; الشراكة الإستراتيجية.. وفلسفة المساعدات الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان الشراكة الإستراتيجية.. وفلسفة المساعدات الأمريكية

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993

مشاهدات 86

نشر في العدد 1049

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 11-مايو-1993

خلاصة تقرير دجير جيان تشير إلى أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل قائمة على الشراكة الاستراتيجية، أما المساعدات الأمريكية لمصر فقائمة على مقدار ما تجنيه أمريكا من وراء مصر من مصالح.

سبق أن أشرت في هذه الزاوية تحت عنوان «مكاسب رابين.. وخسائر المسلمين» إلى مدى ما ذهب إليه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من ثناء ومدح لإسرائيل أثناء زيارة رابين الأخيرة للولايات المتحدة، إلى حد وصفها بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى تعهدات أمريكية لإسرائيل وصلت إلى حد الشراكة الاستراتيجية والمصير المشترك، ووعود ضمنية بأن أمريكا لن تكف في مساعيها لجعل كل دول المنطقة تفتح أسواقها وعلاقاتها مع إسرائيل، سواء بالترغيب أو الترهيب.

يؤكد هذا ما حدث في الثامن والعشرين من إبريل الماضي، حينما وقف إدوارد دجير جيان، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، أمام اللجنة الفرعية الخاصة بأوروبا والشرق الأوسط التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، لِيُدلي ببيان الإدارة الأمريكية حول المساعدات الخارجية لدول الشرق الأوسط.

وقفت طويلًا أمام نص البيان الذي أدلى به دجير جيان، ثم وقفت أطول أمام برنامج المساعدة المقدم لإسرائيل وبرنامج المساعدة المقدم إلى مصر، وهالني ما بينهما من فروقات، ليس في حجم مبالغ المساعدات فحسب، وإنما في أسلوب توظيفها ومردودها ونتائجها على كلا البلدين، وعلى المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى، لا سيما المردود الاستراتيجي الضخم الذي تحصل عليه الولايات المتحدة من وراء مساعداتها المقننة لمصر.

بدأ دجير جيان حديثه عن المساعدات الأمريكية لإسرائيل مؤكدًا أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس قائمًا على مصالح كما هو الحال مع باقي الدول، وإنما قائم على العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة، والمرتكزة على القيم الديمقراطية المشتركة، وأن الرئيس كلينتون مصمم على جعل العلاقات التي تربط بين بلدينا «أقوى وأكثر مرونة». ثم أعاد التأكيد على أن التزام الولايات المتحدة الراسخ بأمن إسرائيل وتفوقها العسكري النوعي على دول المنطقة هو التزام يقوم على إدراكنا للتحديات المستمرة لأمن إسرائيل وشراكتنا الاستراتيجية معها.

ثم استعرض دجير جيان برنامج وحجم المساعدات الأمريكية لإسرائيل، والتي يبلغ حجم المبالغ المعلنة منها ثلاثة مليارات دولار، علاوة على عشرة مليارات أخرى ضمانات للقروض «لمساعدة جهود إسرائيل لاستيعاب المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق وإثيوبيا ودول أخرى».

كما أشار إلى برنامج المساعدة الأمنية فقال: «يهدف برنامج المساعدة الأمنية إلى تعزيز إسرائيل حرة ديمقراطية تشاركنا الكثير من قيمنا الاجتماعية والسياسية، ويساعد برنامج التمويل العسكري الأجنبي إسرائيل على الحفاظ على قدرتها الدفاعية ضد أي مجموعة محتملة من المعتدين».

وحينما أشار إلى برنامج المساعدة الاقتصادية قال: «أما برنامج الدعم الاقتصادي E.S.F فإنه يساعد إسرائيل على تقليص التضخم واستمرار نمو اقتصادها الحر، والحفاظ على مستوى معيشي مقبول لشعبها في مواجهة متطلبات محلية كبيرة ومستويات هجرة عالية ونفقات دفاعية مرتفعة». هذا باختصار ما ذكره دجير جيان حول فلسفة المساعدات الأمريكية لإسرائيل.

أما عن فلسفة المساعدات الأمريكية لمصر ونتائجها فيقول دجير جيان: «لقد كان عائد توظيف مساعداتنا الأمنية في مصر على مدى العقد الماضي ممتازًا؛ إذ وظفت مصر مساعداتنا لتدعيم مؤسساتها العسكرية واقتصادها، معززة بذلك دورها الهام بالإسهام في استقرار الشرق الأوسط وتعزيز الأهداف الأمريكية في المنطقة... لقد قدمت مصر دعمًا أساسيًا للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ومصر هي شريكنا العربي الرئيسي لإحلال سلام عربي إسرائيلي، وتدعيم القوى المعتدلة في الشرق الأوسط سريع التأثر. كما أبدت مصر تعاونًا متناهيًا في المفاوضات الجارية بين مصر وإسرائيل وجاراتها العربيات الأخريات».

أما فيما يتعلق ببرنامج التمويل العسكري فقد أشار دجير جيان إلى تحول مصر إلى الأسلحة الأمريكية بعدما كانت الكتلة السوفياتية، وحتى عام ١٩٧٩، هي المورد الرئيسي للمعدات العسكرية لمصر، وأنها الآن أصبحت تعتمد على «أنظمة السلاح الأمريكية ذات التقنية المتفوقة»، وعلاوة على ذلك فإن مصر «تعكف على رفع قدرتها على التعاون الوثيق مع القوات الأمريكية».

أما فيما يتعلق بتوظيف المساعدات الأمريكية في مصر على المستوى الاقتصادي فقد قال دجير جيان عن مصر التي كانت أكبر بلد زراعي في المنطقة: «إن برامجنا قد طورت مصر لتصبح سوقًا كبيرًا للمنتجات الأمريكية، وبصفة خاصة المنتجات الزراعية، لقد أصبحت مصر ثالث أكبر سوق أجنبية تستورد القمح منا».

وعما جنته مصر من وراء مساعدات أمريكا خلال العقد الماضي يقول دجير جيان في نفس التقرير: «إن مصر لا تزال تواجه تحديات اقتصادية مثبطة للهمة؛ فنسبة البطالة تبلغ عشرين بالمائة بعد أن كانت لا تتعدى منزلة الآحاد في أوائل الثمانينات، والنمو الاقتصادي بطيء، ومعدل النمو السكاني، على الرغم من تدنيه، لا يزال سريعًا جدًّا، وشاهد الشعب المصري مستوى معيشته يتدنى بدرجة كبيرة خلال الخمس السنوات الأخيرة».

إن هذا الكلام هو لإدوارد دجير جيان، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، ولم آت بشيء من عندي إلا المرارة التي يغص بها حلقي، كلما أعدت قراءة هذا التقرير، ليس من كلام دجير جيان، فالرجل أولًا وأخيرًا يخدم مصلحة بلاده؛ ولكن للبلادة التي لحقت بنا ونحن نتابع هذه الحقائق الواضحة دون أن نحرك ساكنًا!

فقبل عشر سنوات لو كتب كلام مثل هذا لسمعنا صياحًا هنا وصراخًا هناك ممن يسمون أنفسهم بالنخبة، أما الآن فاللعب أصبح على المكشوف، وهؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالنخبة أصبحوا يفلسفون الفلسفة الأمريكية ويخدعون بها الشعوب.

إن الكلام الذي ذكره دجير جيان ليس بحاجة إلى تعليق، وإنما بحاجة إلى فهم وإلى استيعاب، فالعقل العربي يجب أن تعاد صياغة مفاهيمه من جديد وفق دينه وعقيدته وبيئته، حتى يدرك أبعاد ما يدور حوله، ويعلم أن أمريكا لا تعمل إلا لمصلحتها ومصلحة الشراكة الاستراتيجية لها مع إسرائيل، فكلام مساعد وزير الخارجية الأمريكي واضح مثل الشمس، ولكن.. ولكن.. يا ويح الشجي من الخلي.

اقرأ أيضًا

الرابط المختصر :