقائي بتَكرار النمط سلوكيًّا أو فكريًّا على السواء.
وانتهينا من مناقشة هـذه التفسيرات إلى أنها -فـي مجموعها- لا تستطيع أن تقدم تفسيرًا علميًّا دقيقًا لتلك الظاهرة، كما تعجز في الوقت نفسه عن تتبع آثار مقوماتها في خصائصها.
وهكذا لم يكن بُدٌّ من البحث عن الأساس الموضوعي الذي أثمر هذه الظاهرة، ومَدَّ آثارَها من المادة إلى الفكر، وبَلوَر أبعادها في الفرد والمجتمع، وتجاوز بها المكان والزمان جميعًا، وقد أشرنا -في ختام ذلك البحث- إلى ما يصلح أساسًا لارتكاز هذه الظاهرة عليه وامتدادها منه، وهي كونها نَتَاجَ الظروف والعلاقات التي عاشتها الشخصية العربية، تلك الظروف التي حددت إلى حد بعيد سماتها الشخصية حتى جعلت من هذه السمات قوالب تشكيلية أو نماذج نمطية.
وأول هذه الظروف تلك البيئة الخارجية التي عاشت فيها هذه الشخصية، ونحن نعني بالبيئة الخارجية ذلك الوسط الجغرافي أو المحيط الطبيعي الذي كان إطار حركة الشخصية العربية التقليدية في الزمان والمكان جميعًا، ومن الممكن أن نميز في هذه البيئة بين نموذجين مختلفين، أو يمكن أن يقال: بين نمطين متقابلين، بينهما سلوكًا بعض الاختلاف الذي لا يرقى إلى مرتبة التناقض، وفكرًا كثير من الاقتراب الذي يوشك أن يبلغ درجة الاتحاد.
وأول هذين النمطين هو النمط البدوي الصحراوي، وثانيهما هو النمط المدني أو مع بعض التجوز الحضريُّ، والنمط الأول هو الشائع من الناحية الكمية في شبه الجزيرة العربية، فإن تلك الأرض الواسعة المترامية لم تشهد -بحكم الظروف الجغرافية وحدهاـ مدنًا كثيرة تقوم، وظل فيها دائمًا أغلبيةٌ عدديةٌ ساحقةٌ تعيش حياتها دون ما استقرار أو ثبات، حتى لَيمكن أن يقال إن حياتها قد استقرت على أن تمارس الرحلة وراء ما يقيم الأَوَدَ ويحفـــــــــظ النفس، فهي لا تقيم في مكان واحد إلا إلى فترة قصيرة ترتحل بعدها عنه لتنتقل إلى غيره، وهي لا تقيم أو ترحل إلا حيث يوجد الماء والمرعى، ترتحل إليه لتقيم إلى أَمَدٍ فيه، وحتى حين تسلك طرق الرحلة لا تبحث في مجهول ولا عن مجهول أيضًا، فقد استقرت بها التجربة إلى أن تدرك الدروب المأمونة وتعرف مواطن المياه، وبذلك فرضت البيئةُ الصحراويةُ نمطَها السلوكيَّ الذي يتلاءم معها على المستوى الفردي، وهذه أيضًا هي العوامل نفسها التي مكنت البيئة من أن ترفض ذلك النمط على المستوى الجماعي كذلك، وبهذا لم يكن للفوارق الشخصية أثر بارز في تشكيل السلوك الخاص المميز للأفراد، فقد كونت الظروفُ الخارجيةُ الالتحامَ المطلقَ بالكِيان الجمعي، وهو هنا يتمثل في القبيلة، وذلك من أجل ضمان حفظ الذات وبقاء النوع معًا.
وأما النمط السلوكي الآخر -وهو النمط المدني- فيمكن أن تجده في تلك المدن التي شهدت بحكم موقعها الجغرافي نوعًا من الحشد السكاني الذي تتميز حياته بلون من الاستقرار والثبات، والذي تختلف أسالیب معیشته تبعًا لذلك عن وسائل معيشة تلك الكثرة الهائلة التي تضرب في أعماق الصحراء سعيًا وراء الماء والكلأ، ومَرَدُّ ما بينهما من اختلاف إلى أن المدن بطبيعتها لا تعاني من تلك المشكلة الحادة التي تعاني منها الصحراء، ولا يحكم أبناؤها بما يتحكم في أفراد القبائل البدوية من حاجة إلى الماء، إذ إن المدن لا تقام إلا حيث تتوفر المياه، إما حولَ مجارٍ متجددةٍ أو ينابيعَ متدفقةٍ، ولم يكن في شبه الجزيرة العربية مجارٍ إلا مياه السيول التي لم تستطع القوى البشرية في شبه الجزيرة العربية بإمكانياتها المادية المحدودة أن تحسن الانتفاع بها إلا في جنوب شبه الجزيرة على عهد الدولة السبئية، ومن ثم لم تقم المدن إلا حول بعض الينابيع التي تحتمل قدرتها بقاء عدد من السكان حولها، وكان لا بد من إقامتها في طريق القوافل التجارية أو في بعض الواحات الزراعية لِيُمكِنَ تلبيةُ بقية احتياجات هؤلاء السكان عن طريق الإنتاج الذاتي أو التبادل التجاري.
وما لبث تخلف الدولة في جنوب شبه الجزيرة أن ترك آثاره على منشآتها الهندسية، فانهارت السدود التي أقيمت للاستفادة من مياه السيول، ومن ثَمَّ تفككت تلك المدن التي أقيمت في حماية مواردها، وبذلـك لم يعد في شبه الجزيرة إلا ذلك النوع من المدن الصغيرة المقامة حول العيون والآبار.
وأبرزُ مثل لهذه المدن مدينتا مكة والطائف، أما مكة فقد أقيمت في منتصف الطريـق التجاري البري بين الجنوب والشمال، أي بين اليمن والشام؛ مما مَكَّن أهلها من أن يُلَبُّوا احتياجاتهم الضرورية من العمل التجاري وبواسطته، وأما الطائف فقد أقيمت في واحة خِصْبة تُرويها العيون، مما يَسَّر لأهلها الاعتماد على الزراعة، وإذا كان النمـط السلوكي للتاجر، وتَحكُمه قيم مختلفة عن تلك التي تتحكم في التاجر أو تميز خصائصه السلوكية، فإن من المحقق أن بين هذين النمطين في الجزيرة العربية فيما قبل الإسلام من صلات المشابهة وملامـح المماثلة ما يجعلهما متقاربين، إذ إن المقارنة لا ينبغي أن تكون مطلقة من إطار البيئة الجغرافية وقيمها السلوكية، ولا يصح أن تكون بعيدة عن لحظ صلات القربى بين النماذج النمطية، بل يتحتم موضوعيًّا فهمُ الخلفية الطبيعية للنماذج البشرية المتمثلة في أنماط بعينها، باعتبار هذه الخلفية الأرضية التي تتحرك عليها الأنماط وتتقيد بالضرورة بها.
كما يجب علميًّا الوقوفُ على ما بين النماذج ذاتها من صلات أيًّا كان نوعها، ومهما كان تأثيرها، لما لذلك من قيمة في إدراك ما بين الأنماط من علاقات، وتحديد ما يحفزها من بواعث وغايات، وأخيرًا فهم ما يصدر عليها من أحكام.
وفي ضوء هذه المُسَلَّمات المنهجية يصبح الاختلاف بين المكي والطائفي -نسبةً إلى مكة والطائف اللتين تمثل كلٌّ منهما نموذجًا محددًا من الناحية السلوكية- مجردَ خلاف في شكل النمـوذج وصورته الخارجية، وأما ما وراء هذا الشكل وخلف هذه الصورة ففيه من التشابه ما يكاد يجعل النموذج المتبـع في كل منهما واحدًا في جوهره، وهذا التشابه هو الذي يبرر جمع هذين النموذجين على الرغم من اختلافهما الشكلي في نمط سلوكي واحد مقـابل لذلك النمط السلوكي البدوي.
ويستمد هذا التشابهُ مقوماتِه من الخصائص الاجتماعية في كل من المدينتين، وأبرز هذه الخصائص كونُ سكانهما معًا ينحدرون من أصول قبلية يحافظون عليها ويحرصون على تأكيدها ويلتزمون بحكم أُلفَتِها، ثم بحكم ما للظواهر الاجتماعية من قسر بقيمهـا وتقاليدها، يؤكد هذا الالتزامَ ويعمق ذلك الحرصَ إحساسٌ
عميقٌ بالاعتماد على الغير، وهذا الإحساس مشترك بين هذين النموذجين معًا، أما في النموذج الذي يعتمد عـلی الزراعة فأمره واضح، فإن قدرية الزارع وسلبيتـــه واستسلامه خصائص بارزة فيه، أفاض علماء النفس في تحليلها تفسيرًا لأصولها، ودوافعها، وتحديدًا لمظاهرها، وأبعادها.
بين تكرار النمط واستلهام المثال
وأما في النموذج الآخر الذي قدمته مكة فلأمرين متضافرين: أولهما أن المشاركة في العمل التجاري الخارجي -أي الذي يتصل اتصالًا مباشرًا بالنقل التجاري بين الجنوب والشمال- محصورة في عدد محدود من كبار التجار هم الذين يملكون القدرة على الإسهام فيها، وأما غيرهم فليست لديهم المقدرة على المشاركة في هذه العملية وإن أفادوا منها.
وثانيهما أن التجارة الداخلية التي كانت تقام لها أسواق محددة ومواسم ثابتة، وإن لم تكن حكرًا على كبار التجار لمشاركة الحرفيين فيها، فإنها متأثرة إلى حد بعيد بمواقف هؤلاء التجار الكبار أنفسهم، إذ إنهم هم الممولون الرئيسيون للحركة التجارية، بما في ذلك النشاط الحرفي الذي كان يعتمد اعتمادًا يوشك أن يكون كليًّا على خِبْرَات وافدة إلى شبه الجزيرة.
وفي ضوء تلك المسلمات المنهجية أيضًا ينحصر الخلاف بين النمط البدوي والنمط الحضري في شكل السلوك الخارجي دون أن يتناول جوانبه النفسية المُستَسِرَّة، وهذا هو المقوم الثاني من مقومات النمطية، ونعني به وَقْعَ الممارسة المستمرة لمستوى سلوكي معين في إطار ظروف بيئية ثابتة وتأثيرَها على الأبعاد النفسية، أي صداها الشعوري واللا شعوري جميعًا.
وفي هذا المجال نجد أن التكرار هو الخصيصة المشتركة بين النمطين، أو لِنَقُلْ هو اللحن الرتيب الذي يعزفه كل نمط منهما ويوقعه، وهو لحن مزدوج النغم، تشكل كلٌّ من الألفة والقهر ما يشبه الحركة الأساسية فيه، وبالتبادل بين هاتين الحركتين، كما بالتكامل بينهما، تتغير نغمة الإيقاع، لكن هذا التغير يظل محدودًا بالانسجام الهارموني للحركات الأساسية في اللحن الكلي، ذلك الانسجام الذي يلحظ منطلقه ومحوره معًا، لا يتعدى ذلك ولا يتجاوزه.
بهذا لم تكن الرحلة مجرد حركة خارجية سعيًا عما يقيم الأَوَدَ من ماء وعشب، بل كانت مع ذلك موقفًا نفسيًّا مُلِحًّا ومتكررًا، ومن تلك الحركة الخارجية وهذا الثبات الداخلي وجد النمط السلوكي وتحددت خصائصه، كما ولد النمط الفكري وتبلورت ملامحه، إذ إن الرحلة لم تكن أسلوبًا للحياة المادية منقطعَ الأسباب بالعوالم النفسية، بقدر ما كانت أيضًا تعبيرًا عن واقع نفسي مُوَازٍ لذلك الوجود المادي الخارجي، ومرد ذلك إلى أن الرحلة -كما هو ثابت تاريخيًّا- لم تكن تتم بين أراض مختلفة الخصائص، أو مناطق متباينة بالطبيعة، بل كانت تمارس داخل إطار منسجم الخصائص متقارب الظروف متشابه بالطبيعة: مساحة هائلة من الصحراء الرملية التي تمتد إلى غير حد، والتي تقطعها هنا أو هناك بعض التلال والكثبان، كما قد تمتد فيها بعض الجبال المتوسطة الارتفاع أو القليلة العلو، وينسرب أثناءَها البشر أو الحيوان في طرق تحفظها الذاكرة أو ممرات تألفها الأقدام، وبذلك لم تكن الرحلة بحثًا عن مجهول ولا استشراقًا لمغيب فلم تُثَرْ روحُ الاستكشاف ولم تُدفَعْ إلى المغامرة، بل -على العكس من ذلك- ساعدت على تثبيت النمط الفكري بإيقاعاتها الملحة الدءوب.
ولم تتح لهذه الأنماط أن تتغير كثيرًا بتلك العلاقات الخارجية التي كانت تربط شبه الجزيرة بما حولها، والتي كانت تفتح أمام أبنائها آفاقًا أرحبَ بما تقدم لهم من نماذج سلوكية مختلفة عما يمارسون، وفكرية مغايرة لما يدركون، على الرغم من تنوع هذه العلاقات وتعددها: بين هجرات متتابعة من داخل شبه الجزيرة إلى خارجها تحت إلحاح الحاجة، وهجرات متنوعة من خارج شبه الجزيرة إلى داخلها تحت ضغط الخوف، ومناطق احتكاك على الحدود الجغرافية بشبه الجزيرة، تلك التي حاولت الدول الكبرى القائمة آنئذ أن تجعل منها حدودًا سياسيةً مقفلةً فلم تستطع إلا أن تقيم فيها مراكز اتصالات مباشرة، ولعل عدم تأثر الأنماط الذاتية التي قدمتها البيئة العربية بهذه العلاقات كثيرًا يعود أولًا: إلى قلة العناصر المهاجرة إلى شبه الجزيرة، ثم ذوبانها فيها أو تقوقعها على نفسها، ومن ثم عدم قدرتها على التأثير في غيرها.
وثانيًا: إلى انسلاخ العناصر المهاجرة منها عنها بانفتاحها على الأجناس الأخرى في المناطق التي هاجرت إليها، ثم تأثرها بها، أي بتلك الأجناس الأخرى، تأثرًا بلغ من العمق حدًّا صارت معه الجماعات المهاجرة معبرةً عن بيئتها الجديدة بظروفها الوليدة: وأثبتت بهذا -كما سنتناول ذلك في بحث تالٍ إن شاء الله- قدرتَها على التكيف ومرونتَها في المعايشة.
وثالثًا: لأن مناطق الحدود بالرغم من كونها مراكز اتصال مستمر بين شبه الجزيرة وخارجَها كانت محدودة الأثر في بعض القبائل المتطرفة المجاورة لها، التي كان ينظر إليها دائمًا بعين الريبة، والتي لم تستطع لذلك أن تمارس تأثيرًا سلوكيًّا أو فكريًّا في غيرها من القبائل المنتشرة فيما وراءها بامتداد شبه الجزيرة بأسرها: من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، ومن ثم ظلت هذه القبائل -سواء ما انتشر منها في البادية أو ما استقر حول المدن- تعيش أنماطها التي صاغتها البيئة وبما لها من خصائص متميزة فكريًّا وسلوكيًّا معًا، وحتى تلك القبائل المجاورة للحدود، والتي أريد لها أن تكون بمثابة كلاب الحراسة لم تنس -بحكم وضعها الجغرافي وعلاقاتها الاجتماعية معًا- أُلْفَتَها للأنماط، ومن ثم لم يكن لاحتكاكاتها تأثير في تحريرها من النمطية او إخصاب الأنماط المألوفة كيفًا بتكثيف نماذجها وتعقيد علاقاتها وتعميق مستوياتها، بقدر ما كان لهذه العلاقات من تأثير محدود، يعود إلى تقديم بعض النماذج النمطية الجديدة، وبذلك أتيح لسكان تلك المناطق بعض التفاوت العددي في المحصلة النهائية للأنماط المعروفة ونماذجها المألوفة المعبرة، وهو تغير نسبي، إلا أنه سطحي غير جذري، إذ لم يتناول التغيير خصائصها النوعية، ولم يقدم اختلافًا تركيبيًّا.
والأمر قريب من هذا في العناصر التي كانت تمارس عملية النقل التجاري، والتي كان من المتوقع أن تتغير سلوكًا أو فكرًا بما أتيح لها من علاقات ووشائج وقفت معها على جديد في الفكر والسلوك، ومع ذلك لم يتح لهذه العناصر أن تنطلق من أسر الأساليب النمطية لسبب رئيسي تجعل فيه كل الأسباب الأخرى، وهو أن اتصالها بغيرها بالرغم من كونه موجودًا إلا أنه محدود، إذ كان النقل التجاري في مراحل طويلة من تاريخه عبر شبه الجزيرة ينتهي عند مشارف الشام، دون أن يتمكن العاملون به من تحقيق التحام عميق بقطاعات عريضة من الأجناس التي تعيش في تلك المناطق، والتي تقدم بمعيشتها وعلاقتها معًا العديد من القيم السلوكية المغايرة، والتقاليد الفكرية المختلفة، فإذا أضيف إلى ذلك وجود بعض صور الاختلاف اللغوي بين العناصر المستخدمة في حراسة القوافل التجارية والأهالي الذين يستوطنون الشـام في تلك المراحل التاريخية، أمكن فهم الدور المحدود الذي قامت به التجارة في هذا المجال، على الرغم من عميق تأثيرها في الحياة الاقتصادية لشبه الجزيرة بأسرها.
وإذا كانت النمطية منطقيةً في ظل هذه الظروف والمقومات بحيث أصبحت بالضرورة أسلوبَ الحياة والفكر معًا، فما صلة هذه الظروف والمقومات بالخصائص الدقيقة لنماذج النمطية ذاتها؟ وإلى أي مدى كان تأثيرها فيها وتأثرها بها؟ ذلك -إن شاء الله- موضوع البحث التالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل